إعادة انتخاب دونالد ترامب:أي دلالات ؟

www.alhadattv.ma

ياسين المصلوحي

لم تكن استطلاعات الرأي تشير أبداً إلى إمكانية فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، بل على العكس، فإن دعم الحزب الجمهوري لكمالا هاريس كان ينذر بفوز ساحق لهذه الأخيرة على ترامب. إلا أن نتائج فرز الأصوات قلبت كل التوقعات، وهو تكرار لما حدث سنة 2016 حينما فاز ترامب على هيلاري كلينتون، التي كانت مسلحة بسمعتها وسمعة زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون. إلا أن ذلك لم يشفع لها حينذاك لتكون سيدة البيت الأبيض.
إن فوز ترامب بولاية جديدة لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية يحمل بين طياته عدة دلالات. فعدا كونها المرة الأولى تاريخياً التي يفوز فيها رئيس أمريكي بولاية ثانية، لكن ليس على التوالي حيث فصلت بينهما فترة رئاسية مختلفة ومن حزب مختلف، كما أن فوزه هذه المرة كان كاسحاً، نظراً لفوزه بأغلبية المجمع الانتخابي وكذلك التصويت الشعبي. فإن فوز ترامب يعكس على المستوى الداخلي تحولاً في البنية السياسية، التي أصبحت تعطي مجالاً أكبر لتوسع الشعبوية وتقويتها أكثر فأكثر، وانتشار خطابها المبني على القومية الأمريكية، ومواجهة التدخل الخارجي، وحماية الاقتصاد المحلي، إضافة إلى بروز الانقسام السياسي. فرغم الجدل الذي رافق ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى وبعدها، إلا أنه قرر إعادة الترشح، وإعطاء هذا الجدل زخماً سياسياً جديداً، أطفى إلى السطح مجدداً نقاشاً بين مؤيديه الذين يرون فيه ضحية للدولة العميقة، ومعارضيه الذين يرون فيه تكريساً للبراغماتية وتهديداً للديمقراطية.
لم يكن خفياً موقف ترامب المتشنج مع المؤسسات الحكومية، خصوصاً التقليدية التي كان دائماً في اصطدام معها. وبالتالي، عودة ترامب ستعيد هذا التصادم إلى الواجهة، حيث يسعى إلى التخفيف من هيمنة بعض المؤسسات الحكومية على معالجة بعض القضايا المهمة والحيوية في الدولة الأمريكية.
على مستوى القومية والنزعة الدينية، يوصف ترامب بأنه مساند للتيار المسيحي المحافظ. وبالتالي، إعادة انتخابه انتصار من المجتمع الأمريكي لميولاته في تعزيز مؤسسة العائلة التقليدية، وحماية القيم المسيحية، والتشبث بالقيم والهويات الوطنية.
على المستوى الخارجي، فوز ترامب يخلف تبايناً على الساحة الدولية بين جهات غير مرحبة بعودته لعدة أسباب، أهمها سوابقه في الانعزال الدولي عبر انسحاب أمريكا من بعض الاتفاقيات الدولية المهمة، وما له من تأثير على قوة هذه الاتفاقيات وإلزاميتها، وكذلك حروبه التجارية التي خاضها مع الصين وبعض القوى الاقتصادية الأخرى.
بينما الجهات المرحبة بعودة ترامب إلى البيت الأبيض تستدل على ذلك بأول قرار اتخذه عقب فوزه في الانتخابات، الذي يفرض من خلاله على إسرائيل أن تجلس لمفاوضة حركة حماس، وإيقاف الحرب في غزة، وهو قرار إنساني وسياسي إيجابي، بغض النظر عن دوافعه أو حيثياته، وهو ما تحقق فعلاً بأبرام اتفاقية وقف إطلاق النار بين الطرفين. زد على ذلك تلميحاته بخصوص الحرب الروسية الأوكرانية التي يسعى إلى إخماد فتيل الحرب، رغم صعوبة ذلك في وجود لوبي الأسلحة المستفيد من بيع الأسلحة والعتاد العسكري، وكذلك لوبي النفط المستفيد من هذا الصراع.
بخصوص المملكة المغربية، فإن عودة ترامب تلقتها معظم الأوساط السياسية بارتياح كبير، بسبب الدينامية الدبلوماسية الكبيرة التي طبعت فترته الرئاسية الأولى، خصوصاً في ملف قضية الوحدة الترابية، التي يطمح لاستكمالها عبر تفعيل القنصلية الأمريكية في الداخلة، ودعم استثمارات وكالة التنمية الأمريكية في إفريقيا الغربية التي سيستفيد منها المغرب بشكل أو بآخر. إضافة إلى تقوية التعاون العسكري والاستخباراتي بين الدولتين.
إن تواجد ترامب في الساحة السياسية لم يغِب، رغم هزيمته في الانتخابات السابقة أمام جو بايدن، بل إنه استمر في خلق نقاش سياسي محلي ودولي عبر عدة مناسبات. وما إعادة انتخابه إلا دليل على بقائه في الواجهة السياسية، ودليل قاطع على التحولات السياسية في المجتمع الأمريكي وتأثره بالتيارات الفكرية المعاصرة المبنية على أفكار تقليدية محافظة. كما أنه يعطي دروساً في الديمقراطية وضرورة احترام اختيارات الشعوب، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، كل حسب زاوية نظره.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر