ads980-90 after header


الإشهار 1


بوجمعة العوفي : تُنْسَى كأنَّكَ لَمْ تَكُنْ … في رثاء الفقيد محمد العلوي الباهي

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

أخي وصديقي محمد، مساء السكينة الأبدية. أنتَ الآن في مرقدك الأخير وخارجَ تقويم الألم، حيث التراب السيّد وحدَه يحتضن جسدَك الطاهر الذي طالما ظلّ مُحَمَّلا بالتّعب والأمنيات. كيف لي أن أرثيك يا صديقي في بضع كلمات، واللغة المخنوقة نفسُها تكفكف دمعَها وتصبح عاجزة عن الوصول إليك؟ هكذا ترحَل باكرا أيها الرجل الطيب فيما يُعَمِّر الأشرار كثيرا؟ وإنْ كان لا مَرَدَّ لقضاء الله في رحيلك القاسي، ما دامت الحياة محكومة بالنهاية وبفاجعة الموت، وأننا نقبل بمصيرنا المحتوم منذ صرختنا الأولى حين نأتي إلى الحياة، فلا بُدَّ من أن أهمس في أذُنيك المولوعتين بهدير التاريخ وصدى المدينة التي ما زالت تردده أحجارها وأسوارها الخرساء، المشبَعة، حتى الثُّمالة، بأنين وخربشات وبول الحمقى والمجانين وعابري السبيل الذين لم يجدوا بالمدينة حتى مراحيض وأماكن خاصة لقضاء حاجتهم. هل تجمع المدينة ليلا أسوارها كي تكتُبَ سِيَر العابرين؟
وما دُمتَ قد عبَرتَ غيْرَ مُطمَئنٍّ طبعا على المدينة (تازة أو تازا التي رحلتَ وفي قلبك شيء من غصّتها) إلى الجهة الأخرى من اليقين، فلا حرج عليك بعدَ الآن يا صاحبي، ولستَ مُلزَما بتبرير أي شيء، لستَ مَدينا بشيء لأحد سوى لهذا القدر الهائل من محبة أصدقائك المخلصين الذين طالما آمنوا بحلمك وإصرارك على أن تجعل من تازة منارة ليس للوطن فحسْب، بل للعالم أجمع، مثلما تشهد على ذلك سيرتُك، لتحمِل المدينة على أكتافك كقطعة حجر ثقيلة وتضعها خارج غُبن التاريخ والجغرافيا على حد سواء. تماما كما فعَل من قبلك “سيزيف” الشّقي. لعلَّ تراب المدينة الآن يكون أرحم بجسدك المتعب من هؤلاء وأولئك الذين لا أفهم، حقيقة، لماذا ما زالوا يصرون على التغني أو التباهي على الآخرين فقط لأنهم ينتمون إلى تازة؟ ويصطفون في شكل كتائب حربية لينهشوا لحمَ من تجرأ على انتقاد المدينة لسبب من الأسباب، وكأنها “المدينة المقدسة” أو مدينة أفلاطون “الفاضلة” إن صح التعبير؟
أنتَ أحببتَ هذه المدينة حَدَّ الجنون أكثر منا جميعا من دون شك، لكن بطريقتك الخاصة والمميزة: كباحث صبور وناكر لذاته، رأى في تاريخها وأعلامها ما يستحق التقدير والانتباه، وليس انطلاقا من “شوفينية” خاصة تتعلق فقط بانتماء جغرافي لا يقدم ولا يؤخر في شيء بالنسبة للنهوض بالمدينة والذهاب بها إلى أبعد من غيرة بسيطة. على كل هؤلاء كذلك أن يغيّروا من درجة “غيرْتهم” على المدينة، وأن يهُبُّوا للتنديد العلني بكل أشكال الفساد الذي تعرفه المدينة. عدَا ذلك، لا قيمة لأي شيء، وستظل تازة كغيرها من المدن المنكوبة للهامش المغربي مرهونة بيد الأعيان وأصحاب المال والسياسة والعقار. أنتَ فقط ومعك القليل من رجالات تازة الأفذاذ والغيورين عليها، قَولاً وفِعْلاً، مَنْ يَحِقُّ لهم التّحدُّث باسم المدينة والانتساب إلى وجهها البهيّ، أيها “البَاهي” البَهيُّ اِسْماً على مُسَمّى.
تتداعى الآن دونَك، يا صاحبي، قِلاع المتكسّبين، وملامح كل سماسرة التراب والسياسة الذين لم ينصفوك حيّاً ومَيِّتاً، أولائك الذين فقدوا ماء وجوههم منذ أن قرروا ابتلاع المدينة وبيْع تاريخها وحاضِرها ومستقبلها في المزاد العلني. أنتَ الذي قضيتَ عُمْرا بأكمله في الدفاع عن تازة والتعريف بأعلامها ومَعالمها من خلال كتُب اقتَطعتَ تَكلُفةَ نشْرِها من راتِبكَ الزَّهيد وعلى حساب قُوتِ أُسرتك. لم تُنصِفكَ لا الوظيفة ولا المدينة ولا هذا الوهم الجميل (الكتابة والتأريخ لمدينة جاحدة تأكل أبناءها). هو الوهم الذي بقيتَ متمسكا به حتى آخر رمق من حياتك. ما تستحقه الآن، على الأقل، وأنت هناك عند صاحب الحق، أن تعترف بلدية تازة أو جماعتها بمجهودك وصبرك ومكابداتك وتضحياتك من أجل المدينة وأنتَ ميّتاً، ومعها مديرية وزارة الثقافة كذلك، وتعملَ على الاعتراف بما قدّمْتَه للمدينة وتُسَمّي واحداً من فضاءاتها الثقافية، على الأقل، باسمكَ العزيز كي لا تَظلَّ نَسْياً مَنْسِيا.
لترقُدْ روحكَ الطيبة في سكينتها الأبدية أيها العزيز. لا تَحزنْ لشيء ولا تشغل بالَك بشيء. ما عاد هنا في المدينة شيء يستحق العناء. لقد باعوا التراب والهواء وكل شيء. لم تعُد في مدينتك “الفاضلة” التي وهبْتها عُمرك وزهرةَ شبابك سوى القطط والكلاب التي تنبش أكياس القمامة المتراكمة في كل الأزقة والأحياء … لم تعُد هنا سوى تنويعات مُبتَكرة لمافيا العقار والسياسة. وفي النهاية “تُنْسى كأنّكَ لَمْ تَكُنْ” … قالها الشاعر العربي الكبير الراحل محمود درويش، حين أحَسَّ بمرارة الغياب وبالطبيعة المتأصلة فينا كبشر في التَّنَكُّر لأي شيء ونسيان كل شيء!


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5