ads980-90 after header
الإشهار 1

عبد السلام الصديقي.. ما العمل لاستعادة الثقة؟

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

“الموضوع الذي يفرض نفسه بقوة مرة أخرى هو الثقة، فهو يأتي على رأس المواضيع الأولوية التي تستأثر باهتمامٍ كبير سواء من لدن المواطنين، أو من قِبل الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، أو كذلك من طرف الإدارة والفاعلين الاقتصاديين، أو أيضا لدى المجتمع المدني”. بهكذا تعبيرٍ صريحٍ ومُباشرٍ شَخَّصَ الأمرَ السيد شكيب بنموسى بصفته رئيسا للجنة الخاصة بالنموذج التنموي، خلال لقاءٍ مع الصحافة تم تنظيمه يوم 14 يوليوز الجاري.
فضلا عن هذه الملاحظة التشخيصية، فإن هذا المسؤول عن صياغة النموذج التنموي الجديد للأعوام القادمة ذَكَّرَ بالانتظارات الأساسية للمواطنين، والتي لم تُشكل، في الحقيقة، أي مفاجأة. فهي تتمركز حول ثلاثة محاور: العدالة الاجتماعية والمجالية، الحريات العامة والمشاركة السياسية، ثم التنمية الاقتصادية.
يبدو لنا سؤال الثقة أساسيا، بل حاسما ومُحَدِّدًا لمستقبل بلادنا. ومن المؤلم ملاحظةُ أنَّه في جميع مستويات المجتمع تتفوق أجواءُ انعدام الثقة على الثقة المُفتقدة، حيث لا يقتصر الأمر فقط على عدم وضع الثقة في الآخرين، بل يتجاوزه في غالب الأحيان إلى عدم الثقة بالذات. وذلك في الوقت الذي نجد فيه أنَّ الثابت، بلا أدنى شك، كونَ أيَّ مجتمعٍ لا يمكنه أن يتطور بشكلٍ سليمٍ إذا انحسرت فيه علاقات الثقة إلى هذا الحد.
لكن المُلفِت للانتباه هو أن الأمر كان مُختلفاً تماما في المجتمع التقليدي، حيث كان الناس يثقون في بعضهم البعض إلى درجة أنَّ المعاملات العقارية وعمليات الاستدانة مثلا كانت تتم فقط عبر اتفاقات شفهية دون أي “مكتوب”، والمُتعاقدون كانوا يكتفون بإعطاء “الكلمة” التي كانت تفوق قيمتُها العَقد الكتابي وتسمو على أي قانون.
كما كان سائدا، إلى جانب مفهوم “الكلمة” ما يُسمى ب “الأمانة” التي لا يستطيع ولا يتجرأ أحدٌ على خيانتها، إذ كانت بمثابــــــــة “أمنٍ مُتبادل”، وكنا بذلك نعيش ضمن منظومة يتلازم فيها عنصرا الثقة والأمن.
أما اليوم، فقد فقدت “الكلمة” قيمتها ولم تعد لها تلك القوة المعهودة فيها سابقا، وتراجعت الثقة مُفسحةً المجال واسعا أمام الحيطة. وذلك نتاج لمسارٍ كاملٍ من تدهور وتفكك القيم الأساسية التي كانت تضمن تماسك نسيج المجتمع. فمنذ الوهلة التي صار فيها كل واحد يحمل نظرة سلبية إزاء الآخر، لم يعد ممكنا بناءُ أي شيء بشكل مشترك. فمهما تكن صادقا في أقوالك، ومخلصا في التزامك، ونزيها في حياتك، فلن تتمكن من إقناع معظم الناس بذلك، لأن “سمكةً واحدةً فاسدةً، تُفسد السلة برمتها” كما يقول المَثَلُ الشعبي.
اليوم، نحن جميعُنا أمام مسؤولياتنا من أجل استعادة هذه الثقة التي تنقصنا كثيرا، والتي من شأنها أن تُضعفَنا أكثر مستقبلا، إذا لم نأخذ المسألة على مَحملِ الجِد. فالدولة والأحزاب السياسية والمنظمات النقابية ومختلف الهيئات المجتمعية، والنظام التربوي والمواطنون…..كلهم ينبغي أن يُسائلوا ذواتهم ويُراجعوا طريقة تفكيرهم وأسلوب سلوكهم.
فالدولة، والإدارة عموما، كسبت نقطا مُعتبرة في ما يتصل بالثقة خلال الأشهر الأخيرة، وذلك بفضل التدبير العمومي الجيد لجائحة كوفيد 19 بشكل عام. ويتعين أن تظل (الدولة) على نفس النهج، وأن تلتقط هذه الفرصة من أجل فتح آفاق أرحب في المستقبل، مع العلم أن ما ينبغي القيام به هو أعقد وأصعب مما تم القيامُ به إلى حدود الآن. يتعلق الأمر ب”تحويل الاختبار”/ transformer l’essai، إذا استدعينا لغة لعبة الريكبي.
الأحزاب السياسية والنقابات، من جانبها، يجب ألا تكتفيَ بأن تذرف دموع التماسيح وأن تلجأ إلى تقمص دور الضحية، فجرعةٌ من النقد الذاتي من قِبَلِها لن يكون سيئا لها، بل على العكس، ذلك من شأنه أن يُحَسِّنَ عرضها السياسي ويقويَ مصداقيتها ويرفع من “تنافسيتها” وجاذبيتها. لكن ذلك لن يُكتبَ له النجاح سوى بوضع حد لحملات التبخيس التي تتعرض لها هذه التنظيمات من طرف أشباه المثقفين وأشباه المحللين من مُقدمي الخدمة تحت الطلب.
فهذه التنظيمات التي تضطلع بمهمة تأطير الناس لها مسؤولية في جذب المجتمع نحو الأعلى، وهي تتمتع بامتلاكها للأدوات الضرورية والمميزَة من أجل القيام بذلك: التجمعات التمثيلية. هكذا فالتنظيمات المذكورة يتعين أن تجعل من البرلمان مكانا للنقاش الديموقراطي بامتياز، وفضاءً لمقارعة الأفكار بالأفكار، وميدانا لتنافس المشاريع والبرامج. وبنفس المنطق فالأحزاب مُطالبةٌ بأن تجعل من الجماعات الترابية شريكا حقيقيا في تدبير القضايا الحيوية للمواطنات والمواطنين.
على هذه الأسس، فكل محاولةٍ لتهميش هذه المؤسسات الديموقراطية التمثيلية والتشاركية لن يُفْضِيَ سوى إلى اشمئزاز الناس وترسيخ سُخطهم على السياسة، وإلى مزيدٍ من تقليص منسوب الثقة في المؤسسات.
بطبيعة الحال، فالثقة لا تُملى ولا تُفرض، بل تُبنى لَـبِنَة لــبنة من خلال إجراءات ملموسة، فالكلمات المُنَمَّقةُ لا تفيد كثيرا في هذا الصدد، كما لا تنفع الخطابات الرنانة والمشتعلة. لكن بالمقابل ينبغي القيام بعمل منهجي ومتواصل، في تفاعل بين القاعدة والقمة، على أن تكون البداية بالتربية والمدرسة حيث يتم تعليم القيم الأساسية، بالموازاة مع العمل الميداني في العمق بالقرب من الناس، وأساسا إلى جانب أولئك الذين يشعرون بأنهم منسيون ومهمشون وضحايا.
نرجو أن تقدم اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي أجوبة شافية ومقنعة ومُعَــبـّــئَــة على الإشكالات الأساسية للمغرب. وعلى كل حال سوف نتعرف على ذلك في نهاية السنة الجارية. لكن أمرا يظل مؤكدا هو أن تفعيل النموذج التنموي المُنتظر، والكفيل بإعادة وضع البلاد على سكة التقدم الاجتماعي والتغيير الديموقراطي، هو في نهاية المطاف قضية الفاعلين السياسيين المُخلصين ذوي المصداقية، وهو أيضا قضية جميع الإرادات التي يزخر بها الوطن.
إنها فرصة تاريخية لا تُعوَّض… وموعدٌ تاريخي ليس للإخلاف.
*وزير سابق في التشغيل


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5