ads980-90 after header
الإشهار 1

حين يصير “الرّوث” من “الجواهر”: المفاهيم خارج السّياقات

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

*ياسين خرشوفة

عُيّن خريج جامعة مشهورة بالدراسات الدينيّة إماماً في قرية من القرى، وكان في القريّة قليل من المتعلّمين يتزعّمهم شخص أكثر ثقافة منهم، وكان هذا “المثّقف” ينتقص من تلك “الجامعة المشهورة” وما يعلّمونه لطلبتها، وهو في جزء من انتقاده مصيب. لكنّ هذا “المثقّف” كان “متطرّفاً” في موقفه تطرّفاً يدفعه للكذب والاحتيال وعدم الإنصاف، فجمع أهل القرية “البسطاء” يوماً وقال لهم: هذا “الإمام” الذي جاءكم، هو خريج “جامعة” تعلم طلبتها الفظائع من الجهالات والحماقات! تخيّلوا أنّهم يعلّمون الطلبة أنّ “الروث” -أي فضلات المواشي- هي من “الجواهر”! استهجن أهل القرية ذلك واستقبحوه؛ لأنّ “الجواهر” عندهم هي “الذهب” و”الفضة” و”اللؤلؤ”، فكيف يقول هذا الإمام إنّ “الروث” من “الجواهر؟! لا يقول ذلك إلا “مجنون”.
دفعاً للشك، وتأكيداً لقوله قال هذا “المثقّف”: أنا سأثبت لكم أنّ هذا “الإمام” يقول ذلك، وستسمعونه بأنفسكم يوم الجمعة المقبل! حين أنهى “الإمام” صلاة الجمعة، سأله “المثقّف”: يا شيخ، هل درست “علم الكلام والمنطق والفلسفة” في الجامعة؟ فقال “الإمام” بثقة: نعم. فسأله “المثقّف”: إذن أجبني، هل “الروث” من “الجواهر” أم من “الأعراض”؟ فأجاب “الإمام” بثقة مرّة أخرى: “الروث” من “الجواهر”. فقال “المثقّف”: ارفع صوتك لو سمحت، لم أسمع جيّداً. فرفع “الإمام” صوته قائلاً: نعم، “الروث” من “الجواهر”.
سمعه أهل القرية ممن كانوا في المسجد فما كان من بعضهم إلا أن همّ بضرب “الإمام”، وخرج آخرون يسخرون قائلين: قبّحك الله وقبّح “جامعتك” و”العلم” الذي علّمتك إيّاه! ويعلم مَن كان له اطّلاع بعلم الكلام والفلسفة أنّ “الإمام” كان ضحيّة “مقلب” و”حيلة خبيثة” من المثقّف؛ فـ”الجواهر والأعراض” مفاهيم فلسفيّة وكلاميّة تعني فيما تعنيه للتبسيط والتسهيل أنّ كلّ شيء له “وجود ماديّ” هو من “الجواهر لا الأعراض”، وعليه فإنّ “الروث” بهذا المعنى هو من “الجواهر”. ولكنّ هذا المعنى لا يعرفه أهل القرية، وما يعرفونه من معنى “الجواهر” لا يُمكن أن يكون “الروث” منه.
لا شك أنّ هذا “المثقّف” محتال مخادع. ولكن هذا “الشيخ” مغفّل بصورة أو بأخرى، أو يفتقد “الحكمة” والإحساس بأنّ لكلّ مقام مقال، ولا يتمتّع بالحدس اللازم ليكتشف “الخداع والاحتيال”. ولا يسوّغ ما فعله إتقان “المثقّف” لحيلته؛ فقد بدأ بسؤاله عن “علم الكلام والفلسفة” ليوجّه إجابة “الإمام” لما يُريد.
قد لا تكون هذه القصة قد وقعت فعلاً، ولكن أشباهها وأمثالها وقع ويقع كثيراً ولاسيما في “عصرنا”؛ فكثير ممن يتصدّرون مشهد “الخطابات الدّينيّة” لا يُدركون اختلاف “مرجعيّات المتلقّين” للمفاهيم والمعارف المختلفة، فربّ مفهوم في سياق ما يكون صواباً وحكمة، ولكنه في سياق آخر يكون “كارثة” حين لا يُدرك من يستعمله ويتكلّم به هذه الاختلافات السياقيّة.
هذه قضية أخرى تنتمي لمآزق المعرفة والمتلقّين؛ فالمعارف والعلوم ليست مفاهيم منفصلة عن إيحاءاتها وظلالها المختلفة عند المتلقّين باختلاف خبرتهم وثقافتهم ومرجعيّاتهم الدلاليّة، ومراعاة “المقامات التداوليّة” من الحكمة المعرفيّة والإنسانيّة.
ولكن مراعاة هذه الحكمة أصبحت أصعب بكثير في زماننا نتيجة الانفجار في وسائل الاتّصال والتواصل، فقد يتحدّث أحدنا في محاضرة لها سياق وفئة من المتلقّين تمكّنه من الحديث حديثاً متّسقاً معهم، ولكن تجد هذه المحاضرة أصبحت جزءاً من “الميديا التواصليّة”، فتصير متاحة لكلّ متلقٍّ، فيأتي من لا تتحقّق فيه شروط الاتّساق فيسمعها فيجد كلاماً عجباً وفق مفاهيمه ومرجعيّاته، كما يُمكن أن يوظِّفها مخالفوك ليقولوا للنّاس: انظروا ماذا يقول فلان!
لم يعد للمقامات والسياقات التداوليّة المختلفة هذه الحدود الحاسمة في زمن “الفيضان التواصليّ”، فهل يُصبح من الضروريّ أن لا يتكلّم أحدنا بكلام قد يختلف المتلقّون في فهمه ووعيه؟ وهل هذا النوع من الكلام ممكن أصلاً؟ هل يمكن في زماننا أن نقول: هذا لـ”الخاصة”، وهذا لـ”العامة”؟ أظنّ أنّ المبالغة في الحرص على مراعاة السياقات في زمن كزمننا تنتهي بأن يُصبح “الصمت” الخيار الوحيد! وهذه نهاية أسوأ ممّا يُمكن أن يُحذَر منه إذا تكلّم أحدنا بما يرى ويعتقد ويظنّ في مجالات المعرفة والوجود الإنسانيّ.
إذن ما الحلول الممكنة مقابل أمثال هذه “المآزق” الناتجة عن “مقاصد المتلقّين” و”أدوارهم وسياقاتهم” المختلفة والمتضادّة أيضاً؟
لا أرى حلاً ممكناً من وجهة نظري إلا أن يقول أحدنا وينشر ما يظنّه خيراً ونفعاً وصواباً محاولاً قدر الإمكان أن يقلّل فرص إساءة فهمه، أو إساءة توظيف كلامه. وتقليل هذه “الفرص” يحتاج “حكمة” من طور جديد تفرضها “السيولة الاتصاليّة والتواصليّة”، ويؤسّسها وعي حقيقيّ بـ”صراع المقاصد والأهداف” في زمن تعدّت التهديدات والتحدّيات أدوارنا إلى وجودنا.
ملاحظة: قصّة “الإمام” و”المثقّف” تُقرأ بالاتّجاهين، فقد يحلّ “المثقّف” محلّ “الإمام”، ويُمكن أن تُقرأ في جميع الاتّجاهات لأنّ “الخلاف” أمسى “خصومة فاجرة” لا يكاد اتّجاه يخلو من مثل هذه “الرّوثيّات”….


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5