ads980-90 after header


الإشهار 1


تازة : في رحاب أرشيف المدينة التراثي الرمزي الأصيل ..

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

* عبد السلام انويكًة

ما هو عتيق من مدن المغرب ومن ثمة ما هو دفين بها من عقليات ودهنيات وتيمة مجتمع واقتصاد بكيفية خاصة، هو بحاجة لعناية أوسع في أفق ما هو كائن من وعي ودرس وحضن بمؤسسات بحثية علمية انسانية هناك بدول الغرب، ذلك أن هذه المدن في تجلياتها وتركيبها ونسيج زمنها رغم ما هناك من تدفق حداثة وزخم تحول، هي وعاءات حيوية بحركة تاريخ ومساحات معبرة بمشاهد حضارة وانسانية انسان. والمغرب بحكم زمنه وطبيعة موقعه وتفاعله البشري عبر العصور، هو بسلسلة مدن عتيقة جعلته بلداً بإرث مادي ولامادي هام وواسع في بعده الانساني، لعل من هذه المدن تازة الشهيرة والمنتصبة معا منذ العصر الوسيط بإحدى شرفات جبل مطل على ممر شهير باسمها يصل شرق البلاد بغربها ومقدمة الريف بمرتفعات الأطلس، مدينة بمعالم تاريخية عدة شاهدة على ما كانت عليه من أدوار ومظاهر حياة مستقر منذ قرون.
واذا كانت تازة كما هو غير خاف عن دارسين ومهتمين تعود للقرن السادس الهجري، علما أن ما هو نشأة ونواة لا يزال بقراءات وتعدد رأي وتأسيس وتباين نظر. فالثابت بقوة النصوص كونها شهدت فترة ريادة على عهد دولة بني مرين لعوامل عدة ومتداخلة، تلك التي بنهايتها تكون تازة قد طوت حلقة ذهبية من زمنها حيث أعظم ما تحضنه من ارث مادي ولامادي جامع بين عمارة دين وفكر وسياسة وأعلام وغيرها. مع أهمية الاشارة الى أنه رغم ما شهدته من فتور معبر ظلت محطة ذات أهمية خلال فترات لاحقة، لِما هناك من سلطة موقع فاصل وواصل ومحورية ممر. قبل أن تطفو من جديد وتبرز بشكل لافت مع مطلع القرن الماضي، لِما ارتبط بها من تطورات سياسية وأمنية حرجة وما طبع ممرها من وقع خاص في علاقة شرق بغرب، إثر ما شهدته حدود البلاد الشرقية آنذاك من أطماع استعمارية وتطلعات انتهت بفرض حماية فرنسية ونقل عاصمة البلاد من فاس الى الرباط، وهو ما تقلصت معه أهمية تازة بعد تحويلها لقاعدة عسكرية داخلية، بعد ما كان لها من تفاعل تجاري وارتباط ثقافي وسياسي مع فاس على امتداد قرون.
صوب زمن تازة وحول وقائعها وتحولاتها وكيانها وهويتها وما يهم عموما تاريخها الاجتماعي خلال العصر الوسيط، لا بديل عن أهمية الانصات لِما هناك من ارث وثائقي اصيل محلي حرص السلف على حفظه هنا وهناك، قبل أن يشهد أرشيف البلاد ما شهده من التفات مؤسس وتدبير ورؤية وتحديث وفعل تقني منذ حوالي العقدين، ليس فقط من خلال ما أحيط به من نص وتأطير ومؤسسة ونظم تدبير ومساطر وغيرها، انما ايضا لِما حصل من وعي به وبأهمية ما من شأنه مساعدة الباحث على نبش قضايا مدن البلاد العتيقة، وتأسيس لحظات كتابة رافعة بقدر معين من انتقاء وتناسب وثائق. ويسجل ما هناك من تطلع يهم ما هو أرشيف في أفق ما ينبغي من استثمار رافع لنماء وتفاعل حاضر ومستقبل عباد، فضلا عما هو بحث علمي انساني طبعا عبر جمع ذاكرة وطن لا تزال بتوزع هنا وهناك بين أفراد وأسر ومؤسسات وغيرها.
حول الرصيد الوثائقي المغربي الأصيل في علاقته بتازة وبما ينبغي من بحث منفتح على المدينة العتيقة خلال العصر الوسيط، ارتأينا اطلالة على تيمة الحوالات الحبسية التي ارتبطت لدى المغاربة عموما بوضع أملاك في خدمة صالح عام، تلك التي توزعت على محلات تجارة وأراضي وبساتين وغيرها، كانت مداخيلها تشكل روح حياة واستمرارية نشاط مدارس وجوامع وزوايا ومرافق اجتماعية وغيرها. وغير خاف ما هناك من صعاب تخص نبش الباحث والمهتم في زمن مدن مغرب العصر الوسيط الاجتماعي، ما يجعل من البحث والكتابة بقدر معبر من الجهد ومن هنا ما يمكن أن تسهم به حوالات هذه المدن الحبسية من معطيات ذات أهمية. تلك التي تشكل تراثا رمزيا وعلميا مغربيا اصيلا كان ينظر اليه الى عهد قريب على أنه بنوع من الجفاف المعرفي وببعد عن حقل التاريخ وكتابته، علما أن هذه الحوالات هي بتنوع جوانب خص قضايا عيش وتنظيم وعلاقات ومظاهر حياة وغيرها، من شأن ابرازها ملأ بياضات تطبع نصوصا تاريخية مصدرية كما بالنسبة للحوليات حيث تخمة ما هو سياسة وحروب وبطولات وزعامات وغيرها.
