ads980-90 after header


الإشهار 1


تازة : ضريح سيدي عيسى إهمال وبؤس حال وحنين ماض ..

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

* عبد السلام انويكًة

إن ما كانت عليه تازة من اشعاع فكري صوفي عبر الزمن على الاقل منذ العصر الوسيط، تراث واسع ، ومن ثمة من أضرحة صلحاء وفقهاء ومتصوفة يجعل كيان ومشهد مجالها العتيق بدون معنى في غياب أضرحة متصوفيها وفقهاءها وعلماءها ومن ثمة أولياءها الصالحين في مخيال ووجدان الأهالي الشعبي والهوياتي معا، وأتذكر أنه باستثناء ما أثير من نقاش نبيل تاريخي على محدوديته حول وعاء أضرحة تازة ومشهدها كتراث محلي جدير بالعناية، كان ذلك في موعد علمي غير مسبوق لعله الأول والأخير قبل حوالي ربع قرن، ويتعلق الأمر بالملتقى الأول للمدينة العتيقة بتازة وكان قد حمل شعارا طموحا ” تازة تراث حضارة ومعمار” لجمعية انقاذ المدينة العتيقة، تلك التي كانت تؤثث الفعل الجمعوي الرصين بالمدينة آنذاك.
وكان هذا الموعد العلمي التراثي الترابي حول سؤال انقاذ تراث تازة المادي واللامادي، قد توزع على ثلاث محاور جوهرية في علاقتها بهذا الإشكال، أولا قضية المدينة العتيقة تازة كإرث حضاري، ثانيا مسألة اندماج وادماج المجال العتيق لتازة ضمن تراب المدينة الحضري العام ثم أخيرا قضية استراتيجية وآليات وسبل التدخل لإنقاذ هذا الوعاء العتيق كذخيرة انسانية في شمولته. ولعل بقدر تعدد مداخلات وتنوع مقاربات باحثين متدخلين ممن أثث هذا الملتقى في نسخته الأولى والأخيرة مع الأسف، بقدر ما حصل من تشخيص لواقع حال مدينة عتيقة وحديث عن تجارب وسبل انقاذ في علاقتها باكراهات معطى عقاري، ومعه واقع وخصوصية معالم أثرية بطبع انساني خاص، تجمع بين جوامح ومدارس ودروب ومرافق عامة وزوايا وأضرحة وغيرها مما تزخر به تازة العتيقة.
ملتقى تازة الأول حول المدينة العتيقة هذا الذي من المفيد جداً احياءه، انتهى بنقاشات وطروحات بقدر عال من الأهمية آنذاك، لم تغب عنها ما يخص أهمية العناية بالرصيد التراثي المحلي الرمزي الثقافي الأصيل، كما الحال بالنسبة لرمزية ما تحتويه المدينة من أضرحة صلحاء وأولياء ومتصوفة ومزارات زوايا هنا وهناك، تلك التي تعكس ما تعكس من هوية محلية وطبيعة انتماء ثقافي روحي ووجدان شعبي في جميع الأحول كذاكرة ومشترك جمعي. وغير خاف ما يرتبط بهذه المكونات الرمزية الثقافية التراثية من انسانية انسان وقيم حياة وتعاون وتآزر وتعايش ووسطية…،
إن ما تحتويه تازة من مشاهد امتداد تراث رمزي ووجود فكري ومن أضرحة فقهاء متصوفة كانوا بما كانوا عليه من صدى واشعاع وتفاعل في الماضي، يقتضي صيانة وحماية عرفانا لِما كان عليه متصوفة وفقهاء وعلماء وصلحاء هذه المدينة عبر الأزمنة، وعرفانا لهم بما كانوا عليه من نشر فكر وثقافة وإشاعة قيم إنسانية بنوع من الكونية، تلك التي جعلت المغرب بما هو عليه الآن من خصوصيته وانفتاح ومكانة حضارية بين دول العالم. فأضرحة صلحاء ومتصوفة تازة العتيقة وهذه المشاهد الروحية الرمزية المرتبطة بها والمنتصبة والشامخة هنا وهناك، هي أرشيف مادي حي يترجم اسهامات ومجد من تميز من رجالات تازة بالأمس ومن ثمة المغرب، ليس فقط في مجال التصوف والصوفية انما ايضا في مجال الأدب التاريخ والفكر والفقه والعلوم والقراءات وغيرها. اسهامات تستحق ما ينبغي من توثيق وبحث ودراسة وابراز وعناية بأضرحة هؤلاء، عوض ما يشاهد من اهمال ولا مبالاة ومناظر مقززة تخصها. علما أن تراث تازة الفكري العلمي الحضاري يعود في امتداداته الى زمن العصر الوسيط، ما يجعل هذه الحاضرة بمكانة خاصة في خريطة الارث الثقافي المغربي الأصيل عموما من خلال عشرات الأعلام والفقهاء والمتصوفة.
إن اضرحة صلحاء تازة جزء من ذات المدينة تلك التي هي تراث وطني، وهي ايضا جزء من ثقافة تلاقح بين الأجيال وآلية هوية محلية ووطنية، من المفيد أن تكون بوعي وتدخل خاص من قبل الجميع كل من موقعه وكما يفال من لا تاريخ ولا تراث له لا حاضر ولا مستقبل له. وعليه من المفيد فضلا عن انقاذ هذا الارث المادي واللامادي، الانفتاح أكثر على سبل ادماج تراث المدينة الرمزي هذا في التنمية المحلية، وعندما نتحدث عن تراث تازة فهو في شموليته بما في ذلك أضرحة صلحاء وعلماء ومتصوفة تازة، وما تستحقه كمكونات هوياتية من تقدير واعتبار وحرمة، عوض ما يلاحظ من خراب وعبث واهمال، ولعل صورة وواقع ضريح سيدي عيسى ومقبرته تغني عن أي وصف وتعبير، وشتان بين حال واحوال ورمزية ضريح هذا الولي الصالح قبل أزيد من قرن من الزمن، وما هو عليه الآن من وضع يدعو للشفقة لِما آلت اليه معالم المدينة الأثرية وأحوال اوليائها الصالحين.
جدير بالاشارة الى أن ممن ينبغي أن يكون بدور وأثر في حماية تراث المدينة عموما، هناك المجتمع المدني الذي لا شك أن من شأن وجود ووقع رصين له أن يكون بقدر معين داعم في انجاح ورش حماية ذخيرة تراث، فضلا عن تشارك وترافع بقدرة اقتراحية هادفة متبصرة واستشرافية لجعله ضمن هاجس فكر وتدبير وقناعة تنمية محلية تأخذ بعين العناية صالح مدينة وصالح بلاد وعباد.

مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5