ads980-90 after header
الإشهار 1


حينما ساندت قبائل تازة الأمير عبد القادر الجزائري في كفاحه ضد الفرنسيين

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

عبد الإله بسكمار

لابد من الإقراربتضارب ” القراءات ” بين هذا الطرف أو ذاك، في إطار ما سماه البعض ” التاريخ الذاكراتي ” من الذاكرة، Mémoireوبالنظرلتعقد الفترة التاريخية المعنية والتي كانت مفعمة بالأحداث متشابكة في المواقف، فعناوينها تتداخل بشكل تراجيدي أحيانا، وتتداخل ضمنها عناصرذات حساسية كبيرة كأسئلة ” الوطنية ” سواء بالنسبة للأشقاء الجزائريين أولنا كمغاربة، ومسألة الحدود، سواء بالفهم الديني أو بمقاربة الدولة المدنية الحديثة، وقضية ” الجهاد ” ونصرة الإخوة في الدين، والحاضر الملتهب طبعا، ومفاهيم محددة كالسلطنة والخلافة والإمارة، يضاف إلى خصوصيات تاريخ هذا الطرف أو ذاك، البعد التجاري والتهريب، ضعف المخزن الجلي الذي ظهر إبان أو بعد معركة إيسلي، وقبل هذا وذاك، هناك الظاهرة الاستعمارية التي داهمت شعوب المنطقة وأفقدتها البوصلة، وكعنصر لم تسبقه في حجمه أووسائله ونتائجه أية ظاهرة مماثلة .

شكل احتلال الجزائر من طرف الجيش الفرنسي في 1830، نقطة تحول أساسية من الوجهة التاريخية، ليس على مستوى الجزائر أو المغرب أو تونس فحسب، بل على صعيد المغارب بكامله، واعتبره كل الباحثين بداية مسارطويل معقد ومرير، تمثل في المقاومة وسياسة الإدماج بالنسبة للجزائر والمقاومة ثم التدخلات المتنامية ذات الطابع الاستعماري بالنسبة للمغرب وتونس، والتي اتخذت أشكالا وألوانا شتى.

وإذا كان احتلال الجزائرقد شكل متنفسا لدولة فرنسا الاستعمارية وعلى رأسها آنذاك الملك المستبد شارل العاشرمتنفسا إلى حين، من مختلف أزماته وتناقضاته الداخلية، قبل أن يسقط في يوليوز 1830 ويخلفه لوي فليب، فإن هذا المسار فتح أيضا صفحة طويلة من الكفاح الوطني، ليس على مستوى الجزائر فحسب، بل أيضا فيما يخص الإيالة المغربية المجاورة والتي مافتئت تجمعها بالجزائر روابط الأخوة الدينية بالأساس، علاوة على الوشائج الأخرى، كالمصاهرة والتجارة والثقافة وبعض المجالات الرمزية، فأصبح المغرب بذلك يواجه مناورات وتدخلات القوى الاستعمارية الفرنسية، وانطلاقا من الجزائر المحتلة ذاتها، ويؤدي الثمن غاليا أيضا.

من الوهم الاعتقاد بأن صمودا أو تحركا ما للمخزن، كجهاز مركزي مهلهل خلال هذه الفترة وخاصة بعد هزيمة إيسلي، كان قادرا على حماية ثغور البلاد أو الدفاع عن وحدتها الترابية، رغم تسجيل بعض جهود المقاومة هنا وهناك وخاصة في المنطقة الجنوبية الشرقية ( عن طريق الفرع الغربي لولاد سيدي الشيخ مثلا ) والتي دعمها السلاطين ولاسيما م عبد الرحمان، إذ من حسن حظ المغرب في واقع الأمرأن دخلت إنجلترا على الخط – ليس حبا في البلد طبعا وإنما دفاعا عن مصالحها السياسية والتجارية – فساهمت بسياستها في تأخير استعماره من طرف فرنسا.

اندلعت المقاومة المسلحة في الجزائرمباشرة بعد احتلال الجزء الأكبرمن شواطئها وبدء تعمق الجيش الفرنسي في الداخل وكان من أبرز قادة وشيوخ المقاومة أحمد باي بن محمد الشريف في الشرق الجزائري والأمير عبد القادر في الغرب وفاطمة نسومر في القبايل، قد يبدو الأمر مثيرا حينما نعرف أن الوجود المغربي في الجزائرالمهددة ( منطقة الغرب أساسا ) لم يكن يقتصر على جيش كامل بقيادة ابن عم السلطان ( الذي كان في الخامسة عشرة من عمره ومن ثمة تحت وصاية عامل وجدة القايد ادريس الجيراري ) جيش توجه إلى تلمسان عند بيعة أهلها وأعيانها لسلطان المغرب في غشت 1830، ثم تجديد تلك البيعة وتعيين الشريف العامري عاملا ثانيا على تلمسان، بل شمل ذلك الوجود أيضا وإلى حدود 1831 تعيين ممثل دائم عنه، فضلا عن تمركز فيالق من الأوداية في لمدية ومليانة إضافة إلى تلمسان، ما أثار احتجاج القنصل الفرنسي بطنجة لدى السلطان ( شتنبر 1832 ) فأجابه هذا الأخير في رسالة موجودة بأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية ” تقولون إن أهل هذا الإقليم بايعونا بيعة شرعية، وهذا صحيح . وإن شريعتنا توجب علينا أن نقبل بيعتهم والقيام بواجباتنا نحوهم، ومحي الدين وولده من جملة الذين بايعونا دون سابق اتصال بهم، فالأمريتعلق بوطنهما وبلدهما، وليس لنا ما نقول لهما في هـــــذا “.

لم يكن انسحاب الجيش والإدارة المغربيين من تلمسان نتيجة الضغط الفرنسي وحده، كما يعتقد الكثيرون وإنما نجم أيضا عن صراعات بين الكرغيلية الأتراك ( المتحالفين مع فرنسا ) وممثل المخزن أي الخليفة مولاي علي، علما بأن بيعة أهل تلمسان هي في الأخير وضمن حيز تفكير المولى عبد الرحمان نفسه، تقع على عاتق آل عثمان باعتبار تبعية الإقليم سابقا للأتراك العثمانيين، وكان على العموم قد قبل دعم الإخوة الجزائريين في حدود الاستطاعة كما فعل أسلافه مع سكان الأندلس .

وتحت التهديد الفرنسي القوي، انسحب المخزن المغربي من الغرب الجزائري، وحمل مشعل الكفاح الأميرعبد القادر بن محيي الدين، الذي لم يكن بدوره خارج تحكم سلطان المغرب، لأن أهل تلمسان شرطوا بيعتهم له بتبعيته لسلطان المغرب م عبد الرحمان بن هشام، ولما عقد الأميرعبد القادر اتفاق ” تافنا ” مع الجنرال بيجوسنة 1837 كان ذلك له ولجيشه بمثابة استراحة محارب صلب مقتنع بقضيته، وإن أتاح له هذا الفسحة، فإن نفس الاتفاق يعترف ضمنيا بالأمرالواقع، الذي خلقه العدو القوي بالمنطقة ورغم ذلك، استمر الدعم المغربي خاصة بعد استئناف الأمير القتال إثر هدنة سنة 1839 ( والتي سبقتها عدة هدنات خرقتها فرنسا جميعا وقد أتت في أغلبها بعدهزائم للجيش الفرنسي) تلك الهدنة التي استهدف منها ربح الوقت والبحث عن موارد وأسلحة، فلم يجد أمامه ( سنة 1843) سوى سلطان المغرب م عبد الرحمان ( حكم البلاد بين 1822 و1859)، الذي لم يبخل بكل أنواع الدعم، رغم التباس موقفه وشعوره أخيرا بنوع من الحذر، متظاهرا بالحياد أمام الفرنسيين تارة، أو حتى مجاهرا بأسباب هذا الدعم تارة أخرى، واعتبر السلطان المغربي الجزائريين الذين لجأوا إلى المغرب بمثابة إخوة وأشقاء فآوى العديد منهم وأفسح لهم فرص العيش الكريم، ومع استمرار ذلك الدعم، لجأت فرنسا الاستعمارية إلى التهديد والوعيد، كالعادة .

كتب الجنرال ديميشل القائد العسكري لجيش وهران ” إن هذا السلطان لا يكتفي بالتعبير عن متمنياته القلبية لإخوانه المسلمين من هذا القطر ( الجزائر) بل إنه يمدهم بالعتاد من كل نوع والأسلحة، الشيء الذي ترتب عنه مضاعفة نفوذ الباي عبد القادر، كما تتصورون ولا شك، وتثبيت القبائل في عواطفها المعادية لنا “.

تطورت الأحداث بشكل اقرب إلى البعد التراجيدي كما هو معلوم في صفحات التاريخ وخاصة خلال هذه الفترة الحالكة المتشابكة من القرن التاسع عشر، بدءا من لجوء الأميرالحاج عبد القادرإلى المغرب ووقوف هذا الأخير سلطانا ورعية لصالحه مددا وعونا وتعبئة، ونشير إلى أجوبة الفقيه القاضي النوازلي علي بن عبد السلام التسولي التازي أصلا الفاسي دارا وقرارا( المعروف ب ” مديدش” المتوفي سنة 1842) على أسئلة الأمير حول موضوع الجهاد والتي كانت إيجابية ومشجعة، عكس العديد من فقهاء وعلماء فاس، كما تَنادى الناس من جميع الأنحاء والأصقاع المغربية للجهاد ونصرة إخوانهم في الدين .

وفي المقابل، سجلت الوثائق الفرنسية والمغربية استفزازات وتحركات وتعديات الجنرال بيجو في المنطقة الشرقية والحدودية وصولا إلى حوض وادي زا بل، والدخول في معركة مباشرة مع الجيش المغربي بمنطقة إيسلي ( قرب مدينة وجدة ) صبيحة يوم 15 غشت 1844 بقيادة نجل السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان الحدث السن والقليل الخبرة، فكانت الهزيمة المرة من نصيب الجيش المغربي المفتقر إلى التنظيم والأسلحة الحديثة، حيث شتت شمله الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال بيجو، ذلك الجيش الذي لم يكن يتجاوز 11 الف جندي في مواجهة ما يناهز 25 ألف مقاتل مغربي، وكان لهذه الهزيمة المنكرة آثارمزلزلة على أفئدة ونفوس كل المغاربة، وطرحت أسئلة الإصلاح الشمولي عريضة مفجعة.

والجدير بالإشارة إلى أن الأميرعبد القادر لم يشارك بقواته في المعركة، رغم ماذهب إليه الناصري من كفاءة الأمير واهتمامه بجيشه ” ولقد كان للرجل اعتناء بالجيش كما ترى ” بل اكتفى بتوجيه نصائح وتحذيرات للسلطان وولده القائد الفعلي، حول بعض طرائق إدارة تلك المعركة، وقد فقد الجيش المغربي 800 مقاتل في ظرف أربع ساعات من المواجهة، ولم تتجاوز خسائر الفرنسيين 27 قتيلا، فيما خف ” الخليفة ” قائد الجيش بعد انتهاء المعركة، نحو تازة غربا في حالة يرثى لها .

لم تكتف فرنسا الاستعمارية بذلك بل قصفت بوارجها بقيادة الأمير دوجوانفيل Prince de Joinville. في 15 و16 غشت 1844 كلا من طنجة والصويرة وجدير بالذكر أن هذه الأخيرة احترقت بسبب القصف لمدة سبعة أيام، فكان الثمن الذي دفعه المغرب نتيجة تأييده للمقاومة الجزائرية باهظا، وهنا بدأت العلاقة تتأزم بين السلطان م عبد الرحمان والأمير عبد القادر، تحت تأثيرالضغط الاستعماري البغيض وتداخلت في هذا التأزم كل العوامل السابقة، وانتهى بتخيير الأميربين البقاء في إحدى مدن المغرب أو الرحيل عنه، فلما راوغ الأمير في الأجوبة، كان التوتر ثم حدثت المواجهة بين إخوة الأمس، جيوش السلطان م عبد الرحمان وابنه ( الصديق الحميم للأمير عبد القادر ) من جهة وقوات الأمير الحاج عبد القادر الذي أصبح ” فتانا ” من جهة ثانية، أما الرعية وحتى أهل الحل والعقد، فقد عرفت وعرفوا تمزقا عميقا وواضحا بين واجب الجهاد، الذي يجعلهم يعطفون على الأمير وضرورة الاعتراف بالعجزعنه، الشيء الذي يدفعهم أن يبرروا موقف السلطان باعتباره أمير المؤمنين وله وحده يرجع إعلان الجهاد من عدمه ( ابن زيدان مثلا) .

في حين لجأ الأميرإلى استصدار فتوى من علماء مصر، تبيح له الاستمرار فيما يسميه جهادا، كما تذهب مصادر إلى أنه قدم البيعة للسلطان العثماني بالأستانة ( استامبول حاليا ) من جهتهم، أجمع العلماء والفقهاء في المغرب ( بعد وفاة التسولي طبعا ) على الاسترشاد ببعض المواقف النبوية كصلح الحديبية مثلا، في محاولة لتبرير مواقف السلطان والمقصود اتفاقيتي طنجة ( 10 شتنبر 1844) وللا مغنية في 18 مارس سنة 1845 وتعاملوا مع الأمر برمته من باب أخف الأضرار، والواقع أن بيعة الأمير عبد القادرالسابقة للسلطان المغربي كانت بيعة شخص – كما ذهب إلى ذلك العروي- له حيثية وتجربة، له سمعة وأتباع، لكنه لاجئ في نهاية المطاف، وفي كل الأحوال هي بيعة شخص يضع تجربته ونفوذه تحت تصرف السلطان، الشيء الذي لم يُرض الأميرولم يقبله، في حين ما كان لسلطان المغرب أن يقبل بوضع آخر.

يخلص العروي في هذه المسالة التي لا تخلو من تعقيد إلى أن ما يدافع به المؤرخون المغاربة عن سياسة م عبد الرحمان هو بالضبط ما دافع به أنصار عبد القادر عن مهادنته قوى الاحتلال، وذلك من خلال ما جاء عند صاحب التحفة نفسه ( كتاب ” تحفة الزائرفي مآثر الأمير عبد القادروأخبار الجزائر” لصاحبه محمد بن عبد القادر الجزائري) حين أورد تعليقا للسيد علي بوطالب عضو مجلس شورى الأمير مبررا معاهدة تافنا ( ماي 1837) التي اعترفت بالسيادة لفرنسا على قسم من الجزائر والجزائريين جاء في التعليق بالحرف ” سلامة مسلم واحد خير من فتح حصن لكافر معاند ” .

وأمام تشبث كل طرف بموقفه، حدث ماكان متوقعا وهو المواجهة، وحين هُزم الأمير على يد الجيش المخزني ووجد نفسه وما تبقى من هذا الجيش محاصرا تماما بين حوضي ملوية وإيناون، وكان يعتزم التوجه إلى الصحراء الجنوبية الشرقية لكنه، فضل في الأخير التسليم للفرنسيين بقيادة كل من الجنرال دولامورسيير De Lamoricière والدوق دومال D’Aumale في 23 دجنبر 1847، حيث نفي إلى فرنسا فالمشرق العربي وبالضبط دمشق العاصمة السورية، وعاش كأحد رعايا السلطان العثماني وظل هناك حتى وافاه الأجل سنة 1883 .

في ذلك التاريخ أي أواخر 1847 كان منطق المواجهة مع المستعمر الفرنسي قد تغير، إذ يؤكد ع العروي أن فرنسا وقتذاك لم تعد ترضى بتحطيم جيش أو دولة عبد القادر، بل أصبحت تستهدف تفتيت المجتمع ” حتى يمحي في كل فرد الوعي بانتمائه إلى حضارة متميزة “.

نذكر هنا أن مجال نشاط الأمير عبد القادر وجيشه امتد، انطلاقا من قبائل الشرق ثم الشمال حيث الدائرة بمنطقة كرط وبما في ذلك حوض إيناون، وكانت قبائل الشرق تحت رحمة المدافع والجيوش الفرنسية، إضافة إلى أشكال النهب والسلب التي مارسها الاستعماريون الفرنسيون تجاه القبائل المغربية الحدودية، وقد ظل ساسة فرنسا في الجزائر المحتلة يطبقون ما وصفوه ب” حق المطاردة ” داخل الأراضي المغربية، وحين يتدخل الجيش المخزني الشرعي لرد الأمورإلى نصابها، يجدها الجيش الاستعماري فرصة لإبراز عضلاته، ما أدى في الأخير إلى معركة إيسلي، أما بالنسبة لقبائل الشمال وحوض إيناون فبقيت على تعاطفها في عمومها ولبعض الوقت، مع الأمير، بعد هذه المعركة وحتى حينما بدأت المواجهات بينه وبين جيش السلطان .

الشيء المثيرفي الوثائق المغربية خاصة هو أنها تضرب صفحا عن الفترة الأخيرة من ” جهاد ” الأمير عبد القادر سواء ضد القوات الفرنسية أو في مواجهة قوات السلطان حليف الأمس، فبقيت فترة سنتي 1846 و1847 ببياضات معينة، ربما لحساسية الفترة علاقة بهذا الطرف أو ذاك، فتلك الوثائق وحتى مصادر الفترة، تكتفي بذكرعبور الأمير وما تبقى من جيشه نهر ملوية ونحو ضفته الشرقية أي باتجاه قبائل الأحلاف وبني بوزكو وأشجع ومن ثمة تجاه بني يزناسن، أما بالنسبة للوثائق الأجنبية فتتعرض ببعض التفصيل لهذه الفترة الأخيرة من نشاط الأمير.

أبرزأسباب استمراردعم قبائل حوض إيناون وممر تازة ( ومعها قبائل الشرق والشمال) للأمير عبد القادر، يتلخص في تخوف تلك القبائل من زحف الجيوش الفرنسية نحو أراضيها، وعُرف عن قبائل ممر تازة خاصة حساسيتها تجاه كل القوى الأجنبية ( مفهوم النصراني/ الكافر/ العدو )، لا سيما وأن الجنرال بيجو وتحت إصرار كل غلاة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، كان عازما على الزحف نحو ممر تازة الاستراتيجي واحتلال حوض ملوية، مباشرة بعد هزمه للجيش المغربي في إيسلي، لولا التدخل الديبلوماسي الإنجليزي الشيء الذي أثمر المعاهدة التجارية المغربية مع إنجلترا سنة 1856 .

ومن عوامل استمرار دعم تلك القبائل للأمير بعض الوقت، تضرر واضطراب التجارة عبرممر تازة من وإلى الشرق المغربي ومن ثمة نحو الجزائر، ومن هناك أيضا إلى باقي أنحاء المغرب، نتيجة احتلال الجزائرواكتمال المسلسل بسيطرة الجيش الاستعماري غلى غربها بدءا من سنة 1842، وأيضا بفعل الاستعاضة عن تجارة الماشية من طرف المخزن المغربي، الذي حاول تعويضها بتجارة المواد الوافدة من المراسي، وأخيرا الضرر الناشئ عن توقف القوافل الحجية عبرالطريق السلطاني المعروف : فاس – تازة – وجدة – تلمسان.

يمكن أن ضيف إلى كل ماسبق، البحث الدائم لقبائل تازة وحوض إيناون عن زعامات جهادية حقيقية وهي الميزة التي طبعت المنطقة، منذ نهاية القرن السادس عشر على الأقل، ولا يمكن تفسير انتفاضات قبائل حوض إيناون وممر تازة بدءا بزعامات الناصر السعدي مرورا بأحمد بن محرزالعلوي وانتهاء بالأمير عبد القادر وبوعزة الهبري والفقيه الزرهوني ( الروغي ) بنزعة ” فوضوية ” دفينة أو ” بخروج عن الجماعة ” كما يذهب إلى ذلك البعض، بل يجب ربط تلك الانتفاضات الواحدة تلوى الأخرى بسياقاتها التاريخية والدينية والثقافية والتي لا تنضبط بالضرورة لتلك المفاهيم المستبطِنة نوعا ما لبعض أحكام القيمة المتهافتة طبعا والبعيدة عن واقع الأشياء .

ونعود إلى فترة الضغوطات الفرنسية على المخزن المغربي، فقد قام السلطان م عبد الرحمان، نتيجة تلك الضغوط بإصدار أوامره لعامل تازة بوزيان الشاوي ( من عرب الأحلاف ) وعامل وجدة احميدة الشجعي بتجهيز قواتهما وقوات قبائلهما لمواجهة عبد القادر، بعد تشبث كلا الطرفين بمواقفهما، كما التحقت بهما قوات إضافية من فاس، برآسة ابن عم السلطان م ابراهيم بن عبد المالك وقصدت الريف، الذي كان يعد بدوره معقلا أساسيا للأمير، كما دارت بسلوان وتافرسيت عدة معارك بين الإخوة الأعداء، ويبدو أن ممر تازة وقبائلها شكلا ما يشبه الملاذ الأخير للأمير، علما بأن ساكنة تازة ذات الأصول الجزائرية على الخصوص، كانت تبدي عطفا كبيرا على الأمير وما تبقى من جيشه، فضلا عن شمول ذات التعاطف باقي الساكنة باعتبار عبد القادر أميرا مجاهدا ضد الكفارالمحتلين .

امتد ” حيز نفوذ ” الأمير بعد إيسلي عبرمناطق الشرق والشمال، وعند المواجهات تمدد جيش الأمير نحو قبيلتي التسول والبرانس، ثم غياثة والعوامل الأساس وراء ذلك ما ذكرناه سابقا، الشيء الذي فرض على السلطان تجهيز عدة حركات وفيالق، وبالمناسبة فقد قال السملالي علي السوسي – وهو من أبرز رجالات وقادة المخزن خلال هذه الفترة – في مجموعة غياثة المسيطرة على ممر تازة وأسافل إيناون ما لم يقله مالك في الخمر، مستعينا بمختلف النعوت من” لؤم ” و” رعونة ” و” تعنت “( ….) ما يطرح أكثر من علامة استفهام ذات طابع تاريخي عميق .

ومن جهة ثانية، فقد كان من نتائج الإجراءات المخزنية ضد الأمير عبد القادر، أن أخذت بعض القبائل تنسحب من دعمه كقلعية وبني توزين وكزناية وبني سعيد والمطالسة، والسبب أنها اقتنعت أخيرا بموقف السلطان وأنه هو المؤهل الوحيد والمخول لإعلان الجهاد أو تركه، بل بات بعض تلك القبائل يشارك في مطاردة الأمير وجيشه، وبعد حرب شديدة بسلوان سقط القائد المخزني الأحمر( شيخ بني مالك ) قتيلا، إثرها انتقل عبد القادر إلى تازة حيث واصل صدامه مع قوات المخزن، ما جعل السلطان يستعجل إنهاء قضية الأميرولجوئه إلى المغرب وحينما حُصر من جهة الحياينة وأحس بحصار مماثل بالضفة الغربية لنهر ملوية، ورغم لجوئه إلى وسطاء وشفعاء لدى السلطان فقد تشبث هذا الأخيربموقفه إزاء الأمير اللاجئ، بمعنى إما أن يختار الدخول إلى المغرب آمنا أو يخرج عن تراب المملكة وهكذا عادت معظم قبائل المنطقة إلى حضن المخزن، وحتى غياثة، فقد نظم السلطان ضدها بعض الحركات لاستمرارها في دعم ” الفتان ” بالرغم من الموانع المخزنية، فأذعن الغياثيون في الأخير، وضمن هذا السياق المضطرب ظلت مدينة تازة تابعة للمخزن، وكان السلطان م عبد الرحمان قد عين عبد السلام بن جدي محتسبا والسيد محمد بالحاج قدور أبو عبد الله ناظرا للأحباس، والعلامة محمد بوحجار قاضيا عليها .

من جهته، استمر تأثير الأمير على المنطقة، فعبد المالك الإبن الأصغر للأمير عبد القادر هو الذي ترأس وفد تازة في بيعة السلطان م عبد الحفيظ ” سلطان الجهاد ” في 29 غشت 1909، أي مباشرة بعد القضاء على ثورة الفقيه الزرهوني ” الدعي أو الفتان ” الذي كان قد بويع برسم الجهاد أيضا، وحتى بعد توقيع عقد الحماية، مثلما تميزعبد المالك بغموض شخصيته وتقلباته السياسية والمصلحية، حتى إنه عاد إلى منطقة تازة من جديد في غشت 1915، ليقود مقاومة ضد القوات الفرنسية بدعم ألماني، فحقق بعض الانتصارات لكن حركته ” الجهادية ” توارت بعد هزيمة الألمان في الحرب العالمية الأولى، ومالبث أن دخل في صراع مميت مع قوات الأمير عبد الكريم الخطابي، بعد أن كان من أخلص أوفيائه، وانتهى مصيره يوم 07 غشت 1924مقتولا في معركة مع تلك القوات في عزيب ميضار.

لاشك أن هناك عائلات تازية تعد سليلة الأمير عبد القادر، كما أن هناك أخرى من أصول جزائرية وصلت إلى تازة عبرالمنعطفات التاريخية المعروفة منذ ثورة الدرقاويين بتلمسان في عهد م سليمان، مرورا باحتلال الجزائر ثم تلمسان، وانتهاء بالثورة الجزائرية التي اندلعت في فاتح نونبر 1954 ومن آثارالأمير عبد القادر بتازة مطبوع حجري بخزانة الجامع الأعظم أسماه ” ذكرى العاقل وتنبيه الغافل” وهو غفل عن ذكر مكان طبعه وتاريخه .

* رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث .


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5