عندما تتحول المتابعة القضائية إلى تتويج شعبي.. قراءة في حالة رئيس جماعة الزراردة بإقليم تازة

www.alhadattv.ma

حميد بوزياني

تطرح قضية علي بوزردة، رئيس جماعة الزراردة بإقليم تازة، إشكالية سوسيولوجية مركبة تتجاوز البعد القانوني الضيق للمتابعة القضائية، لتنفتح على مساءلة أعمق حول طبيعة التحولات التي تعتري الوعي السياسي المحلي في المغرب، وحول آليات إنتاج الشرعية الشعبية في سياقات تدبيرية متوترة. فخلافا للسائد في مثل هذه الحالات، حيث تقابل ملاحقة المسؤولين الترابيين عادةً بحالة من اللامبالاة المجتمعية أو التوجس الأخلاقي أو الشماتة أحيانا، أفرزت هذه القضية دينامية تضامنية فريدة، اتسمت باتساع قاعدتها الاجتماعية وتنوع مرجعياتها الفكرية والسياسية، متجاوزة بذلك أطر الجماعة الترابية الضيقة نحو فضاءات مجتمعية أوسع.
ينطلق هذا التحليل من فرضية مركزية مفادها أن ظاهرة الالتفاف حول تجربة بوزردة لا تقبل الاختزال في كونها رد فعل تضامني ظرفي أو ولاء قبلي لمجرد الانتماء الجغرافي، بل تشكل، في جوهرها، استجابة بنيوية لندرة النماذج التدبيرية الناجحة داخل الحقل السياسي المحلي، وتعبيرا عن تحولات عميقة في معايير تقييم الفعل العمومي من طرف المواطنين والنخب على حد سواء. إنها، بتعبير أدق، لحظة كاشفة عن صعود وعي سياسي نقدي بات يميز بين الغث والسمين في التدبير المحلي، وينتج أحكامه القيمية انطلاقا من معاينة ملموسة للمنجز ومن تقييم صارم للمسلكية الأخلاقية.
لفهم عمق التعاطف الواسع الذي ولدته قضية بوزردة خارج النفوذ الترابي الضيق لجماعة الزراردة، يتعين علينا الانتباه إلى آلية محورية يسميها علماء الاجتماع السياسي بالمقارنة المرتكزة على الجوار. فعندما ينظر الفاعلون الاجتماعيون في دائرة تاهلة أو إقليم تازة عموما إلى محيطهم المباشر، ويقارنون بين ما تحقق في الزراردة وما آلت إليه أوضاع جماعات مجاورة، يتشكل لديهم وعي فجائعي بحجم الفارق التنموي الذي أحدثته تجربة تدبيرية مختلفة.
في هذا السياق، لا ينظر إلى الزراردة كمجرد جماعة قروية تحقق بعض المكاسب التنموية الاعتيادية، بل كجيب تنموي أو جزيرة دينامية داخل محيط مطبوع بالسكون التدبيري إن لم نقل بالبلوكاج البنيوي. وهذا التمايز لا يقتصر على حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع، بل يمتد ليشمل نمط الحضور المؤسساتي وطبيعة العلاقة مع السلطات الإقليمية والمركزية؛ إذ استطاع بوزردة، وفق شهادات متطابقة من الفاعلين المحليين، تحويل الجماعة إلى فاعل استراتيجي قادر على استقطاب اهتمام المؤسسات الوصية، وعلى نسج علاقات مؤسساتية قوامها الثقة والجدية، وهو ما تجلى في الزيارات الميدانية المكثفة للمسؤولين الترابيين والإقليميين، وفي تسارع وتيرة تنزيل مشاريع هيكلية لطالما ظلت حبيسة الأدراج في جماعات أخرى.
إن النجاح الميداني لا ينتج، في هذه الحالة، شرعية تدبيرية فحسب، بل ينتج أيضا ما يسميه بيير بورديو برأس المال الرمزي، أي ذلك المخزون من الاعتراف والتقدير الذي تمنحه الجماعة لمن أثبت جدارته العملية. هذا الرصيد الرمزي هو الذي يفسر لماذا تحول المنجز المادي للزراردة إلى مشروعية أدائية في نظر النخب والمواطنين على السواء، وإلى بصيص أمل بإمكانية الإصلاح الحقيقي من داخل المؤسسات وليس من خارجها، في سياق وطني تطغى عليه خطابات الإحباط واليأس من إمكانية التغيير.
من الثوابت الراسخة في سوسيولوجيا الانحراف والمخالفة أن المتابعات القضائية كثيرا ما تشتغل، بالإضافة إلى وظيفتها الزجرية المباشرة، كآليات رمزية للوصم الاجتماعي وإفقاد الفرد لاعتباره ومكانته. لكن ما حدث في حالة بوزردة يمثل انقلابا دلاليا لافتا على هذه القاعدة؛ إذ تحولت المتابعة، في وعي الجماعة، من أداة للوصم إلى تزكية رمزية تنضاف إلى رصيد الرجل بدل أن تنتقص منه.
يعود هذا الانقلاب، في العمق، إلى مركزية ما يمكن تسميته بالعفة المسلكية في بناء الصورة الاجتماعية للمسؤول. فعلي بوزردة، وفق شهادات متواترة ومتقاطعة من مختلف الفاعلين، نجح طيلة مساره التدبيري في الحفاظ على مسافة واضحة مع كل أشكال اقتصاد الريع المحلي، وفي مقاومة إغراءات التوظيف الزبوني للموارد العمومية. ولعل أبلغ تجسيد لهذه الممانعة هو ما أنتج المتابعة القضائية ذاتها؛ فقد أقدم بوزردة على تقديم تعرض ضد حفر ثقبين مائيين من طرف مستثمر فلاحي، خشية أن يؤدي ذلك إلى جفاف البئر التي تعتمد عليها الساكنة المجاورة التي ذاقت الأمرّين من ويلات العطش سابقاً. وقد اتهم على إثر ذلك بتهمة التزوير، بدعوى تغيير معطيات في سجل للجماعة بما يسمح بتقديم التعرض بعد فوات الأجل القانوني.
وتكتسي طبيعة التهمة الموجهة إلى بوزردة دلالة بالغة في فهم عمق الاستثناء المسلكي الذي يجسده. فخلافا للصورة النمطية التي التصقت برجال السلطة والمنتخبين في المخيال الجمعي المغربي، لم يتابع الرجل بأي من الجرائم التي ألفتها محاكم جرائم الأموال في قضايا تدبير الشأن العام، والتي حددها القانون الجنائي المغربي في عداد الجنايات والجنح المرتبطة بالوظيفة، وعلى رأسها: الاختلاس وتبديد أموال عمومية أو خاصة موضوعة تحت اليد بحكم الوظيفة، والغدر والرشوة واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع، ناهيك عن التبديد العمدي لممتلكات الجماعة أو التزوير بغرض الاستيلاء. إن خلو المتابعة من هذه التهم، التي عادة ما تلازم ملفات اختلال التدبير المحلي، يعزز فرضية أن الأمر لا يتعلق بمحاسبة على فساد مالي أو أخلاقي، بل بضريبة مواقف دفعها الرجل ثمناً لدفاعه عن الجماعة وتغلبيه حماية الموارد الحيوية للساكنة على منطق المصالح الخاصة ورفضه الانخراط في شبكات النفوذ التقليدية التي لطالما شكلت نسيج التدبير المحلي.