وحوالات المدن العتيقة الحبسية التي تجمع في مضانها بين ما هو ممتلكات وخبر مرافق وعقارات واحصاءات ومصاريف ونصوص عدلية لتحبيسات وغيرها، اعتمدت واستخدمت أول الأمر على عهد دولة بني مرين بالمغرب الوسيط التي اشتهرت بخدماتها الوقفية. وكان بنو مرين قد احاطوا تدوين معاملات الوقف بقدر كبير من العناية، من خلال دفاتر خاصة هي الآن مساحة ارشيف تاريخي بأهمية بحثية في قضايا المجتمع المغربي الوسيط الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. ولعل بقدر ما تقاسمت حوالات تازة الحبسية المرينية جوانب دفينة في تاريخ المدينة، بقدر ما توزعت على محبسين صوب مدارس وأضرحة فقهاء وأعلام ومجاري وسواقي ودور عبادة وزوايا وجوامع وحمامات وغيرها. حوالات ووثائق تاريخية بمعطيات هامة تشكل جوهر عمل كل باحث مهتم. وغير خاف ما هناك من صنف رسمي في هذه الحوالات لدقة تدوينه وتوثيقه وصدقيته هو الأكثر أهمية في الكتابة التاريخية، أما الثاني والغير الرسمي من هذه الحوالات فهو الخاص بقضايا وممتلكات ذات طبيعة أسرية كثيرا ما يصعب على الباحث بلوغها.
جدير بالاشارة الى أن أول من انتبه لأهمية الوثيقة الحبسية في تاريخ المدينة المغربية العتيقة وفي المعرفة التاريخية عموما حول المجتمع المغربي الوسيط، هم الأجانب المستشرقون الفرنسيون وغيرهم، من قبيل ألفريد بيل ولفي بروفنسال وجاك بيرك وعيرهم من العناوين والأعمال والاشارات كثير، علما أن الأعمال البحثية المغربية التاريخية لم تنفتح على هذا الجنس التوثيقي وبشكل خجول سوى مع نهاية سبعينات القرن الماضي، وعليه ما كانت هناك من قيمة مضافة لجهود من انفتح التراث وارشيفه من قبيل الاستاذ عبد الله العروي ومحمد المنوني وغيرهم.
وتازة بأرشيف هام من الحوالات الحبسية، لِما طبع أهلها من ثقافة توقيف باعتبارها عملا خيريا وانسانيا، خدمة منهم لكل ما هو ينفع الناس من خدمات عبر هذا المرفق وهذا الكيان والأسلوب أو ذاك، وهو دونوه وأشهدوا عليه في وثائق حبسية تناولت جوانب عدة وأمكنة بمعطيات هامة لابراز ما كانت عليه المدينة من علاقات وتفاعلات وقيم وغيرها. خاصة وأن تازة كانت بوقع وموقع متميز زمن دولة بني مرين جعلها في مقدمة مدن البلاد لما كانت عليه من نشاط ومرافق مجتمع وتجليات تفاعل من جملة ما أورده الحسن الوزان عنها.” تشتمل هذه المدينة على ما يقرب من خمس آلاف كانون.. فصور الاشراف والمدارس والمساجد .. في غاية الاتقان، وينحدر من الأطلس نهر صغير يمر بالمدينة ويخترق الجامع الكبير، ويغير الجبليون احيانا مجراه عندما يختصمون مع سكان المدينة ويصرفونه الى مكان آخر فتتأذى المدينة كثيرا، اذ لا يمكن حينئذ طحن الحبوب ولا الحصول على ماء صالح للشرب ويضطر السكان الى الاكتفاء بماء الخزانات العكر.” هذا قبل أن بضيف حول وضع المدينة الترابي الاجتماعي الفكري، عندما أشار الى المدينة في تقديره تحتل الدرجة الثالثة في البلاد بالنظر لمكانتها وحضارتها، وخاصة عندما ذكر أنها تتوفر على جامع أكبر من جامع فاس وثلاث مدارس وحمامات وفنادق وأسواق منتظمة، فضلا عن شجاعة أهالي وكرمهم والذين منهم علماء واخيار وأثرياء وعن تعايش مع فئة يهود هم بحوالي خمسمائة دار بالمدينة، هم نشطون في صناعة اجود خمور البلاد. معرجا في اشاراته التاريخية ذات الطبيعة الاجتماعية والفكرية العمرانية، الى أن ملوك مدينة فاس من بني مرين طبعا عادة ما يعينون ثاني ابناءهم عليه، مشيرا أن المدينة تستحق أن تكون حاضرة المغرب لما يطبعها من مناخ جيد وطبيعة ومياه، بل من جملة ما أورده قوله أن ملوك بني مرين كانوا يقضون بها الصيف كله. هكذا اذن هي صورة تازة بعيون الحسن الوزان في مغرب العصر الوسيط، وهذا ما اثاره من اشارات حول مكانة المدينة كأنشطة وعلاقات وتفاعلات ومرافق مجتمع أطرتها متون حوالات حبسية بمعطيات هامة. تلك التي يسجل أن أول من انفتح عليها واستثمرها في عمله البحثي حول المدينة قبل أزيد من ثلاثة عقود، كان هو مبروك الصغير الذي أثث أطروحة نال بها شهادة دكتوراه بجامعة السربون، وأثث مؤلفا علميا بحوالي سبعمائة صفحة هو بقدر كبير من الأهمية التاريخية والاركيولوجية والترابية حول تازة، لعله لا يزال أعظم وثيقة تحتويها خزانة تازة التاريخية بل حلقة مرجعية علمية أهم وأفيد لكل باحث ودارس لحد الآن.
وكانت حوالات تازة الحبسية التي يعود اطلاعنا على جزء منها ولأول مرة الى أواسط تسعينات القرن الماضي، قد استحضرت المدينة ضمن مشاهد بيئية واجتماعية فضلا عن تجليات علائقية وتفاعلات معيشية وتعايشية، من خلال ما ورد فيها مثلا رغم صعوبة قراءة مضامينها لشدة تقادمها نجد ما ارتبط بدور علم وفكر وتربية من قبيل المدرسة المرينية (مدرسة المشور)، وما خص به السلطان أبي الحسن وابنه السعيد هذه المعلمة من التفات عبر أملاك بفاس وتازة تم تحبيسها عليها لضمان نشاطها ومهمتها، ومن الوثيقة الحبسية هذه يستشف ما كانت عليه هذه المدرسة مثلا من بناء وتوجيه ومحراب وموضع صلاة وعلاقة بأزقة مدينة وتواريخ ذات صلة واسماء سلاطين وغيرها. نفس الشيء ما ارتبط بوثيقة تحبيس تخص ضريح بن بري التازي امام القراء المغاربة، تضمنت اشارات هامة تخص شخصية فقهية تازية من حيث مؤلفاتها واهتماماتها ونبوغها فضلا عن تاريخ ولادة ووفاة. ناهيك عما جاء في حوالات تازة الحبسية زمن بني مرين، من اشارات توزعت على حاجات المدينة من ماء وسواقي في علاقة بدور عبادة وأمكنة وأكرية ومنتوجات ونظافة وذكر لدروب وغيرها، كلها مساحات من شأنها بلورة معطيات بحقيقة تاريخية نسبية طبعا. مع أهمية الاشارة الى أن رصيد تازة من وثائق تحبيس لا يقتصر على فترة العصر الوسيط، بل يمتد ليشمل ويستحضر ما طبع المدينة خلال زمنها الحديث من علاقات ومعاملات ومبادرات سلطانية وعناية بعمارتها الدينية، وبخاصة جامعها الأعظم وأثاثه الروحي وتقاليده من أنشطة قراءات حزبية ومجالس وغيرها، كذا من دعوة للتعاون وتجاوز النزاعات وتيسير حاجيات المدينة في علاقة بحيطها.
جدير بالاشارة ختاما الى أن المستشرقين هم أول من انتبه لأهمية الوثيقة الحبسية في تاريخ المغرب عموما وتاريخ مدنه العتيقة وفي مجال المعرفة التاريخية حول المجتمع المغربي، ومن هؤلاء نجد الفرنسيين من قبيل ألفريد بيل ولفي بروفنسال وجاك بيرك وغيرهم. مع ما يسجل حول تأخر انفتاح اعمال البحث التاريخي المغربية على هذا الوعاء الوثائقي الأصيل وبشكل خجول حتى نهاية سبعينات القرن الماضي، وعليه ما كانت هناك من قيمة مضافة وما يحسب لجهود من انفتح من الباحثين المغاربة على هذا التراث ومن خلاله على هذا الأرشيف، من قبيل الاستاذ عبد الله العروي ومحمد المنوني ومحمد بن شريفة غيرهم، الى حين ما ينبغي من وضع لأرشيف تازة الأصيل تحديدا حوالات المدينة الحبسية رهن اشارة الباحثين والمهتمين من خلال مؤسسة أرشيف المغرب إسوة بعدد من مدن البلاد العتيقة في مقدمتها فاس، والى حين أيضا ما ينبغي من جيل باحث جديد ومن ثمة من إغناء لمعرفة تاريخية مغربية ومن تراكم بقيمة مضافة خاصة.

عضو مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5