ads980-90 after header
الإشهار 1


معالم بتازة تتحدث عن نفسها

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

عبد الإله بسكمار

ثمة علامة مميزة للرصيد الوثائقي الإبيغرافي، l’épigraphie الذي تخلف لدينا من عصور التاريخ على مستوى مدينة تازة العتيقة، وخاصة من العصر المريني، تلك العلامة تتمثل في عدد من التواريخ وأسماء السلاطين من بني مرين الذين عبروا عن امتنانهم لرباط تازة إذ اعتمدوا عليه في المراحل الأولى والحاسمة لتأسيس دولتهم على حساب بقايا الموحدين واعتبارا من سنة 613 هـــ/ 1216 م، فلم ينسوا فضله على دولتهم، وذلك عبرمعالم بارزة تزينها أشعارمتناثرة، تشمل تواريخ التأسيس ومن وضع اللبنات الأولى للمعلمة المعنية، وهذه الظاهرة الشعرية والمعرفية ظلت معلومة عند العرب، فقد أثر عنهم نظم القواعد الفقهية والنحوية وأيضا بعض المعلومات الفلكية والكيميائية والجغرافية والتاريخية شعرا، يكفي أن نمثل لألفية ابن مالك الأندلسي في النحوكنموذج فقط، وقد خطا المغاربة نفس المنحى فنظموا القواعد اللغوية والفقهية والعلمية، وكان الغرض الأساس، بوضوح هو سهولة حفظ الشعر قياسا إلى النثر، وإذا عرفنا جيدا أن مختلف علوم الفترة شهدت ازدهارا كبيرا خلال عصر بني مرين، ومنها حقلا التاريخ والأدب، نستطيع أن نفهم وبتصورتلك الفترات الوسيطية، سر وجود وثائق هامة منظومة شعرا في العديد من المعالم المرينية، سواء على مستوى رباط تازة ( وكانت تكتب خلال هذه الفترة بالتاء المربوطة أو الألف الممدودة تازا أو الألف المقصورة تازى) أو باقي المراكزوالمدن المرينية، لا سيما وأننا نعرف أيضا أن حضارة بني مرين وإن كان أصل الدولة قبليا زناتيا رعويا وشبه بدوي، ظلت حضارة مدينية أساسا أي أنها امتدت عبر المدن والحواضربالدرجة الأولى كفاس ومكناس وسلا ومراكش وتازة .
نبغ العديد من الشعراء سواء خلال الفترة الأولى أو الوسطى من عصر بني مرين، وكانت لبعضهم علاقات وثيقة بتازة فمالك بن المرحل المالقي السبتي كان أستاذا وشيخا للعلامة علي بن بري في الأدب والعروض ولذا من المحتمل أن يكون قد زار تازة عدة مرات، وابن رشيق المرسي الأندلسي الذي حقق شعره الباحث المتمكن المرحوم الأستاذ محمد بن شريفة وأخرج لعموم المهتمين والقراء كتابه القيم ” ابن رشيق المرسي ( 628 – 696 هــ/ 1231 – 1296 م) وهو عبارة عن دراسة وتحقيق سنة 2008 م ابن رشيق هذا توفي بتازة سنة 696 هــ، فضلا عن العديد من الشعراء والقضاة والمتصوفةورجال السياسة كالسفير ابرهيم بن اسحاق والشاعر الطبيب أحمد بن شعيب الجزنائي التازي، والأبلي التلمساني وابن مرزوق وغيرهم كثير.
ليس غريبا إذن أن نطالع في المنمنمات واللوحات المختلفة آثارا ثمينة نظمت شعرا وتضمنت العديد من الحقائق التاريخية، والمثير في الأمر أن عددا من تلك الأبيات نظمت على لسان المَعْلَمة ذاتها، أي أن ناظم النص الشعري نطق على لسان تلك المعلمة كثريا الجامع الأعظم وقصيدتها التي اشتهرت كنار على علم ( على وزن بحر البسيط مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن × 2) والتي مطلعها:
ياناظرا في جمالي حقِّقِ النظرا….. ومتِّعِ الطرف في حُسني الذي بهرا
فالنداء هنا موجه بأداة البعيد المنزل منزلة القريب، ” ياناظرا ” ثم هناك الأمر الذي يراد به الالتماس، دون أن ننسى ظاهرة التصريع ( النظرا – بهرا ) والروي الراء وهو حرف تكراري مناسب للمقام، هذا ما يذكر بأساليب الأندلسيين في شعرهم حيث التأنق في التعبير وحسن الديباجة ورقة الأسلوب، علما بأن المغرب خلال هذه الفترة بدأ يرث فعليا الحضارة الأندلسية الرائعة بمختلف تجلياتها المادية والرمزية.
نلاحظ – وهنا بيت القصيد- وجود ضمير المتكلم في كلمة جمالي الذي يعود على الثريا، فكأنما زهد الشاعر المجهول في نسبة القصيدة إليه مباشرة وفضل أن تتحدث الثريا عن نفسها، وهذا فيه ما فيه من الإيحاء والـتاثير أكثر من أي وسيلة أخرى ثم يضيف:
أنا الثريا التي تازا بي افتخرت…. على البلاد فما مثلي الزمان يرى
اُفرغْتُ في قالب الحسن البديع كما …..شاء الأمير ابويعقوب إذ أمرا
تتحدث المعلمة عن نفسها هنا من خلال الصيغ الواضحة” أنا الثريا ” وباء الجر مع ياء المتكلم ” بي ” ثم المفعول به المقدم للضرورة الشعرية المنصوب بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المانع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة لياء المتكلم، ثم ينتقل إلى ذكر واضعها وهو الأمير أبو يعقوب يوسف المريني الذي حكم المغرب من 685 هــ / 1285 م إلى 706 هـــ/ 1307 م) وقد اشتهر هذا السلطان بغزواته في الأندلس ومعالمه العمرانية كتوسعة المسجد الأعظم بتازة وبناء مسجد المنصورة وحصار تلمسان الطويل .
إذا انتقلنا إلى معلمة أخرى بتازة وتتمثل في الخزانة المرينية الملحقة بالمسجد الأعظم والتي فصل أخونا الدكتور عيد السلام انويكة عضو مركز ابن بري في وظائفها ومهامها وتاريخيتها ومحتوياتها المختلفة في مقال شهير، نجد لوحة مكتوب عليها هذه الأبيات ( وزن الكامل متفاعلن ) :
لي منزل بين الخزائن شامخ ….قد خُصَّ من بيت الإله بمنزل
حفظا لمجموع الشفا أنشئت عن….أمر الخليفة فارس المتوكل
في عام سبع بعد خمسين انقضت….وسبع مئين في ربيع الأول
فهنا الخزانة مرة أخرى تتحدث عن نفسها والأمر اوضح من أن يشار إليه فهناك ضمير المتكلم في ” لي ” والتاء المتحركة للمتكلم ” أنشئت ” وذلك برسم حفظ كتاب ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” للقاضي عياض اليحصبي السبتي، ثم إسم الخليفة أي السلطان أبي فارس وهو لقب أبي عنان المريني ، وتاريخ التأسيس وهو 757 هــ/ 1356 م .
أخيرا وليس آخر فهناك الأبيات/ الوثيقة التي نقشت بشكل بديع على بوابة المدرسة الحسنية المرينية بمشور تازة وهي كالآتي ( على وزن الطويل فعولن مفاعيلن ):
لعَمْرُكَ ما مثلي بشرق ومغرب….يفوق المباني حسن منظري الحسن
بناني لدرس العلم مبتغيا به …….ثوابا من الله الأمير أبو الحســــــــن
وهنا أيضا تتحدث المدرسة عن نفسها بصيغة الفخر والاعتزاز إلى درجة المبالغة ( مثلي – حسن منظري – بناني ) وجميع هذه الشواهد توضح بالملموس تقارب ظروف التأسيس، بل يمكن أن نذهب أبعد في الافتراض بأن شاعرين معاصرين أوربما شاعر وناظم واحد كان وراء تلك الأبيات التوثيقية خاصة مع تقارب فترات التأسيس التي لا تتجاوز ثلاثين إلى أربعين سنة، وكما سبق الذكر فالتأثير الأندلسي واضح تماما وهو يشكل حانبا من تفاعل مدينة تازة مع ذلك الإرث الزاخر مثلها مثل باقي مدن وحواضر المغرب خلال العصر المريني .

رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5