ads980-90 after header
الإشهار 1


محمد المعزوز : المشهد الثقافى فى المغرب يعيش وضعا سيئا

الإشهار 2

يؤكد الروائى المغربى محمد المعزوز وصول روايته “بأى ذنب رحلت؟” إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2019، يؤشر ضمنيا إلى أنه قد أصبح للرواية المغربية حضور إبداعى مميز معترف به، ويضيف المعزوز أن الرواية تدعو للعودة إلى الفلسفة والجمال لمقاومة القبح والأسقام، وإن مثلث السياسة والأخلاق والجمال قاعدة مركزية، لبناء تصور فنى فى سردية فلسفية تنعى واقع الإنسان الآن، الذى ارتسم بالتحقق جرحا غائرا فى دالة الوجود، موضحاً فى حواره لـ”الأهرام العربى” أن المشهد الإبداعى والثقافى فى المغرب والعالم العربى فى ظل التحولات السياسية الكبرى التى يشهدها العالم، يعيش وضعا سيئا بسب عدم مجاراته للتحولات التكنولوجية وقضايا الإدراك التى تخص الإنسان المعاصر.
< أبدأ من الحدث الأهم وهو وصول روايتك الجديدة "بأى ذنب رحلت؟" إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2019، كيف تنظر إلى هذا الحدث؟ وصول رواية” بأى ذنب رحلت؟” إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2019، يؤشر ضمنيا إلى أنه قد أصبح للرواية المغربية حضور إبداعى مميز معترف به منذ حصول رواية “قوس الفراشة” لمحمد الأشعرى على جائزة البوكر مناصفة، ووصول روائيين مغاربة إلى القائمة القصيرة والطويلة. تعتبر رواية “بأى ذنب رحلت؟” ذلك الاستمرار النوعى للإبداع المغربى الروائى، الذى يجعل من مادته ومتخيله خاصية سردية محلية بحمولة مغربية وبأفق عربى وكوني. لذلك، فقراءتى لحدث عبور هذه الرواية إلى القائمة القصيرة، قد تم من هذا المنطلق الذى أصبح يحملنى مسئولية الاستمرار فى الكتابة الروائية المشروطة بالجودة وبالإضافات، بعيدا عن التكرار والسقوط فى رتابة التخييل. < ما الذى أردت أن تقوله فى الرواية كعنوان وفكرة وتدوين روائي؟ ما أردت أن أقوله فى هذه الرواية إن العالم قد أصبح رديئا جدا، وإن طينة الخيرين والأنقياء بدأت تتحلل وتندثر رويدا رويدا. هناك موت داخلى للإنسان ودمار مروع للآدمية التى بها يتقوم الخير والحق والعدل والمحبة. لقد أصبح الإنسان عبارة عن كائن مشخص يقوده هوى الأنا وتجذبه الرغبة إلى عمى الوجود الانفرادى،مثله مثل الحيوان التائه الناهم الذى يفترس أى شىء أمامه، حتى ذاته يرغب فى افتراسها، فى تدميرها، لأنه أصبح مشروطا بفوبيا البقاء. حاولت الرواية أن ترصد هذا الواقع المرير، من خلال قراءة سردية لآفة السياسة التى أصبحت فى البلاد العربية، خصوصا دائرة جهنمية للقتل الرمزى وتشيىء الإنسان العربى واستغلاله وإفراغه من محتواه التاريخى، وقتل هويته الصلبة التى تعتبر أساس كينونته ووجوده الشرعى . < فى رواية “بأى ذنب رحلت؟” دعوة إلى العودة إلى الفلسفة والخير والجمال لمقاومة القبح وتشوه إنسانية الإنسان ماذا قصدت من تلك الدعوة؟ ليست رواية “بأى ذنب رحلت؟” انحيازا سطحيا وتوصيفا مقتولا لعلاقة المثقف العربى بالسلطة وبالدين وبالسياسة وبالمجتمع، بل هى تأمل فلسفى فى هذه القضايا المذكورة. تأمل يتغيا إثارة الإشكالات الوجودية الكبرى المتعلق بعلاقة الإنسان بذاته، بكل ما تضمره هذه العلاقة من قلق وخوف حيال “التاناتوس” والخراب المتمثل فى درامية النهايات. توترات فظيعة تسكن هذه العلاقة مشخصة فى كل ما يحيل إلى الموت أو إلى عتباته التى يرمز إليها المرض. تضعنا الرواية أمام سؤال الاعتلال الذى يسكن الجسد فى علاقته بما يجعل النفس مأزومة، قلقة ومضطربة، تنوس ما بين الانجذاب إلى الخواء وما بين الانتصار لقيم “الإيروس” من حيث هو معنى للآدمية المجبولة على الحب وقيم التفلسف والخير والجمال. من ها هنا، انعطفت الرواية على قضايا إنسانية دقيقة مرهونة بالماهية والوجود وهى تتصل بتعقيدات النفس الإنسانية وخيباتها فى سياق التوترات النفسية بين الرؤية والعتمة، بين التطور والنكوص. لذلك ارتأت أن تعرض للاعتلال السياسى واندحار القيم وموت الماهية بنفس سردى متمرد على السرديات الكلاسيكية التى جعلت من التقانة والاقتصاد مصدرين لاستمرار التاريخ. وفق هذا المعنى، فالنفس الفلسفى فى الرواية يسعى إلى الانفلات من أطروحة موت الإله وموت الايديولوجيا، ويقترب من دلالة موت “مطلق الوجود” بلغة الفيلسوف هايدجر، الذى يحتل فيها القلق الوجودى العلة الأنطولوجية للوجود نفسه. إن الاجتهاد فى الكشف عن مخبوءات الممارسة السياسية من خلال مكون القلق والتوتر، وتمثل الإنسان للمرض والموت، والشعور بالخواء والضياع لدى مختلف شخوص الرواية، هو العصب الأعلى الذى بنيت عليه الرواية لتقدم نفسها كتأمل جريح فى السياسة، يمثل فيه الواقع ككائن تراجيدى حافل بكل الأسقام والأعطاب الإنسانية. الرواية رصد دقيق لعطالة الآدمية وترددات موت الدواخل عبر تناسل الرذيلة والقبح والعنف وارتقاء الرداءة فى كل شيء. < ما هدفك من الرواية، وما الذى أردت توصيله من خلالها؟ إن دعوة الرواية للعودة إلى الفلسفة والجمال، هى دعوة للعودة إلى الآدمية وتحصينها ضد القبح والعدم، إن كل شخوص الرواية التى تمثل هذا الاتجاه آتية من معاناة تاريخية، وتوترات الذات العربية التى كبلتها السياسة الماكرة واستلبتها عبر خدع المثل والهوية والإصلاح لذلك، ارتأت أن تتحمل مسئوليتها فى هذه الظروف العصيبة، ببعث قيم الخير والحق والعدل عبر الجمال والتأمل الفلسفي، وهذا ما مثله عبد الله وراحيل. < شخصيات الرواية كم اقتربت من الواقع؟ ليست راشيل والدة راحيل إلا لحظة سابقة للانهيار، استبقت الأحداث بالتساؤل والسؤال والشك فى الواقع والمعيش معا، لكنها لم تستطع أن تحمى نفسها من الانزلاق فى السلبية والعدمية من فرط التساؤل وفقدان الثقة والشك، مما جعلها تنهار فجأة، وتتعطل عجلة الانسياب فى تحقيق الممانعات المطلوبة، باعتبارها ترمز فى الرواية إلى ذلك المشروع الفكرى، الذى كان مصيره الفشل، وهذا ما عنيته بالسقوط فى مناسبة سابقة. < هل حدث أن تمردت عليك إحدى شخصياتك الروائية، وارتأت غير ما ارتأيت ككاتب؟ لا تمثل شخصية رؤوف هذا النوع من السياسة فقط، بل تمثل أيضا كل الإرادات الساعية إلى تلطيخ ما تبقى من جمال نابض فى العالم وفى الإنسان. لقد استطاع رؤوف أن يخلق واقعا مختلفا عن الواقع الذى كان يحلم به خالد، هذه الشخصية التى باتت تواجه مصيرها المشروخ بالإدمان على شرب الخمرة وصناعة العزاء الأخير بين أحضان الصحفية جيهان مرددا فى كل مرة: “ آه أيها الاحتراق الذى يسمى الألم. لماذا عمرنا هكذا يفرح للظلام والموت؟ لماذا هو مجرد استمرار فى التعثر والأحلام المستعصية؟”. وتبقى شخصية خالد فى الرواية ذلك الأمل الذى ضاع، لأنه أخطأ التقدير لما طلق زوجته راحيل وقايض القضية السياسية الكبرى بقضية صغرى لما أرغمها على بيع اللوحة الفنية دون أن يعى رمزيتها التاريخية والهوياتية . طلقها بمنطق ذكورى على الرغم من الشعارات التحررية التى رفعها ودافع عنها. لكنه فى آخر المطاف فضل أن ينخرط فى لعبة السلطة فانكشف تناقضه وأحرقت ورقته. لذلك لم تستنكف جيهان عن عتابه وتحميله مسئولية ما جرى، كقولها: حتى الإنسان، ذلك الإنسان الذى كنته أنت ورفاقك، قايض ذات آذار دمه وماء وجهه بكأس شامبانيا وطبق حلوى وعلبة سيكار، استبدل بتاريخه حاضرا مزيفا، فحكى مزكوما عن الاستقرار، ثم استهوى أن يكون الوزير والسفير، فدمر السير وعطل السفر...آه آذار، ضيع الأفق المضئ، أحرق المخازن والذخيرة، أوقف الفتن والهوى المبرر، فكفر الناس بالطريق... كل الطريق”. لكن طليقته راحيل، على الرغم من قرار انقطاعها عن العزف وقد ألم بها مرض القلب، قررت أَن تعيد للأمل وهجه عبر العزف والغناء ومقاومة تصلب القبح والفوات الزاحف. ولأنها كانت تجد فى سارتر ودو بوفوار ملاذها، وهى تتأمل عالم الموسيقى والفلسفة والحريّة والإنسان، كانت تكرر مرارا أن الموسيقى أصل الأصول، أصل الوجود وتكون العالم. قررت أن تخاطب العالم مرة أخرى، أن تقاوم غبش الأيام لتمارس حريتها عبر الموسيقى، كما مارستها أمها راشيل عبر النحت والتشكيل، غير أن أمها مارست هذه الحرية بإقدامها على الانتحار، خلافا لراحيل التى اختارت أن تكون حرة بالعزف والغناء لزرع آخر حبة أمل، دون أن تعلم بأنها ستموت وهى تنهى المقطع الأخير من سمفونيتها أمام جمهور عريض أعجب بها أيما إعجاب. خلال هذه المسافات السردية، كانت شخصية عبد الله الذى هجر العالم لما انتحرت زوجته راشيل وفقد طفلته راحيل، يتأمل العالم والإنسان، والشر والخيانات تأملا فلسفيا أراد من خلاله أن يجعل من التأمل معنى أقوى من السياسة ومن سذاجة التفكير الذى يمارسه السياسى السطحى المنجذب إلى أضواء السلطة. < كيف تقرأ المشهد الإبداعى والثقافى فى المغرب؟ أعتقد أن المشهد الإبداعى والثقافى فى المغرب والعالم العربى، فى ظل التحولات السياسية الكبرى التى يشهدها العالم، يعيش وضعا سيئا بسبب عدم مجاراته للتحولات التكنولوجية، وقضايا الإدراك التى تخص الإنسان المعاصر، وهى قضايا تختلف مطلقا عن إنسان الأمس. ما زلنا نخاطب إبداعيا إنسان اليوم بأدوات ومواضيع الماضي، وما زلنا لم ندرك ما يفكر فيه هذا الإنسان المستجد، لأننا لم نكلف أنفسنا مشقة الانفتاح والدعوة إلى فهم علمى لقضايا الإدراك كما هى حاصلة اليوم . لذلك، فنحن اليوم نكتب بدون وعى بما نكتب..... هنا أقول لا بد أن نعى اليوم كيف نخطط لكتابة الرواية، مثلا، الوعى بالتخطيط هو وعى بالاشتغال فى معرفة ما يفكر فيه “الإنسان الجديد”، ووعى بصعوبة الكتابة التى أصبحت اليوم تتطلب القطيعة مع الأشكال التقليدية. الكتابة الروائية أصعب من كتابتها فى الماضي، لأنها اليوم أمام مستجد يخص إنسانا مبهما تسيطر عليه وسائل التواصل الاجتماعى بشكل يشبه الإطلاق. < هناك من يتحدث عن تراجع دور المثقف المغربي، كيف ترى وضع الثقافة والمثقفين ودرجة تأثيرهم فى حاضر البلد؟ تساؤلك حول واقع تراجع المثقف المغربى والعربى فى ارتباطه بقضايا بلاده، وأنت تقصد بالتأكيد غياب صفة المثقف العضوي، هى حقيقة ملموسة حاولت الرواية بأى ذنب رحلت أن تجيب عنه، لقد أفرغ المثقف العربى من معنى الوظيفة وأصبح ببغاء يرد أصوات من يهبه النعم ...لا معنى اليوم للمثقف العربى، لأنه لا أثر له فى الناس الذين يعاصرونه ويعيشون معه... أكاد أجزم بموت المثقف الإيجابى أو المثقف المؤثر والمؤطر. < هل هناك علاقة بين كتاباتك وحياتك؟ نعم هناك علاقة قوية بين ما أكتب وبين ما أعيشه.إننى أكتب لأحافظ على آدمية ما تبقى من العمر، لأعيش عمرا مختلفا، مشاكسا، ومشكّكا حتى لا أكون من فصيلة القطيع أو من فصيلة الضباع. < هل تتعبك الكتابة؟ الكتابة تتعبنى وتؤلمنى كثيرا، هى أشبه من اقتلاع قطعة لحم حى من جسدي، أشبه بالحمى التى تؤلمني، ولكن بدون أن تؤدى بى إلى الهذيان. الكتابة معاناة كالولادة. < هل هناك مشاريع قادمة تعكف عليها؟ أكتب الآن رواية جديدة من نفس الجنس الذى كتبت به رواية “بأى ذنب رحلت؟” لأنى أشتغل على مشروع روائى يتعلق بالرواية الفلسفية، وأفكر فى أن أطلق على هذا الاتجاه الذى أسلكه فى كتابة الرواية، باتجاه “الكشف والتجاوز”. حوار أجراه ـ السيد حسين


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5