ads980-90 after header


الإشهار 1


تازة : أضرحةِ صلحاء المدينة.. أمكنة وقباب وهيبة وطقوس عابرة للزمن ..

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

* عبد السلام انويكًة

لا شك أن ما حصل من التفات حديث صوب زمن تازة عموما، كان بأثر في إغناء مقروء ومن ثمة نصوص خزانة مدينة تاريخية إن في اطار ما أنجر ضمن أعمال بحثية ذات أهمية أو ما تحقق من اجتهاد واسهامات لمهتمين ناشطين وفاعلين. وبقدر ما كان ما تراكم بنوع من تباين مبحث وسؤال تاريخي تجاه منعطفات ومحطات ووقائع محلية ومكونات رمزية، بقدر ما استفاد من شروط معرفية داعمة فضلا عن نهج وجوانب جاذبة عدة. سياق كان موضع تثمين وتحفيز من قِبل مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث، من خلال دعوته لمزيد من العناية بتاريخ وتراث المدينة وفق ما ينبغي من طبيعة موضوع وموضوعية ومعايير نبش. وغير خاف أن من شأن مسلك بحثي بتطلعات كهذه أن يكون بأثر فيما يجب من اعتبار لحاضرة ضاربة في القدم، فضلا عن انتشالها مما يسجل حولها من نسيان واهمال، خاصة وأن تازة من مدن المغرب العتيقة التي تحفل بأحداث وتطورات كانت بصدى في زمنها وحينها منذ العصر الوسيط، ما لا نجده بما ينبغي من مقاربة وانصات شاف في ثنايا ما هو حديث من دراسات.
إن ما يطبع تازة من إرث مادي ولا مادي واسع على مستوى مجالها العتيق، يحيلنا جزء منه على مساحة مقدس وتمثلات شعبية، ذلك الذي بقدر ما يجمع بين رمزية جوامع ومساجد وزوايا وأضرحة صلحاء وفقهاء ومتصوفة وغيرهم، بقدر ما يدفع للسؤال حول تاريخ المدينة الثقافي الذي يخص ما هو ذهنيات وعقليات وشواهد وعي غرائبي واعتقاد وقناعات وغيرها. ولا شك أن ما يتقاسم روح هذه المدينة العتيقة ودروبها وأزقتها من أضرحة صلحاء على امتداد قرون من الزمن، هو ارث جمعي وذاكرة بخصوصية وهوية وذات محلية ثقافية في علاقة حاضر بماض وعلاقة خلف بسلف. مع أهمية الاشارة هنا لِما باتت عليه هذه الذاكرة الرمزية من عناية أبحاث ودراسات تاريخية وسسيولوجية وانتروبولوجية حديثة، ولِما بات ضمنها أيضا لأضرحة الصلحاء كمكون ثقافي من مرجعية ووظيفية لدرجة حضور موت في خدمة حياة كما يذكر الأستاذ عبد الأحد السبتي، ولدرجة كون التاريخ هو تاريخ معاصر في جميع الأحوال كما في فهم لوسيان فيبفر.
ويسجل أنه رغم ما هو عليه إرث تازة الرمزي الروحي من أهمية، وما يطبع هذا الوعاء من جذب وإغراء بنبش وجمع وتعريف واضافة وتحليل وابراز وتنوير، فهو لا يزال بنصوص في حكم النادر ودون ما ينبغي من إقبال دارسين وباحثين ومهتمين. لدرجة قد يجد الباحث والمهتم بالموضوع نفسه أمام فراغات وبياضات ومتاهات، من شدة ما هناك من غموض جوانب وجهل بمواقع وعناوين واسماء وتباين رواية فضلا عن تأويل وقراءات.
وغير خاف كما شأن عدد من مدن البلاد العتيقة حيث مساحات روحية حضارية عدة عالقة شاهدة هنا وهناك، أن ما تحضنه تازة من أضرحة صلحاء وعلماء وفقهاء ومتصوفة رغم ما هناك من تحولات مجتمعية وتدفقات قيم جديدة، لا يزال بمكانة وهيبة خاصة لدى الأهالي. وأن ما يرتبط بهذه الأضرحة من تقاليد وعادات، يكاد كائنها يتشابه في كل جهات وبوادي ومدن البلاد العتيقة طبعا، فضلا عما هناك من زيارات مؤثثة ودعاء ولمس وهبة وهدايا وغيرها، ناهيك عما يحصل من حين لآخر من احتفاء وقراءات قرآنية وذكر ومديح وسماع. بل من المفيد الاشارة لِما لا يزال يطبع بعض أضرحة تازة من ذبيحة، وما يتم من طواف عبر دروب وأزقة خلال عيد المولد النبوي مثلا لجمع تبرعات حفل وموسم واحتفاء. واذا كانت بلاد المشرق أرض أنبياء ورسل فإن المغرب بلد أولياء وصلحاء كما جاء في احدى اشارات بوول باسكون منذ عقود من الزمن، ولعل الحديث عن اضرحة صلحاء المغرب ومنها اضرحة صلحاء تازة، يقتضي حفرا اركيولوجيا فيما هناك من خريطة مفاهيم وسلوكات وتمثلات ذات صلة بعالم تصوف ومتصوفين.
وحتى لا يظل حديث مهتم وقارئ ومن ثمة باحث في شأن تازة التاريخي، سجين قضايا متحفية باتت بنوع اللازمة ان صح التعبير من شدة اعادة تدبير وتخمة، نعتقد أنه من المفيد توسيع تيمة ما هناك من ارث رمزي محلي هو بقدر كبير من تنوع وقيمة مضافة بالنسبة لراهن مدينة واشعاعها. وعليه، من شأن اطلالات على مكامن رمزية من ماضي تازة ليس فقط اغناء ما هو معرفة وتفكير تاريخي، انما ايضا إعادة نظر وتأمل في مداخل ومظاهر زمن المدينة وتجلياته الانسانية، من خلال ابراز ما هو دفين الى حد ما وعيا بما شهدته سبل الكتابة التاريخية ونهجها من تحول رافع خلال القرن الماضي مع مدرسة الحوليات مثلا، تلك التي جعلت أفق هذه الكتابة بنوع من العلاقة الوثيقة بالانسان عبر اثارة ما هو ذهنيات وعقليات نمط حياة ويوميات وغيرها.
إن التأمل في تاريخ تازة من اجل انسانية مكان وتشكلات أحوال وتحولات، ينتهي الى حقيقة بقدر كبير من الأهمية مفادها كون تجليات كل تأمل في سيرورة هذا التاريخ ما هو سوى شغف من أجل معرفة ذاتٍ، تلك التي هي ذات مكان وزمان وانسان في بعده الحسي وغير الحسي، بل في جوانب ملتبسة دفينة في أفق اعادة حياة لأشياء ما ومن ثمة للذات والنحن والآن. وعليه، لا شك أن اكتمال زمن انسانية انسان تازة رهين باكتمال سؤال خبايا محيط ووعي بأزمنة وتحول وسلطة ومكانة معالم. ولعل الحديث في هذا الاطار عن أضرحة صلحاء المدينة وأولياءها هو حديث عن زمن ماض يعمل الباحث على دراسته، انما هذا الماضي ليس أمرا ميتا بل حيا قائما في حاضر بمعنى من المعاني كما يرى” كولينغورد”، وتاريخ بهذا الايقاع في فهم فرنان بروديل هو الانسان والباقي لدرجة يرى معه هذا الأخير أن كل شيء هو تاريخ.
وليس الحديث عن موت من خلال اضرحة صلحاء وعلماء وفقهاء ومتصوفة حاضرة تازة أمر دون أهمية ولا جدوى كما قد يعتقد البعض، علما أن هذه المكونات عموما هي جزء من بناء واعتقادات شعبية وارث ثقافي جامع بين بيئة نفسية وسلوك وتقاليد وعادات، ومن هذه الأضرحة في وعي الأهالي الشعبي من تحضر معها كرامات وتقوى وورع وطاعة، ومنها من ازدادت مكانتها وسلطتها الرمزية مع الزمن من خلال ما نُسج حولها من صورة ذهنية في مشترك جمعي، ما تمت المحافظة عليه من جيل لآخر عبر ما هناك من بنية ممتدة وتلاقح واحتفاء. باعتباره تراثا لا ماديا جامع بين تصورات وسلوكات وتعبير ومعرفة وتفاعلات وغيرها، تلك التي تعتبرها الجماعات البشرية وأحيانا منها الفرد جزءا من تراثه الثقافي. وغني عن الاشارة أن الإرث المتوارث بين الأجيال خاضع بشكل مستمر للإضافة بهذا السبيل أو ذاك وفق ما ينسجم مع بيئة وتفاعل وطبيعة تاريخ شعوب، فضلا عما له من أهمية على مستوى انماء الشعور بهوية ما وخصوصية ما.
ولعل أضرحة صلحاء تازة الشامخة والمنتصبة هنا وهناك داخل مجال المدينة العتيق وعلى جنبات اسوارها التاريخية المحيطة، هي تراث رمزي ثقافي في أبعاده وتجلياته الانسانية كذا موارد زمن بحاجة لحماية وعناية عوض ما يسجل أمام الأعين من لا مبالاة واهمال لافت للنظر، مثل حال ما هو عليه على سبيل الذكر ضريح سيدي عيسى الذي كان الى عهد قريب بدور تربوي مثله مثل عدد من اضرحة صلحاء المدينة التي كانت كتاتيب قرآنية بدور تنشئة، فضلا عما كان يرتبط بها من احتفاء رمزي ووعاء جمعي تواصلي من حين للآخر، بل من شأن مشاهد هذه الأضرحة التي تؤثث واقع تصنيف تازة كتراث وطني، أن تكون مجالا لاستثمار ما في القادم من الزمن على مدى متوسط وبعيد وفق ما ورد من حديث واشارات مؤتمرات دولية عدة بمحاور ذات صلة بالموضوع. مع أهمية الاشارة الى أن أضرحة صلحاء تازة بقدر ما هي بجدور وامتدادات، بقدر ما تتجاوز كونها مجرد أمكنة وقباب وعمارة وطقوس عابرة للزمن، صوب ما هو ذاكرة معينة ذات صلة ببنيات ثقافية ومخيال محلي وأحداث وغيرها. علما أن المدينة لا تزال بحاجة لدراسات محلية رافعة بمساحة تفاصيل تخص أولياء وصلحاء المدينة، ومن خلالهم أضرحتهم كمشاهد اتنوغرافية وما ارتبط بها عبر الزمن ولا يزال من وعي وزيارات وغرائبية وحساسية روحية شعبية. يذكر أن من أضرحة صلحاء وأولياء ومتصوفة تازة نجد ضريح سيدي علي بن بري اما القراء المغاربة زمن العصر الوسيط، وضريح سيدي بن عطية وضريح سيدي بلفتوح وضريح سيدي مصبح وضريح سيدي امحمد بن الجبش وضريح سيدي بوقنادل وضريح سيدي علي الجبار وضريح سيدي عزوز وضريح سيدي علي الدرار وضريح سيدي عبد الله الدرعي وضريح سيدي عبد الله وضريح سيدي عبد الله بودربالة وضريح سيدي واضح وضريح سيدي محمد بلحاج، وغيرهم كثير ضمن شتات مقابر وأضرحة هنا وهناك، داخل فضاء المدينة العتيق وجوارها في تماس ما أسوارها التاريخية المحيطة.
واذا كانت أضرحة صلحاء تازة عموما تعكس تصوف المدينة عبر الزمن، فإن القاء نظرة خاطفة على مجالها ونسيجها العتيق يظهر معه ما لأضرحة متصوفة مؤثثة لكيان وهوية أزقة ودروب وساحات، من روح ممتدة وهيبة ومكانة رمزية خاصة محفوظة لدى الأهالي. أضرحة صلحاء هي بدفئ اسطوري في قاموس متخيل شعبي تحضر فيه ب “شايْ الله آرِجال لبلاد”، وبما هي هناك من عون وكرامة وبركة وشفاء وأمن وضمان. ولعل علاقة أهل تازة بأضرحة صلحاءها وعلماءها ومتصوفتها، تدخل ضمن إرث ثقافي وعادات محلية شعبية معبرة عن وجدان جمعي، وهو ما سنعود اليه من خلال أوراق قادمة بحول الله تعالى، لتسليط بعض الضوء على بعض نماذج أضرحة المدينة ومن ثمة على ما هناك من انتروبولوجيا اعتقاد وتدين ومقدس شعبي.

مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5