حينما أهدت البرتغال مدينة طنجة للإنجليزنظير زواج تشارلز الثاني من أميرة برتغالية

www.alhadattv.ma

*عبد الإله بسكمار  

دون أدني شك، فإن التاريخ العلائقي يعد مفصلا بحثيا أساسيا ليس على مستوى إشكاليات وقضايا التاريخ العام فحسب، بل أيضا يعد في صلب الملفات الديبلوماسية للدول، بمختلف توجهاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، التاريخ العلائقي مجال إشكاليات مركزية وهامة، إلى جانب مجالات أخرى تصب في جوهر السؤال التاريخي، كالبحث المونوغرافي والتحقيق وغيرهما، ولعل إشكالات تاريخية تخص العلاقات المغربية العثمانية، على سبيل المثال، أو المغربية الإفريقية أو المغربية الإسبانية أوالعلاقات المغربية الأمريكية والأمريكية الجنوبية، باعتماد على الأرشيفين المغربي والأجنبي، أن تكون روافد هامة في السياسة الخارجية ( تتفاعل مع نظيرتها الداخلية كما هو معروف ) لكل الدول والتجمعات البشرية على الأقل منذ تأسيس الدولة الحديثة بمؤسساتها المعلومة .

يمكن للتاريخ العلائقي في أفق تجاوز ما هو حدثي ذي صبعة وقائعية محضة، أن يشكل إضافات أساسية ليس على مستوى الدراسات الأكاديمية أو البحوث ذات الطابع العام فحسب بل أيضا، هو يرفد ما يمكن تسميته بالديبلوماسية الثقافية على وجه العموم، فالتاريخ العلائقي يعكس ويظهر نقاط قوة وضعف الدول وطبيعة العلاقات فيما بينها، ومصالح الطرفين أو الأطراف معا، وما يجنيه كل طرف من الاتفاقيات والمعاهدات المتنوعة والسفارات والبعثات الديبلوماسية وأشكال العلاقات الأخرى، انطلاقا من الشروط الداخلية والخارجية، الذاتية والموضوعية وقبل هذا وبعده، ما تحدده موازين القوى بين هذا الطرف أو ذاك، ولا سيما حين نتناول تاريخية العلاقات بين اصطلح عليه بالدول ” الكبرى ” وتلك التي ما زالت تتخبط في إرث الاستعمار ومشاكل التخلف بشكل عام .

تميزت العلاقات المغربية الإنجليزية بسمات خاصة، تتداخل ضمنها الأبعاد التجارية / الاقتصادية والسياسية ثم الثقافية إلى حد ما، وتعود أصولها إلى العصر الموحدي ففي سنة 609 هــ / 1213 م أرسل الملك جون والذي حكم بريطانيا من 1167 إلى 1216 بعثة سرية إلى الخليفة الناصرالموحدي في محاولة للحصول على دعم مغربي للإنجليز، عبر صراعهم ضد التحرشات الفرنسية وقتذاك، غير أن تلك البعثة لم تسفر عن الشيء الكثير ولكنها مع ذلك كانت فاتحة مايزيد عن ثمانمائة (800) سنة من العلاقات الودية والمصالحية بين الطرفين .

من وجهة نظرنا، لا جدوى ولا فائدة تاريخية تذكر من طرح أسئلة تحمل في ذاتها أجوبة ما هي بمثابة تحصيل الحاصل وكنموذج : ألم يكن في الإمكان تفادي المغرب للاحتلال الأجنبي، لو استمع المخزن لنصائح وتوجيهات بريطانيا الإصلاحية التحديثية وعمل بها، تلك العناصر الحيوية التي كان المغرب في أمس الحاجة إليها أمام توالي التراجعات والانتكاسات، وقد ظلت سمة أساسية للخطاب القنصلي الإنجليزي بالمغرب وخاصة على يد دراموند هاي اعتبارا من 1856 والذي ظل في منصبه من 1845 وحتى 1886 قبيل إحالته على التقاعد ؟

