جديد الأخبار

ads980-90 after header
الإشهار 1

أعمال “مجموعة السبعة” في الرباط: بانوراما الجسد والفضاء

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

*بنيونس عميروش

إشعاع المعارض الجماعية، وخاصة منها تلك المتعلقة بمجموعة محصورة من المشاركين، يترك وقعا مستحبا لدى متتبعي الشأن التشكيلي، من حيث استناد الفنانين إلى خيارات تعبيرية، قد تختلف على صعيد التقنيات والتصورات، غير أنها تشترك من حيث الخطوط العريضة للفعل الإبداعي الذي تم تأطيره بقَصْدِيَّة مُزْدَوجة ذات رمزية مفتوحة؛ وهو ما تجسد في معرض “جسد – فضاء” الذي ضمّ مؤخرًا سبعة فنانين يمثلون مختلف الأساليب والأجيال: عزام مدكور، عبد الكبير البحتري، امحمد شريفي، عبد المالك بومليك، نور الدين لحرش، حميد بوهيوي، عبد السلام لحرش.
عُرِف الفنان عزام مدكور باشتغاله الحثيث حول العلامة Le signe منذ ثمانينيات القرن الماضي، ضمن متوالية حَفْريَّة قادَتْه إلى توطيد عديد المقاربات التشكيلية الموصولة بتحليل وتجريب مختلف التراكيب والمُعالجات التي يُقيمها عبر تشبيكات مكثفة ومَحْبوكَة في الآن ذاته. ما يزال الخط السميك والتَّسويد الشديد يُهَنْدِسان تَمَفْصُلات التكوين في أعماله الأخيرة الموصولة باستنبات الفراغ، وما يزال التعريق كامنا في صميم الإبداعيَّة، باعتباره تفعيلا مجازيا لتجذير العلامة ومنحها الأبعاد الإشارية والقِرائية والتأويلية أيضا. فالتجذير وما يتصل به من توليف بصري يظل قُطْب الرَّحى في البناء، إلى حين تحويله وتمكينه من ترسيم الشخوص والأجساد المُؤسْلَبَة بشكل حاسم ودقيق داخل عوالم غريبة وموحية بأجوائها المونوكرومية. من ثمة، وبقدر طفيف، يتسرب التمثيل الذي لا يتماهى مع العالم المرئي، بقدر ما يستغوره ليمنحه صيغة مُخْتَزَلَة مُفْعَمَة بالانزياحات التي تجعل العمل تجريديا في نهاية المطاف. يتعلق الأمر بمسار طويل ومُمْتَد بين النظرية والتطبيق، خاصة وأن الفنان يُعَدُّ أيضا من الأقلام النقدية الوازنة التي دَبَّجَت العديد من المقالات والدراسات والمُؤَلَّفات الموزعة بين النقد الفني وتاريخ الفن باللغة الفرنسية، فضلا عن السَّرْد الأدبي من خلال روايته الموسومة بـ “مدينة الفنانين” التي أصدرها في 2012.
من الجيل نَفْسه، ينتسب الفنان عبد الكبير البحتري إلى فئة المشتغلين على مَوضوعَة الجسد الذي ظل وفيا لمراهناته الصّورِيَّة وكَيْفِيّات تمثيلها، حيث “العُرْي” ثيمة من الثيمات الشائكة في عالمنا العربي الإسلامي عموما. كيف يمكن استدراج الجسد العاري تَعبيريّاً من دون إثارة عبارات النَّفْي والاستنكار؟ لعلها المُقاوَمَة التي استأنس الفنان مُقاومتها عبر البحث المستدام في إيجاد سُبل التعبير والإِلْباس بدون فُقدان الجسم الآدَمي طبيعته اللَّحْمِيَّة الخام. عبر اللون والحياكة والتكثيف والتشذير والتوليف العُضْوي، يتدارك البحتري الصِّفات التي يَبْتَغيها لتصويريَّة جَسَدانية مُثيرة وجَذّابة، كما هي في أعماله المعروضة، الموصوفة بهيمنة اللون الأحادي عموما، حيث يتناسل الجسد الأنثوي بوجوه مطموسة، متداخلة فيما بينها في تناغم مع الإيقاعات الخطية الذي ترسم إحاطاتها الجِسْمانِيَّة التي تنْكشف من خلالها انسيابات وانحناءات ودوائِر الجسد النِّسْوي داخل الاستعارات الفضائية المُدَثَّرَة بنبرات حِسَّوية مُواربة، وما يليها من أبعاد دلالية على الخصوبة والرغبة والألم.
أمام أعمال امحمد شريفي، نجد أنفسنا في حالة تجميع تَأليفي للشتات الموكول للنظرة اللّامَّة (Regard convergent) والتأمل الكفيل بتحَسُّس وإدراك ذلك الحَبْل الوجودي الذي يَربِط ما بين النّواقص والزوائد، كأن اللّوحة الواحدة تَتِمَّة واكتمال للأخرى، حيث انسياب الزرقة السماوية والمائية والنّيليَّة وما يَنْتابها من تَدَرُّجات وتضادّات وانطفاءات، هي التجلي الرمزي للعُلوي والسّفلي وما يتفاعل بينهما من تهوية وتنفيس روحي يتوزع بين فضاء القُماشات لتوحيدها عبر رؤية قابلة للتقاسم والامتداد. بذلك، يُقيم الفنان مُناورات تقنية لتَنْسيق التَّوازُنات البصرية بالبراعة التي تُضاعِف انبثاق سرائر الذات والحلم. ففي اجتياح أناقة التجريد، تنطبع بعض الأشكال الدالة بالتحفظ الذي يمليه الأسلوب: جِدْع جسدي بثَدْيَيْن، طائر قريب من اليَمام، شكل تفاحة بألوان ترابية تكْسْر الرتابة، وفنجان يدعونا للقراءة بِلَمْلَمَة الكل. بينما الضوء إِحْياءٌ لسُلطان الزرقة الموصولة بالتبييض (المَعْدِني) والتسويد (الفَحْمي) ضمن تَراتُبِيَّة رصينة لآليات الرَّشّ والبَصْم والتقطير الذي يُمسي توريقا دقيقا لحُرْقَة النَّفْس وطاقتها المشدودة لقَدَر الآني والآتي. ومن جانب آخر، تَجدُر الإشارة إلى أن الفنان يُعَدُّ من السّينوغرافيين الذين أثَّثوا خشبة المسرح المغربي المعاصر وساهموا في تحويلها من الديكور إلى مفهوم السينوغرافيا.
في تعارُض مع برودة الأوقيانوس لدى امحمد شريفي، ينتابنا الشعور بسخونة اليابسة المنسوجة في أعمال عبد المالك بومليك بما تمتلكه المادة من تلاوين وحياكات تُرابية، خاضِعَة لتهذيب شديد الاختصار في نثر أشكال التدوير والتَّقْويس والتربيع والتثليث، وحده الهِلال في مُنْتَزَه الرِّفْعَة لاشتقاق حرارة الشمس. هناك، حيث التَّجاوُرات والبِنْيات والخَرائط خاضعة لإِمْلاءات تكوينِيَّة في غاية البروز والبساطة التي تحيلنا على فن إفريقي خام منبعث من أديم الأرض. والكل هنا يُحيلنا على طَيِّ الجُغرافيات وترتيقِها بما يُتاح للفنان من علامات مختزلة وخطوط مُتخالفة ومتعاكِسَة ترشم إيقاع خِياطة رُقَع البَسيطَة والجراح الكامنة فيها، وفي ما تحمله من كائنات وأثقال وأهوال، سرعان ما تبزغ مع كل هبوب تَصَحُّر سائر في تمشيط الفَيافي والذوات.
ضمن مقاربة تجزيئية أقرب إلى الكولاج، يعتمد نور الدين لحرش مُسَطَّحات مفصولة لأشباح رؤوس جانبية “Profil” بأعناق مقطوعة، خالية من المَلامِح والظِّلال “Anonymat” يعمل على إلصاقها داخل دوّامَة من الضَّرَبات الصِّباغِية العنيفة، المَمْهورة بعديد الكُتَل اللَّوْنية واللَّطخات والخَرْبَشات العفوية والخاطِفَة. هو وضع الرأس الآدمي في الفضاء الحالي للحَواضِر، الضّاجّ والمُدَوِّخ. هي رؤوس بشِفاه مُغْلَقَة أحيانا، مُسْتَسْلِمَة لحَجْم الدَّوار، ومفتوحَة طوراً آخر، مُقاوِمَة وصارخَة داخل أجواء شديدة الارتجاج والتمزُّق، حيث الألوان الرَّماديَّة وما تُثيره من حركات سريعة، هي انعكاس لما يتنازع ذات الفنان من مَشاعر الإقامة في زخم ورُعب العالم الرّاهن.
في المقابل، تبدو الوجوه النِّسْوِيَّة بملامح واضحة ومقروءة لدى حميد بوهيوي الذي يولي أهمية بالغة للتفاصيل والقسمات. يرتبط التصوير هنا بْصِنْف البورتريه الرَّهين بدقة تشخيصية بادية. غير أن مِساحة الوجوه المتداخلة مع الخلفيات السوداء، تمتد وتتضاعف لتَضْحى قابلة لتثبيت التَّلاوين والمَلامِس والتّبَرُّج المُبالَغ. عبر التكبير إذن، يُضَخِّم الفنان إمكانِيَّة إحداث التَّمَفْصُلات والتقطيعات المَاسِحَة بِيُسْر، وقد حوَّل السَّحْنات إلى مجال فسيح للتدخل التعبيري، مانحا لكل الشفاه ما تتوق إليه من إشعاع شَبَقي، ولكل النظرات ما يكفيها من طبوع الرغبَة والتطلع.
من هذه الوجوه وما لَحِقَها من تَكْبير، يُعيدنا عبد السلام لحرش إلى صِيَغ التصغير لجِسْمانيَّة قَزَمِيَّة نَنْتقل معها إلى البُعد الثلاثي المُجَسَّم، ليس بالمعنى التقليدي للنحت، بل بالمفهوم المعاصر الموصول بتأثيث المكان واستحضار سِمات المُنشآت الفَضائية. باعتماد الأسلاك وتغليفها، يصنع الفنان حَشْدا كثيفا من الشخوص الكَحْلِيَّة المُنْفَصِلة والمُصَغَّرَة بشدَّة في حركة دائمة: في حالة تَسابُق وتَسَلُّق وقَفْز ونَطّ عبر أعمدة متوافِقة مع النّمْنَمَة المَشْهَدية، الشَّبيهَة بالدّعامات المُتشابكة المُستعملة في البناء المعماري. هي ديمومة الحَركة والتنقل، وحِدَّة التَّدافُع التي أمست خاصّيَّة الإنسان المعاصر. وخدَهُما، الأبيض والأسود جَديران بتوطيد التَّضادّات والأضواء والتَّبادُلات، كأنك أمام مَقاطِع حَيّة لخيال الظِّل الموصوفَة بتَلاعُبات مَرْئِيَّة توقِظُ فينا بعض ما نستقبله من تفاعلات الفن البصري.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5