ads980-90 after header
الإشهار 1


دور المشترك المغربي الجزائري في الكفاح المسلح بتازة

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

*عبد الإله بسكمار

تبدو صورة التعايش بل والتكامل والاندماج أحيانا بين المغاربة وإخوانهم الجزائريين، (ومثلها فترات التجاذب والصراع ) تبدو مثيرة على مستوى الأحداث الكبرى التي طبعت المنطقة منذ بدايات القرن التاسع عشرعلى الأقل، وحتى استقلال البلدين الشقيقين، ففضلاعن المبادلات التجارية والمنافع الاقتصادية بين الطرفين ولا سيما، ما تعلق منها بقبائل الحدود وما جاورها وحتى مدينة فاس (التي ظلت ولمدة قرون العاصمة الفعلية للإيالة المغربية) ظلت مهوى أفئدة كثير من الإخوة الجزائريين فضلا عن تطوان، زيادة على تلك العلاقات، هناك المصاهرة حيث ارتبطت كثير من العائلات المغربية بنظيرتها الجزائرية، ثم أخيرا وليس آخرا الأحداث التاريخية والتي ربطت مصير كثير من الجزائريين بالإيالة المغربية .

نقتصر على بعض المحطات ذات الدلالة، والتي كانت كفيلة بتعميق الصلات بين الشعبين المشترِكين في كثيرمن السمات والخصائص والمناسبات أيضا، ففي أيام السلطان م سليمان العلوي الذي حكم بين 1792 و 1822، هاجر عدد كبير من الجزائريين سنة 1805 من بلدهم فرارا من جور الترك حسب صاحب مخطوطة الابتسام عن دولة ابن هشام، ولجأوا خاصة إلى فاس ثم مدن اخرى كوجدة وتازة، وكان هؤلاء من أهل تلمسان ثم وهران أي الغرب الجزائري بالذات، تعود عوامل ذلك إلى اضطهاد الدرقاويين من طرف الولاة الأتراك وتعسفهم على الرعية هناك، ونذكر في هذا السياق ثورة عبد القادر بن الشريف في بادية الجزائر والذي أغار على ثغر وهران وتلمسان ودخل في صراع مع الترك لمدة طويلة وفي نفس الوقت ثار الأحرش على الأتراك لذات السبب، أي تعسف واستبداد الولاة الأتراك أو من ينوب عنهم، ما أدى إلى زيادة هجرات الجزائريين نحو المغرب، الذي وجدوا فيها ضالتهم من أسباب الراحة والاندماج والاستقرار والعيش الكريم .

عند احتلال الجزائرسنة 1830 عرفت المنطقة هجرات جديدة مكثفة نحو الغرب الجزائري ومن ثمة نحو المغرب الأقصى، في وقت انهارت فيه ركائز الدولة الجزائرية سواء في مظهرها التركي/ العثماني، أو من خلال الكيانات الجهوية التي توزعت البلاد وعبرها برزت أشكال من المقاومة، حدث مرة أخرى أن فرالكثير من الجزائريين بدينهم وعاداتهم وقيمهم إلى المغرب، فوجدوا الصدر الرحب لدى السلطان س عبد الرحمان بن هشام، الذي أكرم وفادتهم، ومنحهم سبل العيش الكريم، كما دعا الرعية أيضا إلى التعامل مع هؤلاء بروح الأخوة الدينية والمجالية، التي تتجاوز كل الاعتبارات الأخرى، وقد استقر عدد من هؤلاء المهاجرين بالمدن الحدودية وصولا إلى فاس وتطوان واشتغلوا بالتجارة أساسا وبعض الحرف، وعدد من الوظائف، لا بل إن المخزن لم يمانع في احتضان عدد من هؤلاء ضمن جهازه نفسه ولنا في الفقيه المعمري الزواوي والمترجم الغامض عبد القادر بن غبريط والصدر الأعظم ج محمد المقري أبرز النماذج على وجود أشخاص جزائريين أو من أصول جزائرية في قلب الجهاز المخزني وضمن دواوين السلاطين المغاربة، وبنفس المقدارتقريبا وقع اندماج المغاربة في الغرب الجزائري، وصولا إلى عدد من زعماء الثورة الجزائرية ذوي الأصول المغربية .

قطعا سيطول المقام بسرد علماء وفضلاء هذا القطر أو ذاك، ممن استقروا هنا أو هناك، على مر الفترات التاريخية، وصولا إلى احتلال الجزائروما بعدها وقبل هذا وذاك المشترك الثقافي الفذ ومن إيقوناته خلال العصور الوسطى: ابراهيم التازي دفين وهران، وهو من أعلام تازة ويطلق عليه الجزائريون ببساطة سيدي ابراهيم التازي وابن مرزوق التلمساني وابن خلدون وابراهيم السطي والمقري الجد والحفيد وغيرهم كثير .

لم تنل الحدود الملتبسة بين الإيالة الجزائرية العثمانية والإيالة المغربية من الروابط التاريخية بين سكان الجزائر والمغرب، فاستمر تدفق الجزائريين في هجرات متتالية هروبا من عنف الحكم العثماني ومضايقات بعض الدايات والبايات والعلماء وشيوخ الزوايا على حد سواء.

كان المهاجرون الجزائريون الذين قصدوا وطنهم الثاني المغرب بالآلاف، بعد وقوع بلادهم فريسة للاحتلال الفرنسي، حلت بالإمبراطوية الشريفة أفواج جديدة من الجزائريين مكونة من علماء وحرفيين وأطر إدارية وعسكرية، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر الطويجي قائد المدفعية بجيش م الحسن الاول وم عبد الحفيظ المعروف المعروف بعبد الرحمان بن سديرة، وعود على بدء فخلال مرحلة 1830 – 1842 يممت شطر المغرب أفواج كثيفة من الجزائريين أغلبهم من تلمسان ووهران ومعسكرأطلق على أصحابها لفظ ” المهاجرين “.

وفي مرحلة ثانية ونقصد بين سنتي 1842 و 1844 صدرت فتوى من علماء المغرب والجزائر تبيح الهجرة للجزائريين نحو أشقائهم بالمغرب، حفاظا على مقوماتهم الدينية والحضارية، وكانت هناك هذه المرة مجموعات من تلمسان ومعسكر ومستغانم وبسكرة واستقر عدد كبير من هؤلاء بفاس، فيما توقف بعضهم في وجدة وتازة وآخرون قصدوا مكناس، وكان الكثير منهم أنصارا للأمير عبد القادرالذي قاد الجهاد في هذه الفترة بدعم من المغرب .

دون أن نغفل دعم سلاطين المغرب خلال هذه الفترة خاصة عبد الرحمان بن هشام للزوايا المجاهدة في الجنوب الشرقي من المملكة، والتي كانت تتحرك ضمنها القبائل، دفاعا عن الكيان المحلي والوطني ودون أن تعرف معنى حقيقيا للحدود الوطنية بمدلولها الحديث، أي أن القبائل هناك كانت موزعة في الحقيقة بين الترابين المغربي والجزائري، ونذكر هنا مقاومة ولاد سيدي الشيخ والزاوية التيجانية .

أما في القرن العشرين فاستمرالتواصل بين الشعبين الشقيقين رغم مناورات المستعمرين، ومحاولات التفرقة، ونذكر هنا من المحطات المشعة اقتبال الإخوة الجزائريين لكثير من مواطني المغرب خاصة القاطنين بالريف والذين وجدوا الصدر الرحب والعمل الكريم بالجزائر المحتلة، في وقت عانت فيه البلاد المغربية من أشكال الخصاص، بل ومراحل من المجاعات ومظاهر للفقرالمدقع، وفي المقابل اضطلعت السلطات الاستعمارية بسياسية ضرب الشقيق بالشقيق، فشكلت الزواف Les Zouavesوالسبايس Spahis Lesالجزائريين وكل الباحثين يعرفون الدور الخطير الذي لعبه هؤلاء في قمع وإخماد انتفاضة الشعب المغربي الرافضة لعقد الحماية إلى جانب فئات القوات الاستعمارية الأخرى، بين 1912 و1934 خاصة، كما لعب الكوم المغاربة نفس الدور لصالح الاستعمار الفرنسي قبيل وأثناء الثورة الجزائرية التحريرية .

وبمجرد أن اندلعت تلك الثورة في فاتح نونبر 1954 بدأ التنسيق بين القادة الوطنيين على مستوى المغرب العربي ككل وخاصة بين المغاربة والجزائريين، نعرج هنا على لجنة تحرير المغرب العربي التي تأسست سنة 1947 بقيادة الزعيمين محمد بن عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي بالقاهرة، وزادت أشكال التنسيق والتعاون قدما إلى الأمام بقيام الثورة الناصرية في مصربزعامة الضباط الأحرار في يوليوز 1952، نذكرطبعا بالباخرة دينا التي وصلت إلى شاطئ رأس كبدانة بالناضور ليلة 4 و5 أبريل 1955، وعلى متنها 60 طن من مختلف أنواع الأسلحة لصالح جيش التحرير المغربي ( الشمالي بالأساس تحت إشراف كل من قيادتي تطوان والناضور ) وجيش التحري الجزائري وكان على متنها أيضا مجموعة جزائرية، يترأسها آنذاك محمد بوخروبة وإسمه الحركي الهواري بومدين والذي سيقود جيش الحدود انطلاقا من وجدة والناضورو سيصبح فيما بعد رئيسا لجهورية الجزائروسوف يبدي مكرا كبيرا في قضية الوحدة الترابية المغربية، ليتحول إلى عداء صريح وأي بطولة فائقة في طرد وتشريد ثمانين ألف مواطن مغربي، كانت تعيش فوق التراب الجزائري كرد فعل على تحرير المغرب لصحرائه عبر المسيرة الخضراء؟؟ ثم تسليح ودعم حركة البوليساريو الانفصالية .

وحينما انطلقت رصاصات جيش التحرير شمال وجنوب تازة في فاتح و02 أكتوبر 1955، كان سلاح باخرة دينا هو المنطلق، وأسماء بارزة نحتت النضال الوطني والمسلح بالمنطقة كالشيخ المؤسس القائد الشهيد حسن بن حموش الزكريتي والفقيه عبد السلام العرقوبي والسارجان الغابوشي والسارجان ادريس والعوش والقائد عبد العزيز الدوائري والرقيب عبد السلام الذهبي وحسن بحتات والفقيه بوطاهروميمون أعقا ومحمد بن قدوروبن عياد المطالسي ومسعود أقجوج، وامتدت المعارك من تازة ومن مثلث الموت ( أكنول – تيزي وسلي وبود ) إلى الأطلس المتوسط وشمال فاس وتاونات والمغرب الشرقي الفرنسي ، مخلفة مائت القتلى في صفوف الجيش، وسجل إقليم تازة أعلى نسبة من المقاومين ( حوالي 200 مقاوما ).

وكان من المناضلين الجزائريين الذين استقبلوا تلك السفينة مع الأسلحة المناضل المرحوم محمد بوضياف والشهيد العربي بن مهيدي، إلى جانب وطنيين ومجاهدين مغاربة آخرين كسعيد بونعيلات والحسين برادة، بتنسيق وتخطيط من القاهرة ومدريد وطنجة الدولية، حيث كان بالقاهرة احمد بن بلة والحسين آيت احمد ثم الزعيم علال الفاسي وبمدريد عبد الكبير الفاسي وبطنجة الدولية عبد الرحمان اليوسفي، فأخذت الثورة الجزائرية ثلثي الحصة من تلك الأسلحة ( في وقت كانت محتاجة إليها بكل إلحاح) وبقي الثلث لصالح جيش التحرير المغربي الذي نشط أساسا شمال تازة ثم شمال فاس وتاونات والمنطقة الشرقية وابلي البلاء الحسن في سبيل الاستقلال وعودة المشروعية المجسدة في المغفور له محمد الخامس، والتي تمت فعلا يوم 16 نونبر 1955.

وبعد استقلال المغرب أصبحت المنطقة الشرقية بمثابة قاعدة كبيرة للثورة الجزائرية، ونذكر فضلا عن ذلك أن قيادة المقاومة المغربية كانت قد اقتنت كمية هامة من الأسلحة شحنتها على متن الباخرة ” أطوس 2 ” اعتقادا من تلك القيادة أن العمليات العسكرية لجيش التحريروالردود الاستعمارية يمن أن تطولا، لكن الباخرة وصلت بعد إعلان استقلال المغرب، فأهدت قيادة المقاومة المغربية ذلك السلاح برمته إلى الثورة الجزائرية دون مقابل، تضمانا مع الشعب الجزائري لنيل حريته، فكان الجزاء ما نراه منذ استرجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية .

* رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والابحاث وحماية التراث


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5