ألم يكن بالأحرى على المخزن أن يستفيد من تلك النصائح ويوجه البلاد صوب أفق من الحداثة والتقدم والازدهار، ومن ثمة تجاوز فرضية ” القابلية للاستعمار “؟

عبثية مثل هذه التساؤلات تجد منطلقها في أن كلا من فرنسا وإنجلترا تندمجان معا في إطار خانة الدول الأمبريالية بما لاغبار عليه، وإن اختلفت مناهجهما ووسائهما في سبيل بلوغ الغايات المرسومة سلفا، والمنطلق الثاني هو أن البلدان المحسوبة على ” الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، أي التي كانت واقعة تحت الاحتلال الإنجليزي ثم نالت استقلالها، ليست أحسن حالا في وضعها الراهن من المستعمرات الفرنسية سابقا .

السؤال التاريخي المركزي كما أتصورهو لماذا تعثرت جهود بريطانيا الإصلاحية في المغرب ؟ من ثمة ما أسباب تحول هذه الدولة ” العظمى ” من دولة مساندة عموما للمغرب وخاصة استقلاله ووحدة ترابه إلى دولة تساير فرنسا وسياستها الاستعمارية في المنطقة وخاصة بعد الاتفاق الودي بينهما سنة 1904 والذي خلف رد فعل غاضب ورافض للسلطان م عبد العزيز لعدم أخذ رأيه أواستشارته ؟

العنصر التاريخي والموضوعي هنا هو أن المغرب استفاد فعلا من التنافس الأمبريالي عليه، ونتيجة ذلك، استطاع الحفاظ على استقلاله ووحدة ترابه على الأقل في الفترة الفاصلة بين احتلال الجزائر سنة 1830 وبداية احتلال الصحراء الجنوبية والشرقية اعتبارا من سنة 1884.

مما له دلالة في هذا السياق وبغض النظرعادة عن الطابع البراغماتي لهذه العلاقة بين المملكتين، فإن ما ميزها أساسا هو البعد التجاري والمؤطرأحيانا بما هو سياسي، ولقد تعمقت العلاقة نوعا ما على عهد السعديين، حيث أدى التعامل البضائعي للتجار الإنجليزسواء مع المخزن السعدي، أو مع نظرائهم من التجار المغاربة إلى توثيق الصلات ذات الطبيعة السياسية، ومن المواد المغربية المسوقة من طرف هؤلاء التجار الإنجليز: السكر وريش النعام وملح البارود، وكانوا في المقابل يسوقون بعض موادهم ومنتوجاتهم كالأقمشة والأسلحة النارية، وجرت تلك التجارة عبر المراسي خاصة، رغم احتجاج كل من الإسبان والبرتغال، الذين كانوا يطالبون المغرب بمعاملة تفضيلية لهم وإزاء تدفق السلع البريطانية على المغرب في ذلك الوقت ونقصد النصف الثاني من القرن السادس عشر، مع ما في ذلك من مزاحمة للقوتين الأمبرياليتين آنذاك، وفي هذا السياق تبادل كل من السلطان السعدي عبد الملك المعتصم والملكة إليزابيت الأولى ( التي حكمت فيما بين 1578 و1603 ) المراسلات الودية والمناسباتية، كما أصدرهذا السلطان نفسه ظهائر تسمح للتجار الإنجليز بممارسة نشاطهم في أرجاء البلاد .

وكانت تلك الظهائر أيضا محاولة من السلطان لكسر احتكار اليهود تجارة السكر بالمغرب، حسب المؤرخ خالد بن الصغير في كتابه القيم ” المغرب وبرطانيا العظمى في القرن التاسع عشر / بين 1856 و1886 “وبعد هزيمة البرتغال في معركة وادي المخازن سنة 1578 أتيحت الفرصة من جديد للسلطان أحمد الملقب بالمنصور، كي يمتن العلاقة بينه وبين الملكة إليزابيت الأولى على حساب إسبانيا، وتُوِّج الأمر بتحالف بريطاني مغربي، لم يصل إلى مستوى المواجهة المباشرة مع إسبانيا / فليب الثاني، ولكنه اقتصر عموما على العلاقات التجارية والودية وعبر البعثات السفارية المتبادلة بين الطرفين، ففي مجال التجارة كنموذج تأسست ” شركة بلاد البربر Berbery Compagnie ” في سنة 1585 فاحتكرت التجارة المغربية لمدة اثنتي عشرة سنة، كما أصدر المنصورالسعدي ظهائر مماثلة لتلك التي كان قد أصدرها أخوه عبد الملك .