إننا هنا أمام ما يمكن تسميته اصطلاحا بالتضامن القيمي. فالمجتمع لا يتضامن مع شخص بوزردة في كينونته الفردية، بقدر ما يتضامن مع نموذج قيمي وتدبيري يجسده هذا الشخص. إنها ممارسة جماعية لحماية الرمز، أي حماية النموذج الذي يثبت، بالممارسة، إمكانية وجود مسؤول نظيف اليد يرفع سقف التوقعات الشعبية ويحرج، بوجوده ذاته، النماذج التي دأبت على تدبير الشأن المحلي بالولاءات لا بالنتائج، وبالمحسوبية لا بالكفاءة.
يمثل التقاء النخبة والقاعدة في كتلة تضامنية واحدة أبرز تجليات هذه القضية وأكثرها دلالة من منظور سوسيولوجيا التعبئة الاجتماعية. فعادة ما تتسم حركات التضامن أو الاحتجاج في السياق المغربي إما بنخبة معزولة عن القاعدة الشعبية، وإما بحركات قاعدية تفتقر إلى سند نخبوي يؤطر خطابها ويعمق تحليلها. أما في حالة بوزردة، فقد حدث ما يشبه الانصهار النادر بين طرفي الهرم الاجتماعي:
أما النخب، من أكاديميين وحقوقيين ومثقفين وفاعلين مدنيين، فتجد في تجربة بوزردة الذات المرآوية التي تعكس نموذجيا قيمها ومثالياتها. إنه المسؤول الذي استطاع، بما يشبه المعجزة التدبيرية، أن ينزل القيم النظرية التي طالما دافعت عنها النخب، من شفافية وحكامة واستقامة ومساواة في الولوج للخدمات، إلى أرض الواقع المعقد والمقاوم، دون أن تلوثه ماكينة الزبونية المحلية. هذا التطابق بين القيمة والممارسة هو ما يفسر عمق الاستثمار العاطفي والرمزي للنخب في هذه القضية.

وأما القاعدة الشعبية، من ساكنة الزراردة وجوارها، فتنظر إلى بوزردة بمنظار الملموسية اليومية: إنه المسؤول المواطن الذي يمكن رؤية أثر استقامته في جودة البنايات، وتميز المشاريع وتنوعها، وتوفر الماء الصالح للشرب وملاعب القرب، وكرامة الاستقبال في المرفق الإداري، وكسر الحواجز البيروقراطية بين المواطن والإدارة. هذا الارتباط بالملموس يختلف جوهريا عن الارتباطات الأيديولوجية المجردة، إنه ارتباط نفعي قيمي في آن، ينبني على معاينة حسية لأثر الحكامة الجيدة على ظروف العيش اليومي، وعلى تقدير عميق لمن يضحي بموقعه من أجل الدفاع عن المصادر الحيوية للجماعة كما جرى في واقعة الثقبين المائيين.
وأما الفاعلون السياسيون، من مختلف المشارب والمواقع، بمن فيهم من يفترض أنهم خارج دوائر السلطة وداعمون للمقاطعة، فيقدمون من خلال تضامنهم شهادة اختصاص بالغة الدلالة. إن التقاء يساريين ويمينيين، ومعارضين وأغلبيين، يؤكد أن بوزردة استطاع، في لحظة ما، خلق إجماع نادر حول فكرة مركزية هي السياسة كأخلاق أو التدبير كخدمة عمومية، متجاوزا الانقسامات الإيديولوجية والسياسية التقليدية. كما أن تضامن رؤساء جماعات تصنف ناجحة تدبيرياً معه يشكل اعترافا ضمنيا من أهل الاختصاص بصعوبة التمسك بالمبادئ الأخلاقية والتدبيرية في بيئة محلية ممانعة.
عوضا عن قراءة هذه القضية من منظور الصراع الشخصي أو التصفية السياسية، نقترح مقاربة سوسيولوجية بنيوية ترى فيها تجسيدا لصراع نمطَي تدبير داخل الإدارة المحلية المغربية. فما واجهه بوزردة في مساره لا يفهم بمعزل عن طبيعة النموذج التدبيري الذي تبناه، والذي اصطدم، بشكل شبه حتمي، بنمط تدبيري آخر هو السائد والمهيمن.
يمثل النمط التدبيري الذي دافع عنه بوزردة ما يمكن تسميته بمنطق المرفق العام، القائم على فكرة أن الخدمات والموارد جماعية، توزع وفق معايير الاستحقاق والحاجة، وأن العلاقة بين المسؤول والمواطن هي علاقة خدمة عمومية قوامها المساواة والشفافية. وتقدم واقعة تعرضه على حفر الثقبين المائيين خوفاً على بئر الساكنة نموذجا صارخا لهذا المنطق، حيث قُدمت المصلحة الجماعية في الماء على أي اعتبار خاص. في المقابل، يمثل النمط المهيمن تقليديا المنطق الزبوني، القائم على فكرة أن الخدمات والموارد تدبر كامتيازات تمنح مقابل الولاءات السياسية أو القرابية أو الشخصية، وأن العلاقة بين المسؤول والمواطن هي علاقة وصاية وتبعية.
هذا التباين الجذري في فلسفة التدبير هو الذي أنتج ما يمكن وصفه باللاتوافق البنيوي بين بوزردة والقوى التقليدية وأصحاب النفوذ المحلي. إنه صدام بين عالمين تدبيريين مختلفين في قيمهما وأدواتهما وغاياتهما، وليس مجرد سوء تفاهم أو خلاف شخصي. وبهذا المعنى، فإن التعاطف الشعبي الواسع الذي أفرزته القضية ليس إلا رد فعل وقائي من المجتمع لحماية نموذج تدبيري ناجح من الاختناق تحت ضربات قوى النكوص التدبيري، أي القوى التي ترى في هذا النموذج تهديدا وجوديا لاستمرار آليات اشتغالها التقليدية.
في المحصلة النهائية، يقدم لنا ملف بوزردة مادة سوسيولوجية غنية لفهم التحولات العميقة التي تعتري العلاقة بين المجتمع والسلطة في المغرب المعاصر. إن الإجماع التضامني الذي حظي به الرجل، والممتد من جماعته الصغيرة إلى فضاءات فكرية وحقوقية وسياسية وطنية، هو أكبر دليل على أن الرأسمال الأخلاقي في السياسة لا يزال، رغم كل شيء، هو العملة الأكثر تداولا وقيمة في سوق الشرعيات الرمزية.
إن هذا التضامن هو بمثابة رسالة موضوعية قوية، فحواها أن المجتمع المغربي، في قطاعات متعلمة وشعبية على السواء، بات يمتلك آليات متطورة لتمييز الصالح من الطالح في التدبير المحلي، ولإنزال الاعتبار المعنوي بالممارسة لا بالانتماء، وبالنتائج لا بالولاءات. لقد أثبتت هذه القضية، بما لا يدع مجالا للشك، أن نظافة اليد حين تقترن بكفاءة المنجز، وبشجاعة الدفاع عن الموارد الحيوية للمواطنين في وجه المصالح الضيقة، تنتج حصانة سوسيولوجية من نوع خاص، حصانة لا يمكن للمناورات أو المتابعات أن تنال منها بسهولة، لأنها متجذرة في وعي الجماعة وفي اعترافها الصريح بقيمة النموذج وأهمية استمراره.
وتبقى الآمال معقودة، في نهاية هذا التحليل، على حكمة القضاء المغربي في أطواره المقبلة، لترجمة هذه البراءة السوسيولوجية التي عبرت عنها الحاضنة المجتمعية بمختلف فئاتها إلى إنصاف قانوني يعيد للرجل اعتباره كاملاً، وللمواطن البسيط ثقته في أن الاستقامة والكفاءة ونظافة اليد لا تزال خيارات ممكنة ومحمية في تدبير الشأن العام، وأن ثمن الممانعة في سبيل المصلحة العامة لن يظل إلى الأبد باهظا إلى هذا الحد.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر