مديرية التراث الثقافي بوزارة الثقافة وأسرة الآثار يشعلون المغرب تراثا في شهر التراث
www.alhadattv.ma
يعيش المغرب هذه الأيام على وقع تظاهرات ضخمة -وغير مسبوقة لكنها ليست من طينة تلك التظاهرات الثقافية والرياضية التي تملأ صخبا كل وسائل الإعلام في كل نصف ساعة وعلى رأس كل نشرة أخبار. هي تظاهرات تعيد إلى الواجهة الشعبية الجماهيرية والأكاديمية والعلمية عزة الوطن وعراقته وأصالته وإسهاماته في بناء الصرح الحضاري والعمراني البشري. هي بكل بساطة تظاهرات تراثية ثقافية تربوية تدخل في باب أنشطة قطاع الثقافة بوزارة الثقافة والاتصال بتنفيذ من مديرية التراث الثقافي التي تنسق كل أنشطة المصالح اللاممركزة على امتداد ربوع المملكة. ورغم أن الاتصال والثقافة مجتمعين في حقيبة وزير واحد ويرعى شخصيا تظاهرات شهر التراث عن قرب، فإن الاتصال لم يصل كما يجب ليتواصل الشعب مع تظاهرات ضخمة تقام به ولأجله. ما عندنا غرض.
إنه شهر التراث الذي بدأ قبل شهر رمضان وقبل قصة البصل الشهيرة التي كتب عنها الإعلام كثيرا، هذه المرة. شهر التراث الذي فيه يحتفى بالتراث فيجمع بين 18 أبريل و18 ماي من كل سنة هو سُنة حميدة من السُنن المغبونة. وفي التفاصيل يكون 18 أبريل من كل سنة هو اليوم العالمي للمباني التاريخية والمواقع الأثرية المعتمد من طرف اليونسكو والمجلس العالمي للمباني التاريخية والمواقع (ICOMOS)، في حين يعتبر 18 ماي من كل سنة هو اليوم العالمي للمتاحف المعتمد لدى اليونسكو والمجلس العالمي للمتاحف (ICOM). وإذا كان العالم يحتفل بهذين اليومين العالميين بشكل منفرد ومنعزل ومنفصل بينهما، فإن وزارة الثقافة المغربية هي من النادرين في العالم، من تجمع الأخوين معا فتحتفل طيلة شهر كامل بالتراث تعريفا وتحسيسا وتثميا، بدون انقطاع أو توقف من 18 أبريل إلى 18 ماي، وما بعده غالبا، حتى في العطل ونهاية الأسبوع.
وإذا كانت مصالح وزارة الثقافة قد دأبت على هذا العمل المتفرد منذ سنوات، فإن احتفالات هذا العام تعتبر استثنائية بكل المقاييس، وقد حطمت كل الأرقام القياسية. واليوم تعج كل أرجاء الوطن المغربي بأنشطة مختلفة متعددة ومتنوعة، ونوعية من الناحية الكيفية. وتشمل هذه الأنشطة صغار المدن قبل المدن الكبرى، والمدن المتوسطة وحتى بعض القرى والمواقع الأثرية الموجودة في أعماق البادية المغربية. وتتشكل الأنشطة أساسا، بحسب خصوصيات كل مدينة أو موقع، من معارض موضوعاتية وزيارات ميدانية مؤطرة إلى المعالم التاريخية والمدن والمواقع الأثرية بالمدينة والبادية، وذلك لفائدة عموم المواطنين لكن مع التركيز بصفة خاصة على الأوساط التلاميذية والطلابية. كما تقام أيضا ورشات تطبيقية ومحاضرات وأيام دراسية وندوات وسهرات فنية ولقاءات و/أو برامج إعلامية في بعض الأحيان، بل حتى زيارات مؤطرة مع وفود دبلوماسية أجنبية ورجال مال وأعمال ومستثمرين. والشعار العالمي هذا العام لليوم العالمي للمباني التاريخية هو “المناظر القروية”، بينما شعار اليوم العالمي للمتاحف هو “المتحف. مستقبل التقاليد“. وتشمل الزيارات والمعارض التراث المادي واللامادي من ما قبل التاريخ إلى القرن العشرين وتمثل ما هو مغربي خالص أو مغربي مشترك مع شعوب أخرى كالرومان والبرتغاليين والإسبان والفرنسيين وغيرهم. وخير تجسيد لذلك هو المعرض المتنقل حول التراث المغربي البرتغالي بالمغرب الذي يقيمه مركز دراسات وأبحاث التراث المغربي البرتغالي، ويجوب عدة مدن مغربية وينتهي بعد شهر التراث.
وكان وزير الثقافة والاتصال محمد الأعرج قد أعطى شخصيا انطلاق الاحتفاء بشهر التراث على الصعيد الوطني يوم 19 أبريل 2019 بترؤسه لمعرض “أزيد من مائة سنة من جرد التراث الثقافي بالمغرب” الذي قدمه له برواق باب الكبير بالأوداية بالرباط السيد يوسف خيارة مدير التراث الثقافي وأطر مديريته، وقد كن ك
لهن نساء، عالمات آثار. وفي أسرار شهر التراث لهذا العام أن مديرية التراث كانت قد اتصلت بمختلف المصالح المعنية التي زودتها باقتراحاتها ليتم الاتفاق معها أخيرا على البرامج الممكن تنفيذها، ميدانيا وماليا. وبعد ذلك وافق وزير الثقافة على البرنامج المفصل والشامل لكل المصالح التابعة للوزارة. وهذا واحد من أسباب نجاح شهر التراث لأن الأمور تم تحضيرها قبل الموعد وفي إطار تشاوري وتشاركي وبموافقة رسمية من الوزير القيم على القطاع. فتوصلت المصالح الخارجية بالاعتمادات الخاصة بشهر التراث.
ويسجل كل متتبع أن كل هذه الأنشطة المقامة على امتداد ربوع المملكة المغربية يشرف عليها أطر أكفاء من رجال ونساء أسرة الآثار، وينجزون عملهم هذا بشكل جماعي مع موظفي وتقنيي وأعوان مصالح الوزارة التي يعملون بها. هذه الكفاءات المقتدرة تنفذ برامج شهر التراث وهي تشتغل في المحافظات الجهوية للآثار ومحافظات ومفتشيات آثار المدن والمواقع وفي مراكز الدراسات والأبحاث المتخصصة في التراث وفي المديريات الجهوية والإقليمية لقطاع الثقافة. ولابد من تسجيل أمر آخر وهو أن على الأقل 90% من هؤلاء الأطر هم من خريجي المعهد
الوطني لعلوم الآثار والتراث وأعضاء بجمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التي قدمت وتقدم الكثير للتراث الوطني كجمعية مدينة فاعلة ومحترفة. هؤلاء أعضاء الجمعية وأطر الوزارة هم/هن جمهرة من الأثريين والأنتربولوجيين والمتحفيين المغاربة ممن لم يتخرجوا من مدارس أجنبية وإنما تخرجوا من أول مدرسة مغربية في علوم الآثار هي “المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث” بالرباط الذي فتح أبوابه في وجه أول فوج موسم 1986-1987م بإدارة وإرادة وعزيمة من الراحلة جودية حصار بنسليمان. وقد تلقوا تكوينهم، مثل طلبة المعهد اليوم ممن خلفوهم، على يد أساتذة باحثين مغاربة أكفاء من مختلف تخصصات العلم والمعرفة، في العلوم الحقة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والتي تنضاف إلى مواد علوم الآثار وتخصصاتها فتكمل الواحدة الأخرى. وهذا سبب قوة وتميز الخريجين والذين يشتغلون اليوم في وزارة الثقافة ومنهم من يشتغل مدرسا بالجامعات المغربية وحتى الأجنبية ونفر قليل يعمل مع مؤسسات كبرى إما خاصة أو شبه عمومية، فاعلة في التراث. ولهم إسهامات أكاديمية من خلال الندوات الكبرى وإصدار كتب أو مقالات بمجلات علمية عالمية. وكل هؤلاء مجتمعين يقدمون في صمت، لكن بثبات، خدمات جليلة للوطن ويساهمون ليس فقط في التعريف بالتراث وتحسيس المسؤولين قبل المواطنين بأهميته في ترسيخ الهوية واللحمة الوطنية، ولكن يثبتون أن التراث رافعة أساسية في التنمية الشاملة والمندمجة والمستديمة. ويجهل الجميع أن هذا الرعيل من الأثريين بصدد تصحيح تاريخ المغرب وإعادة كتابته بشكل علمي سليم. كما يجهل الجميع ما تقدمه هذه الأطر من خدمات عظيمة لتنمية السياحة في البلاد. ولذلك نتساءل لماذا لم، ولا يتم إدماج هاته الأدمغة المغربية القحة في مخططات تنمية السياحة بالمغرب لنحقق ضِعف أو ثلاثة أضعاف أرقام اليوم من السياحة بالمغرب. هذا كلام يجب أن يؤخذ مأخذ الجد لا أن يُحمل على نعش الهزل.
أبوالقاسم الشــــبري، نــائب رئيس جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (والرئيس المؤسس للجمعية)،
باحث أثري. خريج الفوج الأول للمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث
