ads980-90 after header
الإشهار 1


عبد السلام الصديقي: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يقدم مقترحاته بخصوص الإنعاش والصمود

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

بادر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بإحالةٍ من مجلس النواب، إلى نشر تقرير حول “الانعكاسات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لجائحة كوفيد 19 والسبل الممكنة من أجل تجاوزها”. وقد تزامن نشر هذا التقرير مع مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2021 من طرف البرلمان. لذا نتساءل عن مدى اعتماد البرلمانيين مضامينَ التقرير المذكـور، لا سيما منهم المنتمون إلى صفوف المعارضة، في مناقشاتهم، بغرض اقتراح بدائل للمشروع الحكومي، وتحديداً في ما يتصل ببعض الإشكالات التي لا تزال عالقة.

فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قدم إسهامه التشخيصي والاقتراحي، على غرار مؤسسات وطنية أخرى، مثل المجلس الأعلى للحسابات، والمندوبية السامية للتخطيط، وبنك المغرب (على سبيل المثال وليس الحصر)، والتي عملت على بلورة تقارير وإنتاجات رفيعة المستوى والجودة، كان من المُفترض عملياً استثمارها والاستفادة منها كما ينبغي في إعداد السياسات العمومية، وهو ما لم يحصل مع كامل الأسف.

بالرجوع إلى تقرير المجلس الاقتصادي والبيئي، فقد تم إعداده طبقاً للمنهجية المتبعة عادةً من طرف هذه المؤسسة الدستورية، وتم تبويبه في جزأين اثنين، كما هو مُشارٌ إليه في العنوان: الجزء الأول يتناول حصيلة الآثار المختلفة لجائحة كوفيد 19، مع جردٍ يكاد يكون شاملا للإصدارات ذات الصلة، تَــمَّ تطعيمها بشهاداتٍ وتحاليلَ مُستقاةٍ من جلسات استماع؛ أما الجزء الثاني فهو يعرض المقترحات والتوصيات الموجهة إلى أصحاب القرار العمومي وإلى مختلف المتدخلين في الحقل السياسي والاجتماعي. كما نجد في بداية التقرير ملخصاً تنفيذياً.

تُرى ماذا يقترح المجلس كاستراتيجيات لما بعد كورونا وكدعائم للأجرأة؟

تتمفصل اقتراحاتُ المجلس، من أجل تنمية دامجة ومُستدامة وقادرة على الصمود، حول سبعة محاور هي: التعايش مع كوفيد 19 بين متطلبات حالة الاستعجال وضرورة التكيف؛ تعزيز ثلاثة أدوار للدولة وإعادة توجيه السياسات العمومية من أجل بناء مغرب أكثر إدماجاً وأكثر قدرةً على الصمود إزاء التقلبات؛ الانتقال من منظومةٍ للعلاجات إلى منظومة للصحة؛ إرساء منظومة للحماية الاجتماعية المعممة واستراتيجيات مبتكرة من أجل إدماج القطاع غير المهيكل؛ إنعاش الاقتصاد على المدى القصير مع العمل في المدى المتوسط على تعزيز قدرته على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية؛ تطوير القطاعات الاستراتيجية من أجل تعزيز السيادة الاقتصادية لبلادنا؛ وأخيراً سياسة وطنية مندمجة وشاملة في مجال التحول الرقمي.

هكذا، يتضح جلياً أننا بصدد برنامج حقيقي ومتكامل يشمل 149 إجراءً. فَـلْـنُـلْـقِ نظرةً على بعضها:

من حيثُ مهام وأدوار الدولة، فقد تم تحديدها في ثلاثة: الاضطلاع بتوفير التأمين للجميع، أفراداً ومقاولات، خلال الأزمات الحادة، ويُقترح على هذا الصعيد إحداثُ صندوقٍ دائم للتصدي للصدمات الكبرى، مما سيمكن الدولة من الاضطلاع بدون “المُــؤَمِّــن للجميع” من خلال آلياتٍ دائمة للتأمين عن الأضرار الناجمة بسبب الأزمات الكبرى من أجل تقاسم المخاطر وتخفيف الخسائر التي تلحق بالمقولات وبالأسر. وثانيا، على الدولة أن تعمل على خدمة المواطن وتضمن الولوج إلى الحقوق مهما تكن الظروف. وثالثاً، على الدولة أن تتكلف بمهام التخطيط الاستراتيجي والاستثمار وأن تتملك رؤية على المدى الطويل، مع انخراطها القوي في قطاعيْ التعليم والصحة، حتى وإن اقتضى الحال إعادة النظر في سياسة خوصصتهما، بهدف تحقيق رفاه المواطنات والمواطنين وتعزيز التماسك الاجتماعي.

من جانب آخر، وفي المحور المتعلق بالإنعاش الاقتصادي، تم اقتراح تقديم تفسيرات وتفاصيل أَوْفَـى بشأن خطة إنعاش الاقتصاد التي خُصص لها غلاف مالي يُقدر بـ120 مليار درهم، وذلك عبر تحديد الإجراءات والأولويات، مع توزيعٍ أكثر دقة وتفصيلاً لبنود الموارد والنفقات، ووضع مؤشرات واضحة للتتبع وتقييم الأداء، وإخضاع هذه الخطة للتصويت في البرلمان بموجب قانون عادي منفصل عن مشروع قانون المالية لسنة 2021.

أما بالنسبة لمحور تطوير القطاعات الاستراتيجية من أجل تعزيز السيادة الاقتصادية الوطنية، فقد تم التأكيد على ثلاثة أنواعٍ من هذه السيادة: السيادة الطاقية لأجل تأمين الإمدادات وتقليص التبعية لواردات الطاقات الأحفورية، ثم السيادة الصحية من خلال تطوير الصناعة الدوائية الوطنية، فالسيادة التكنولوجية التي من شأنها أن تُمَكِّنَ بلادنا من الانتقال، على المديين المتوسط والطويل، من مجرد مستهلِك إلى فاعل ومنتِج للمعرفة في المجالات العلمية والتكنولوجية المستقبلية.

إن الاختيار الأساس يكمن في إعطاء الأسبقية للسياسات القطاعية والنشاطات المتصلة بـِ”اقتصاد الحياة / l’économie de la vie”، والتي غايتُها تحسين ظروف عيش الإنسان، أي كل ما يتعلق بالصحة، النظافة، الاقتصاد الدائري، التغذية، الفلاحة، الطاقة النظيفة، الرياضة، البحث العلمي، التعليم، النقل العمومي، معالجة المعلومات، والأمن….إلخ. وذلك من خلال تدابير تحفيزية، وعبر دعم ومواكبة إعادة هيكلة هذه القطاعات وتحديثها، في إطار مخططات تنموية قطاعية متعددة السنوات.

خيراً فَعَــلَ، إذن، المجلسُ الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بنشره لهذا التقرير، وعلى الجميع أن يُبادر إلى الاطلاع عليه والتأمل فيه والتعليق على مضامينه، والسعي نحو إغنائه، بل وحتى انتقاده، علماً أنْ لا شيء يمكنه تعويض النقاش والحوار والنقد البَــنَّـــاء، باعتبار ذلك شرطًا ضروريا لبروز الحقيقة في نسبيتها.

تأسيساً على ذلك، نعتقد أن التقرير كان يمكن أن يكون أكثر وُضوحاً لو تم التركيزُ على عدد محدود من التدابير والإجراءات التي تكتسي الأهمية الكبرى، والعمل على إبرازها بشكل أقوى وأوضح.

كما نرى، أيضا، أن إشكالية التمويل التي تُعتبر بمثابة “عَــصَـــب الحرب” لم تَــحــظَ، ضمن متن التقرير، بالمكانة التي تستحقها، حيث الإشاراتُ الواردة بهذا الخصوص يمكن تلخيصها في توسيع الوعاء الضريبي؛ عقلنة النفقات الجبائية؛ إقرار ضريبة على الرأسمال غير الموجه للاستثمار؛ بالإضافة إلى إنشاء بنك عمومي للنماء.

يتعين الإقرار بأن هذه المقترحات التمويلية مهمة، فعلاً ومن دون شك، ولكنها مع ذلك تظل غير كافية، كما أنها ليست جديدة. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي يُؤاخِــذُ، عن حق، الحكومةَ الحاليةَ كونَــها تفتقد إلى الطموح الضروري، كان مُنتظراً منه (المجلس) المزيد من الاقتراحات النوعية والمبتكرة، بالنظر إلى ما يتوفر عليه من إمكانيات بشرية وما يتميز به من طموح.

* وزير سابق واقتصادي وأستاذ جامعي


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5