قارون بتازة… قرية على حدود الجهات وأعماق التاريخ تبحث عن حقها في الحياة

www.alhadattv.ma

      لبريكي محمد

 

تقف قارون، التابعة لجماعة تيزي وسلي بدائرة أكنول إقليم تازة، كنقطة جغرافية نادرة في المغرب، فهي تتوسط ثلاث أقاليم: تازة، الدريوش، وكرسيف، وتجاور خمس جماعات ترابية هي: تيزي وسلي، أكزناية الجنوبية، اجبارنة، عين زورة، ومزكيتام. وتوجد على خط التماس بين جهة فاس–مكناس و جهة الشرق، ما يجعلها منطقة استراتيجية بامتياز، مؤهلة لتكون صلة وصل بين جبال الريف وعمق السهول الشرقية.
ورغم غناها الطبيعي والسياحي، وامتداد غطائها الغابوي الساحر، فإن قارون تعيش واقعاً صادماً من التهميش وغياب العدالة المجالية. هي منطقة بجبالها الشامخة ومسالكها التاريخية ومساحاتها الغابوية الواسعة، لكن أبناءها يعيشون اليوم صراع البقاء في غياب أبسط مقومات العيش الكريم.
قارون… تاريخ المقاومة الذي لا يُنصفه الحاضر
تحمل قارون جذوراً عميقة في ذاكرة المقاومة بالريف الشرقي، وكانت عبر التاريخ ممراً ومركزاً لجوء المقاومين خلال معارك التحرير. كبار السن يؤكدون أن المنطقة استقبلت مقاومين مرّوا نحو الريف، وأن تأثير حركة الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي بلغ كل القبائل والقرى المحيطة بقارون. كانت هذه الأرض نقطة تماس بين الريف الشرقي ومسالك تازة، وفضاءً آمناً للمقاومين ومحطة إمداد لوجستي في سنوات المواجهة مع الاستعمار. وما جبال ، بوسكور وتاشوشث وثاميوط الا شاهدا على ذالك
ورغم هذه القيمة التاريخية، فإن قارون اليوم لا تجد مكانها داخل برامج التنمية، وكأن تاريخها لا يشفع لها عند من يتخذون القرار.
واقع تنموي مؤلم… منطقة تعيش خارج الزمن
في منطقة بهذه الأهمية الجغرافية والرمزية، يتوقع المرء وجود طرق مهيئة، ومدارس محترمة، وكهرباء وماء صالح للشرب، وخدمات أساسية تضمن حياة كريمة. لكن الواقع مختلف تماماً:
انعدام الربط بالكهرباء رغم استفادة دواوير قريبة مثل أولاد موسى بن زيان ومرج الدجاج.
غياب الماء الصالح للشرب بشكل كامل عن دوار قارون.
غياب الطريق الصالحة للمرور خاصة عبر مسلك ويزغت، مما يعزل الدوار ويعقّد حياة السكان.
ضعف الخدمات وغياب أي تصور لإحداث بنية تحتية..
غياب المدرسة كان يدفع الأطفال إلى قطع مسافات طويلة أو مغادرة الدراسة.
هذه الأوضاع دفعت معظم أبناء قارون إلى الهجرة، فيما بقي القليل منهم يصارعون واقع الإقصاء والتهميش.
مشروع اللوز… حلم أُجهض بالإهمال
حين تمت المصادقة على مشروع غرس أشجار اللوز بدوار قارون، تنفس أبناء الدوار الصعداء، إذ رأوا فيه بارقة أمل تعيد الحياة إلى الأرض وتفتح أبواب العودة والاستثمار. بالفعل بدأ كثيرون في إصلاح منازل الآباء والأجداد، وتأهيل المسجد، والعودة التدريجية إلى أراضيهم.
لكن سرعان ما اصطدموا بواقع مرّ:
فشل المشروع بسبب غياب المراقبة والتتبع من طرف مديرية الفلاحة بتازة.
تقديم شكايات متعددة دون أي تفاعل.
توقف الأشجار عن النمو بسبب غياب الماء وضعف التتبع.
وبذلك ضاع الأمل الوحيد الذي كان يمكن أن يعيد الحياة إلى المنطقة ويخلق فرص الشغل.
قارون… ليست أرضاً منسية بل أرض تُستغل فقط وقت القنص
ورغم كل هذا التجاهل، يتذكر بعض المسؤولين قارون فقط في مواسم القنص، حيث تتحول أراضي الخواص إلى “ملاذ للترفيه”، بينما أصحاب الأرض يعانون من انعدام الماء والكهرباء والطريق. هذه المفارقة القاسية تلخص حجم الاختلالات التي تعيشها المنطقة.
نداء أبناء قارون: نريد العيش بكرامة
اليوم، يرفع أبناء دوار قارون صوتهم عالياً:
“لسنا منطقة هامشية… نحن أبناء تاريخ عظيم، وجزء من هذا الوطن، ونستحق العيش الكريم.”
إن إنصاف قارون ليس مجرد استجابة لمطالب اجتماعية، بل هو واجب وطني وأخلاقي تجاه منطقة لطالما شكلت صلة وصل بين الريف والشرق وتازة، وتاريخاً حقيقياً للمقاومة.
قارون اليوم تحتاج إلى:
ربط فوري بالكهرباء ، تزويد بالماء الصالح للشرب ،إصلاح الطريق وفتح المسالك ،مراجعة مشروع اللوز والتدخل لإحيائه ،إدماج المنطقة في برامج التنمية ومحاربة الهشاشة قبل أن يرحل آخر من يسكن ترابها، وقبل أن تُمحى ذاكرة مكان قاوم واحتضن التاريخ،
.يستحق اليوم أن يعيش… لا أن يُترك للنسيان.

 

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر