ads980-90 after header
الإشهار 1

محمد سويحي : كورونا والرهاب من الموت….

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

ليست فكرة الموت متقبلة لدى الجميع بنفس الطريقة ,فقد يتعدى إحساس الخوف من الموت, والذي يعتبر أمرا طبيعيا لدى الإنسان, إلى ما يسمى بفوبيا , رهاب أو وسواس الموت.
هي مسميات عديدة لحالة نفسية مرضية واحدة تتمثل في القلق والفزع الشديدين بذكر الموت أو عندما يقدر الإنسان بأنه إليه أقرب بمسبب مرضي عضويا كان أم نفسيا,كما يتولد هذا الإحساس أحيانا نتيجة حوادث وتجارب عدة مريرة يمر بها الفرد كالنجاة من موت محتم أو حضور موت الأحباء أو مشاهدة الجثث أو المرور بالجنائز….رغم وجود اختلاف, طبعا, بين الخوف من جثث الموتى والخوف من الموت نفسه بصفة عامة.
إن الخوف من الموت ليس أمرا مستجدا ويتكون طبيعيا لدى الجميع, ذكورا كانوا أم إناثا, وذلك منذ السن الثامنة تقريبا من عمر الإنسان,غير أن جرعات هذا الخوف تختلف من شخص لآخر باختلاف مسبباته , وكلما تكررت هاته المسببات أو استدامت إلا وازدادت معها إمكانية تحول الخوف الطبيعي إلى رهاب مرضي متعدد التأثيرات السلبية على الحالة الصحية والاجتماعية للفرد الذي يقع ضحية هذه الحالة.
بالفعل , وكما أشرنا سابقا فان وجود مسببات رهاب الموت بشكل دائم تزيد من حدته فيتطور إلى حالة نفسية مزمنة….وهذا بالضبط ما قد يحدث إن لم يكن قد حدث فعليا لنفسية الناس في زمن الكورونا…..
إن هيمنة الحديث عن الوباء الذي فرض نفسه عنوة على جميع الأوساط من وسائل إعلام وتواصل اجتماعي مرورا بالأوساط المهنية وكذا الأسرية , إلى أن بسطت هاته الهيمنة وجودها داخل نفس وكيان كل من لم يسلم من إرهابها…..إن هاته الهيمنة كفيلة بتحويل الخوف الطبيعي من مصيبة الموت إلى فوبيا مرضية مزمنة….
ويبقى الخطير في الأمر هو كون الرهاب من الموت في الحالات الوبائية يتحول لرهاب جماعي يسببه لاوعي جماعي يتولد نتيجة خوض المجتمعات لتجربة إنسانية مريرة في فترة الوباء التاريخية والتي تختلط فيها الإشاعة بالخبر الأكيد, ولغة القلب بتحكيم العقل, ونكران الذات أمام الرغبة الجامحة في الحياة…هذا ليس كل شيء, لأن ما يميز رهاب الموت الوبائي – إن صح التعبير- أيضا, هو قابلية استمراره لمدة طويلة ولو بعد زوال آفة الوباء …..
وفي هذا الصدد, فان الوعي بخطر الوقوع في رهاب الموت لهو أول وسائل الوقاية منه….غير أن الأمر لا يتوقف على الوعي فقط والذي قد يتحول هو أيضا إلى طاقة سلبية….هاته الطاقة قد تدفع بمتلقي المعلومة حول أي عرض مرضي قد يصاحب فتنة الوباء إلى شكه في إصابته بهذا العرض, فتجده مثلا في سياق قرائته لهذا المقال في حديث نفسي داخلي لتشخيص إصابته برهاب الموت من عدمها.
غير أن الهدف من هذا المقال هو ليس زيادة تأجيج الاضطرابات النفسية التي قد نعاني منها جميعا في مثل هاته الظروف, بقدر ما هو رغبة في جعل القارئ مدركا لجانب من جوانب الآثار النفسية السلبية للفترات الوبائية وتبعاتها من قبيل عزل واحتياطات وتدابير وقائية صارمة عديدة, لذا كان لا بد لي من إقحام الحديث عن نوع آخر من الموت , محاولا التخفيف من وطئ الهلع مخافة الموت جراء الكورونا…… يتعلق الأمر بالموت الفجائي المرتبط أساسا بالأزمات القلبية المفاجئة.
في هذا الصدد ,يوضح البروفيسور ألان فاديبونكور, وهو أستاذ بجامعة مونتريال بكندا ورئيس قسم طب الطوارئ بمعهد القلب ,في إحدى مقالاته, أنه رغم كل التشخيصات والاحتياطات الممكنة,من تبني نمط حياة صحي إلى القيام بالفحوصات والتشخيصات اللازمة, فانه لا يمكننا تفادي عرضة الإنسان للموت فجأة بسبب أزمة قلبية, والتي تكون سبب وفاة شخص إلى شخصين من كل ألف حالة وفاة سنويا.
يضيف البروفيسور أيضا, أنه لخفض هذا المعدل يجب تكثيف التشخيص بشكل مستمر لدى ألف حالة وتوفير العلاجات الوقائية اللازمة لهاته الحالات من أجل إنقاذ حياة شخص أو شخصين سنويا…….هذا باعتبار أن التشخيص والعلاج كانا ناجعين, وهو الشيء الذي لا يضمنه أحد, فهل يمكننا فعلا تشخيص العالم أجمع وتوفير العلاجات اللازمة لدى الأكثر منهم عرضة للوفاة بأزمة قلبية ؟ يجيب الأستاذ عن السؤال الماضي بكون الأمر جد صعب إن لم يكن مستحيلا……
إن الأمر يتعلق بظاهرة مرضية فجائية الحدوث ومستعصية التشخيص في آن واحد,وحتى مع التعرف على العوامل المؤدية المعروفة والمساهمة في تعرض الأشخاص للأزمة القلبية , فان ذلك لا يمكننا بالضبط من تحديد أيهم أكثر عرضة للأمراض القلبية المعتادة وأيهم أكثر عرضة للموت جراء سكتة قلبية.
يختم البروفيسور في مقاله أنه لا يمكن للإنسان أن يطيل من عمره رغم جميع الاحتياطات الممكنة, لذا فيجب عليه التركيز بدل ذلك على فعل ما من شأنه – نظريا- أن يطيل العمر, دون الجزم بعلاقة سببية بين ما يفعله من احتياطات وبين قابليتها تمكينه من تفادي الموت نتيجة مرض خطير قاتل أو موت مفاجئ.
وبالرجوع إلى موضوع مقالنا,أظن أن أوجه التشابه عديدة بين الكورونا والأزمات القلبية, فرغم كل الاحتياطات الممكنة لتفاديهما معا, لا يمكن للإنسان أن بأمن شر إصابته بهما في أي وقت, كما أنهما حالتان مستعصيتان تؤديا ن للوفاة في عديد من الحالات إن لم يتم التشخيص والتدخل السريعان, واللذان قد لا يجديا نفعا إن كانت الحالة المناعية للإنسان ضعيفة في حالة الكورونا وان جاء التدخل متآخرا في حالة الأزمة القلبية.
إن احتمالية موتنا المفاجئ نتيجة أزمة قلبية تظل قائمة باستمرار, وقد لا تظهر على الشخص أية أعراض منذرة حتى تجده قد توفي بعد سكتة قلبية,غير أننا لا نوجه تفكيرنا بذلك القدر من التركيز والحيطة لتفادي الموت المفاجئ أو حتى للرهبة منه وتحويلها إلى فوبيا الموت المفاجئ الذي يمثل سبب وفاة حوالي 10 في المائة من سكان العالم كل سنة.
ورغم كون السياق الوبائي يفرض نوعا آخر من التعامل مع احتمالية الموت,فان إعمال العقل البشري بشكل صحيح دون الانسياق وراء التيارات النفسية المحبطة للعزيمة البشرية, والتي تنشأ بالضرورة في فترات الأوبئة, وتحول ظاهرة الموت – الإنسانية بطبعها – إلى ظاهرة مستهجنة ودافعة إلى الوقوع في الرهاب والفزع النفسي الذي يسبق وقوع الموت أصلا, وان كانت المبالغة في الفزع والخوف من الموت شيئا ضروريا للإنسان, فعلينا,تبعا لهذا المنطق,أن نحول لحظات الفرح المصاحبة لميلاد طفل أو طفلة إلى لحظات بكاء وسخط وتذمر, وذلك لعلمنا المسبق بأن الذي سيولد, إنما ولد لكي يموت لاحقا….
إن ما يستحب للإنسان فعله, هو وجوب سعيه للمحافظة على صحته بجميع الطرق والوسائل المثبتة علميا,وأن يحاول قدر الإمكان أن يعيش حياة كريمة بكل جزئياتها فرحا متفائلا غير مبالغ في الأسى والحسرة ليوم سيموت فيه, إذ ليست العبرة بطول العمر بقدر ما هي بجودة العمر الذي يقضيه الإنسان في هذه الحياة…..فرب امرئ عاش دهرا وقد أضناه العيش وتكالبت عليه المواجع ولم يذكره أحد بعد وفاته….ورب آخر قصر عمره بين الأنام فسعد بمعيشته وكان سببا في سعادة من حوله.
مقال كتبه محمد سويحي إطار تمريضي مكون بالمعهد العالي للعلوم التمريضية وتقنيات الصحة بتازة.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5