لقد ساعدت عدة عوامل على تعميق هذه العلاقة طيلة ثمانية قرون، رغم فترات محدودة من التوتر النسبي، من أبرزها، عنصر التباعد الجغرافي بين المملكتين، قياسا إلى فرنسا أوإسبانيا القوتين الاستعماريتين اللتين كانت عيون مستعمريهما وساستهما على المغرب، ما جنب هذا الأخيرتصاعد التحرشات الامبريالية والتوسعية المباشرة التي لقيها من فرنسا خاصة بعد سقوط الجزائر واحتلالها بين 1830 و1847 الشيء الذي حد منها التدخل الإنجليزي بالأساس، ثم حد نفس التدخل من جموح إسبانيا الاستعمارية التي سيطرت على ثغري سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، فالصحراء المغربية ( وادي الذهب والساقية الحمراء ) وأخيرا على المنطقة الشمالية، وهو الأمر الذي لا يعني عدم وجود أطماع إنجليزية في التراب المغربي تحت غطاء تجاري أساسا.

لعل التنافس بين البلدان الاستعمارية من جهة واحتلال الجزائر من جهة أخرى، رجحا أخيرا كفة فرنسا في المنطقة دون التغاضي عن المصالح الإنجليزية، وهناك بالطبع عامل التوسع الإمبريالي الإنجليزي التجاري والسياسي معا، وعزز ذلك موقع المغرب الاستراتيجي المتحكم في مدخل البحر المتوسط وفي ضفته الجنوبية خاصة، وتوفره على مواد أولية وتجارية هامة وكونه أيضا سوقا مثالية للمواد المصنعة، فضلا عن امتداد الشاطئ الأطلسي بكل بعده الاقتصادي والاستراتيجي، ما جعله محط أطماع كل الدول الإمبريالية كالبرتغال وإسبانيا ثم انجلترا وفرنسا وألمانيا تضاف إليهم إيطاليا وبلجيكا أيضا لولا الضعف الجلي لمجال هاتين الأخيرتين .

استمرت العلاقات المغربية البريطانية حتى في ظل الفترات المضطربة التي عاشها المغرب، ونذكر هنا سفارة هاريسون من قبل الملك جاك الأول Charles 1st لدى الموريسكيين القائمين برسم الجهاد البحري في ما سمي تاريخيا بجمهورية سلا حول قضية الأسرى الإنجليزوالتي تمكن المجاهد العياشي فيما بعد من حلها وديا وفقا لاتفاقية بين الطرفين عقدت سنة 1627 لتعقد اتفاقية ثانية مع أواخر السلاطين السعديين كان من أهم بنودها ضمان حرية التجارة وأمن الملاحة ســــنة 1638 .

