جديد الأخبار

ads980-90 after header


الإشهار 1


بوجمعة العوفي يكتب: حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم، حين تتحوّل الفرجة إلى استدعاء للذاكرة (قراءة سيميائية ودلالية)

الإشهار 2

www.alhadattv.ma

بوجمعة العوفي– شاعر وناقد فني مغربي

لم يكن حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم في المركب الرياضي (الأمير مولاي عبد الله بالرباط – 21 دجنبر 2025)، مجرد استعراض فني يسبق مباراة في كرة القدم، بل بدا منذ لحظاته الأولى كفعل ذاكرة جماعية يُعاد تشكيلها أمام جمهور واسع، داخل الملعب وخارجه. ما جرى فوق أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله كان أقرب إلى كتابة بصرية–صوتية لهوية تريد أن تُرى وتُسمَع كما هي: متعددة، عميقة، ومتصالحة مع جذورها. كل حركة، كل صوت، وكل إيقاع بدا وكأنه يشتغل على استحضار ما هو أبعد من اللحظة الاحتفالية العابرة، ليؤسس لحضور رمزي يتجاوز زمن المباراة إلى زمن الثقافة.
الموسيقى: حين يتكلم الصوت باسم الأرض:
اختيار إدماج موال موسيقي أمازيغي في قلب الحفل لم يكن تفصيلاً فنياً عابراً، بل لحظة اعتراف رمزي قوي، حيث خرج الصوت من الهامش إلى المركز، ومن الخلفية إلى الواجهة. هذا الموال، بنبرته الشجية وامتداده الزمني البطيء، خلق لحظة إنصات جماعي داخل فضاء اعتاد الصخب، وكأنه يذكّر بأن لهذه الأرض صوتا قديماً لا يزال حيّا. هنا لم تُقدَّم الأمازيغية كعنصر تراثي جامد، بل كروح تسكن الموسيقى الحديثة، وتمنحها عمقًا وشرعية وجدانية. الصوت بدا وكأنه يأتي من الجبال والقرى والذاكرة الشفوية، ليعلن أن هذه الثقافة ليست ماضيا منتهيا، بل حاضرا قادرا على التفاعل مع العالم.
استدعاء الروح الغيوانية، الصوت الذي لا يشيخ:
في الخلفية الرمزية لهذا البناء الموسيقي، حضرت روح مجموعة ناس الغيوان، ليس عبر الأداء المباشر، بل عبر الإحالة الوجدانية إلى أحد أكثر الأصوات المغربية التصاقا بالوجدان الجماعي المغربي. إن مقطعا مثل:
“الله يا مولانا…”لا يُسمَع هنا كجملة غنائية فقط، بل كنداء جماعي يحمل في داخله تاريخا من الأسئلة والقلق والأمل. هذا الصوت، حين يُستحضر ضمنيا في حفل قاري، يعيد الفن إلى وظيفته الأصلية: أن يكون لغة الناس البسطاء، وصوت الجماعة في مواجهة المصير. إنّ الإحالة الغيوانيةهنا تضيف للحفل بعدا روحياً وإنسانيا، وتؤكد أن الفرح المغربي لا ينفصل عن التأمل وعن تراثه الثقافي، وأن الاحتفال لا يلغي الوعي، بل يمرّ عبره بشكل أساس.
اللوحات الفنية، الجسد وهو يروي أكثر من حكاية:
الأجساد التي تحرّكت فوق أرضية الملعب لم تكن تؤدي رقصات معزولة عن المعنى، بل كانت تروي حكاية جماعية بلغة الحركة. من حيث التناسق بين الراقصين، وتداخل الإيقاعات، وانتقال الجسد من الفردي إلى الجماعي، كلها عناصر صنعت صورة بصرية عن المغرب وتاريخه العريق وعن القارة الإفريقية كما يريدها الحفل أن تُرى: متنوعة، نابضة، ومتحدة في اختلافها. الجسد هنا لا يُقدَّم كزينة، بل كحامل للذاكرة، وكأداة للتعبير عن الفرح والعمل والاحتفال والحياة اليومية. كل حركة كانت تُحيل إلى طقس، وكل قفزة إلى احتفال قديم يتجدّد.
الفضاء والضوء، حين يصبح الملعب مسرحًا للهوية:
تحوّل الملعب إلى فضاء رمزي مفتوح، حيث لم يعد الجمهور مجرد متفرج، بل جزءا من المشهد. الإضاءة، بألوانها الدافئة والمبهرة، أعادت تشكيل المكان ليصبح أقرب إلى فضاء احتفالي كوني، تتقاطع فيه الأرض بالسماء، والقديم بالحديث. استحضرتِ الألوان الترابية والذهبية معنى الجذور والخصوبة والاستمرارية، بينما الحركة الدائرية والتعبيرية لأجساد العارضين خلقت إحساسا بالاحتواء، وكأن الجميع داخل دائرة واحدة، بلا مركز ولا هامش. هنا يصبح الفضاء نفسه رسالة: لا أحد خارج الحكاية.
الحفل كرسالة مفتوحة إلى إفريقيا والعالم:
كان حفل الافتتاح في عمقه، رسالة ناعمة ومباشرة في آن واحد. رسالة تقول إن المغرب، وهو يحتضن القارة، لا يفعل ذلك من موقع الاستعراض، بل من موقع الانتماء. إدماج الأمازيغية، واستدعاء الذاكرة الغيوانية، والاحتفاء بالجسد الإفريقي، كلها عناصر تُعيد تعريف صورة البلد المنظم: بلد لا يخجل من تعدده، ولا يفصل بين حداثته وجذوره الضاربة في عمق الحضارة والتاريخ، ولا يرى في الثقافة مجرد زينة للحدث الرياضي، بل قلبه النابض. في آخر المطاف.
حين يصَبح الاحتفال فعلاً ثقافيا:
هكذا، تجاوز حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم وظيفته الاحتفالية، ليصبح لحظة ثقافية كثيفة الدلالة. لحظة تُثبت أن الموسيقى قادرة على قول ما تعجز عنه الخُطب، وأنّ الجسد يستطيع أن يروي تاريخا كاملاً دون كلمات، وأن الهوية حين تُقدَّم بصدق، تتحول من شعار إلى تجربة يعيشها الجميع. في هذا الحفل، لم نكن أمام فرجة فقط، بل أمام ذاكرة تتحرك، وصوتٍ يقول، بلغة الفن: نحن هنا، بجذورنا كلها، ونحتفل معكم بتظاهرة رياضية لها أكثر من هدف ومعنى.
وبذلك، لا يُمكن النظر إلى حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم باعتباره مجرد استهلال احتفالي لمنافسة رياضية، بل بوصفه خطابا ثقافيًا مركبا تتداخل فيه العلامات البصرية، والإشارات السمعية، والرموز الجسدية، لتشكيل سردية هوياتية موجهة إلى الداخل الوطني وإلى الخارج الإفريقي والدولي. إن الحفل، بهذا المعنى،
ثم حين يتحول حفل الافتتاح إلى نص سيميائي متعدد الطبقات، حيث تُعاد صياغة الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية في لغة استعراضية معاصرة، تستثمر الموسيقى، الجسد، الضوء، والحركة. فإنّ القيمة الكبرى للحفل لا تكمن في كل عنصر على حدة، بل في تضافرها السيميائي. فالموال الأمازيغي، والنغمة الغيوانية، حين تتقاطع مع اللوحات الراقصة والإضاءة البصرية، تُنتج معنى مركبا مفاده أن الهوية ليست خطابًا لغويا فقط، بل تجربة حسية كاملة.هذا التضافر يحوّل الحفل إلى نص مفتوح، يسمح بتعدد القراءات، لكنه يظل موجها برسالة واضحة:هنا يقدم المغرب يقدّم بوصفه فضاءً ثقافيا متعدّدا، إفريقي الانتماء، أمازيغي الجذور، ومنفتحا على الكونية.
في النهاية، وإذا ما أردنا التركيز على العناصر الموسيقية المدمَجة في الحفل، وخصوصا الموال الأمازيغي تماويت الأسطورة (إيطوتمهاوشت)والبصمة الغيوانية، (وهذا ما أثارني وأعجَبني فعلا في الحفل)، فيمكن سيميائيا، تفكيك حضور هذه العناصر الموسيقية المغربية الأصيلة عبر ثلاث طبقات:
• الطبقة الجذرية (Archéologique):
يستدعي الصوت الأمازيغي عمقا تاريخيا سابقًا على الدولة الحديثة، ويُحيل إلى زمن ثقافي طويل (Longue durée)، حيث الأمازيغية ليست لغة فقط، بل نظام وجود وعلاقة بالأرض والذاكرة.
• الطبقة الرمزية (Symbolique):
يُقدَّم الموال الأمازيغي (عيّاطات الأطلس) منفردا نسبيا، بنبرة شجية وتأملية، ما يجعله علامة على الإنصات بدل الاستهلاك، وعلى الروح بدل الاستعراض. هنا يتحول الصوت إلى استعارة للهوية بوصفها وجدانًا لا شعارًا.
• الطبقة التداولية (Pragmatique):
إدماج الأمازيغية داخل حدث قاري يُبث عالميا بكونه فعلَ اعتراف علني بأن التعدد اللغوي والثقافي جزء من سردية الدولة الحديثة، وليس عنصرا فولكلوريا مؤقتا.
أما بالنسبة لاستدعاء مقطع من أغنية شهيرة لمجموعة(ناس الغيوان– الله يا مولانا)،وحتى وإن لم تُؤدَّ الأغنية كاملة، فإن استدعاء روحها، أو الإحالة إليها سيميائيا، فذلك يعمل علىاستحضار أحد أهم المنعطفات الرمزية في الذاكرة الموسيقية المغربية، وبذلك يمكننا إخضاع هذا المقطع القصير للاشتغال الدلالي والتأويل السيميائي على النحو التالي:
يكون الدال (Signifiant) بمثابة نداء مباشر، بسيط، وجماعي. فيما يشكل المدلول (Signifié) الشكوى، التضرّع، والسؤال الوجودي. أما بالنسبة للأفق الرمزي، فتصبحالجماعة في مواجهة المصيرفي سياقالحفل، إذ تُقرأ هذه الإحالة الغيوانية بوصفهاتثبيتا لفكرة أن الثقافة المغربية، حتى في لحظات الاحتفال، لا تنفصل عن الوعي الاجتماعي والبعد الروحي. إضافة إلى أنّ (ناس الغيوان) يمثلون علامة على الجماعة، مقابل النجم الفرد، وعلى الصوت الجماعي مقابل الأداء الاستعراضي الخالص.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5