ترواح تعامل وتفاعل الطرفين إذن بين البعدين السياسي والتجاري، وظل الأفق الثاني أي التجاري مسلكا طبيعيا للأفق الأول، وفي مستهل العصر العلوي، حيث توافق مع صعود أسرة ستيوارت Stuart إلى سدة الملكية البريطانية، ظهرت أهمية منطقة طنجة في المنظور الاستراتيجي البريطاني، والتي تمكَّن التاج البريطاني من تسلمها رسميا، بعد أن كانت مستعمرة برتغالية وذلك إثر زواج الملك تشارلز الثاني Charles 2nd بالأميرة البرتغالية كاترينا دي براكنزا Catherina of Baracaza فقدم البرتغاليون للملك الإنجليزي هدية قيمة بمناسبة هذا الزواج ( ….) تمثلت في مدينة طنجة التي أصبحت مستعمرة بريطانية اعتبارا من 30 يناير 1662 وامتد هذا الاحتلال حتى سنة 1684حين جلا عنه عسكر الإنجليز في عهد المولى إسماعيل، علما بأن الرأي العام الإنجليزي لم يكن متحمسا للاحتفاظ بها، نظرا لانعكاس الصراع الكاثوليكي البروتستانتي على الوضع السياسي هناك، خلال هذه الفترة، وما دام الأمر مرتبطا ببوغاز جبل طارق، الممر الحيوي للسفن شرقا وغربا، فإن بريطانيا استغلت الصراع على السلطة داخل العرش الإسباني واحتلت جبل طارق سنة 1704، وقد ساعدها المغاربة بشكل قوي، وهو الاحتلال الذي برهن مرة أخرى على تشبث الساسة الإنجليزمع ذلك، ببعض المواقع البحرية التي ظلوا يعدونها ضرورية لتجارتهم ومصالحهم وأبرزها مضيق جبل طارق سواء من خلال احتلالهم لطنجة أو لجبل طارق بعد جلائهم عن طنجة بمدة قصيرة نسبيا .

غير أن نفوذ الإنجليز استمرفي مدينة طنجة باعتبارها أصبحت عاصمة ديبلوماسية كما هو معروف ومحتضنة لقناصل مختلف الدول الأوربية، اعتبارا من النصف الثاني للقرن التاسع عشرعلاوة على ممثل السلطان، استمر ذلك النفوذ المتعدد الأوجه عن طريق القناصل الإنجليز وأهمهم على الإطلاق جون دراموند هاي Jhon Darmmond Hay الذي عين قنصلا عاما لبريطانيا بطنجة في سنة 1845، وكان من إفرازات احتلال جبل طارق من طرف بريطانيا أن توثقت العلاقات بين الإمبراطورية الشريفة والمملكة المتحدة.

واتخذت تلك العلاقة خاصة بعد المعاهدة الخطيرة لسنة 1856 عدة أشكال كانت في مجملها لصالح الطرفين، أبرزها معاكسة المخططات الفرنسية في شمال إفريقيا ولاسيما التغلغل الاستعماري في شرق المغرب وجنوبه الشرقي بعد معركة إيسلي، ومحاولة ( فاشلة في كل الأحوال ) لتفادي حرب تطوان التي هزم فيها المغرب، وقد تلتها محاولات بريطانية أيضا لتخفيف عبء الهزيمة ومعها شروط الصلح بالنسبة للمغرب، وكذا مقترحات الإصلاحات المختلفة التي تقدم بها القنصل الإنجليزي، ليس حبا في المغرب طبعا ولكن حفاظا على العلاقات والمصالح الإنجليزية وعلى رأسها المعاملات التجارية والحمايات القنصلية التي أعطتها معاهدة 1856 طابعا قانونيا واضحا، غير أن تلك الإجراءات الإصلاحية اصطدمت بتحفظات المخزن ونخبه من جهة والرفض الفرنسي من جهة أخرى، لأن فرنسا الاستعمارية لم تكن ترى أو تتصور أية إصلاحات في المغرب مهما كان حجمها أو نوعها، بمعزل عنها أو عن سياستها.

فترة مسؤولية دراموند هاي على رأس القنصلية الإنجليزية بطنجة كانت هامة جدا على مستوى تلك العلاقات إذن، لأن الرجل عاصر ثلاثة سلاطين مغاربة وكان له تأثيره المباشر على الإجراءات والخطوات التي أقدموا عليها وهم م عبد الرحمان بن هشام ( حكم من 1822 إلى 1859) وس محمد بن عبد الرحمان ( حكم من 1859 إلى 1873 ) وأخيرا م الحسن الأول ( من 1873 إلى 1894).

– يتبع –

* رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر