www.alhadttv.ma
* عمر الصديقي
يعتبر المجتمع المدني من بين التحولات المهمة في تاريخ الفكر السياسي، ومن المستجدات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، لاسيما منذ 2011 ومنذ دسترة مبدأ الديمقراطية التشاركية والاعتراف للمجتمع المدني بأدوار جديدة في الحياة السياسية، وفي تدبير الشأن العام. فرغم الانتشار الواسع لمفهوم المجتمع المدني، إلا أنه لا يزال يكتنفه الغموض أحيانا، وأحيانا تتعدد تعارفه ودلالاته. فباختصار، يمكن أن نقول إن المجتمع المدني هو مجموعة من التنظيمات التطوعية المستقلة التي تسعى إلى تحقيق المنفعة العامة ومصالح المجتمع وتتبع ورقابة القرارات العمومية، وتشمل بالأساس الجمعيات والمنظمات غير الحكومية. هذا ويتضح من هذا التعريف أن المجتمع المدني يقوم على 4 عناصر أساسية:
1-الطوعية: يعني المشاركة الطوعية كأساس للفعل الإرادي الحر
2- التنظيم : المجتمع المدني كون منظم، وهي مؤسسة تشتغل وفق مقتضيات القانون
3-الغاية والدور: لمنظمات المجتمع المدني أدوار تقوم بها بشكل مستقل عن السلطة وتؤثر على السياسة العامة
4- الاستقلالية: يقصد بها عدم الخضوع للسلطة أو أي جهة، بل بالعكس تجول دون انحراف السياسة ونخبها، وتقوم بتعبئة المواطنين من اجل المشاركة في تدبير الشأن العام.
لهذه الاعتبارات، نجد أن المجتمع المدني لا يمكن أن ينفصل عن مفهوم الديمقراطية التشاركية التي تسعى إلى إشراك المواطنين في تدبير السياسات العمومية وتتبعها والمشاركة في صناعة القرارات العمومية، وفق مبادئ الحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية….لاسيما بعد ظهور مايسمى بأزمة الديمقراطية التمثيلية وتراجع الدولة الراعية وعجزها على إرضاء انتظارات المواطنين، فصار من اللازم الاستماع لصوت المواطن وجعله في مركز القرارات العمومية. وبالتالي أضحى المجتمع المدني هو الرأي العام غير الرسمي غير الخاضع لسلطة الدولة. حسب تعبير، يورغان هابرماس.
أو كما يقول أليكسيس دو توكفيل ” لابد للمجتمع من عين فاحصة مستقلة، هذه العين هي مجموعة من الجمعيات المدنية الدائمة اليقظة والقائمة على التنظيم الذاتي وهـي الضـرورة اللازمة لدعم الديمقراطية وتحقيق غاياتها في إشراك النسبة الأكبر من المجتمع في مؤسسات الدولة أو مراقبتها “.
بالنسبة للمغرب، عرف مفهوم المجتمع المدني تطورات مهمة، خاصة بعد أن اكتسح مجالات انشغال جديدة، كحقوق الإنسان، الفوارق الاجتماعية، البيئة، الهجرة المرأة….خاصة بعد الانفراج السياسي الذي عرفه المغرب منذ التسعينات إلى سنة 2011، سنة ترسيم ودسترة مفهوم المجتمع المدني. وبالتالي، انطلاق فصول الحوار الوطني يوم 13 مارس 2013 حول المجتمع المدني وأدواره الدستورية الجديدة، لضمان مشاركة فعالة لتنظيمات المجتمع المدني واستعادة الثقة بين النخب السياسية والمواطن، وبالتالي تسجيل القطيعة مع سياسة الفرجة politique spectacle، بإشراك المواطن فعليا في صناعة القرار. ( انظر الفصول 1، 13، 14 ، ،15 139….من الدستور الجديد) . في المجمل، إن دستور 2011من خلال مجموعة من المقتضيات، أسس لعدة مفاهيم أساسية وهي الديمقراطية التشاركية، الحكامة الجيدة، المقاربة التشاركية للسياسات العمومية الوطنية والترابية…الخ، لكن إلى أي حد عكست الممارسة السياسية في الواقع هذه المساعي الكبرى التي تروم دمقرطة وتنمية مجال السياسات العمومية بالمغرب؟
الهدف من هذه الورقة هو إثارة مسألة المجتمع المدني ومدى قدرته على تنزيل الأدوار الدستورية الجديدة ضمن مشاركة فعالة في بلورة وتقييم السياسات العمومية الترابية وتحقيق التنمية المحلية. وبالتالي، فالإشكاليات الأساسية المطروحة هي:
-هل حقا يمكن للمجتمع المدني أن يصل لمركز القرار العمومي والتأثير في السياسة العمومية؟
– وكيف يمكن للمواطن والفاعل المدني أن يسهم في تدبير الشأن المحلي؟
– وأخيرا، ماهي الآليات التشاركية الكفيلة بإشراك السكان في تدبير شؤون جماعاتهم؟
إن الحديث عن المجتمع المدني في المغرب يعني الحديث عن الجمعيات التي يمكن تصنيفها وفق عدة معايير( المجال، الاشتغال، الأهداف..)، لكن سنبقى مع صنف الجمعيات المواطنة التي لا تتوخى الربح الشخصي وهي غير خاضعة للسلطة العمومية، ثم صنف الجمعيات الإدارية التي تسعى إلى المصلحة العامة لكن تابعة للسلطات العمومية.
ولعل هذا التوجه هو الذي يشرح الارتفاع المهول والكمي للجمعيات والهيئات المدنية ذات الصلة بالتنمية بالمغرب (220 ألف جمعية/ 20الف فقط هي الجمعيات النشيطة). ومن ثم كذلك، تسجيل نوع من التعامل الجديد للدولة مع الجمعيات وتسامحها النسبي معها، قصد ترسيخ استراتيجية الشرعنة أو اتخاذ المعطى الجمعوي كآلية من آليات إضفاء الشرعية على القرارات المتخذة (Stratégie de légitimation).
وبالعودة إلى موضوع “واقع المجتمع المدني المغربي وتنزيل مقتضيات الديمقراطية التشاركية”، سنحاول معالجة إشكالية إسهام المجتمع المدني في التنمية المحلية، وكذا الكشف عن طبيعة الآليات الكفيلة لضمان مشاركة فعالة وفاعلة من طرف المواطنين والهيئات الجمعوية في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية، كما هو منصوص عليه دستوريا.
وهنا سنصوغ فرضيتين على الأقل: الأولى سلبية وشديدة التحفظ بخصوص الإشراك الفعلي للمواطنين في بلورة برامج التنمية. والثانية، متشائمة لكن واقعية، اذ ترى بأنه يمكن للمواطنين أن ينخرطوا بشكل من الأشكال في تدبير الشأن العمومي المحلي، لكن لابد من توفر شروط قانونية ثقافية وسياسية تسمح للمواطن وللفاعل المدني بمواكبة صناعة القرار العمومي.
في البداية، ماهي الميكنزمات التشاركية المعتمدة لتحقيق هذه الغاية؟
أصبح رهان السياسة العامة في الوقت الراهن هو توسيع مشاركة المواطن في اتخاذ القرار في ظل حكومة منفتحة على كل الأطراف المعنية، بما فيها السكان وجمعيات المجتمع المدني والقطاع الخاص، وذلك وفق ما تنص عليه مبادئ الحكامة الجيدة والمواثيق الجماعية، وما كرسه الدستور المغربي منذ سنة 2011:
الفصل الأول: يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الفصل13: تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها.
الفصل 14: للمواطنات والمواطنين، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع.
الفصل15: للمواطنات والمواطنين الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية.
الفصل 33: على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق ما يلي:
توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛
مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة و الجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني؛
تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات.
الفصل 139: ضع مجالس الجهات، والجماعات الترابية الأخرى، آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها. يُمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله.
وعقب هذه المقتضيات الدستورية، حلت مجموعة من القوانين التنظيمية التي شرحت سبل تنزيل هذه العمليات. فماذا عن واقع التنزيل على أرض الواقع؟
الخلاصات
ورغم التنصيص الدستوري لفاتح يوليوز2011على مفهوم الديمقراطية التشاركية،
وما واكب ذلك من نقاش في المؤسسة التشريعية لإخراج القوانين التنظيمية، سواء المتعلق
بالعرائض أو المتعلق بالملتمسات التشريعية، فإن التجربة المغربية تبقى في بدايتها وتتطلب
وقتا وجهدا من أجل العمل على مواكبة الفعل الجمعوي للممارسة المنصوص عليها قانونيا. إن العمل الجمعوي الهادف يستلزم مبدأ الإستقلالية عن المجالس الجماعية، حيث إن الاستقلال المالي والإداري سيعطي للفال الاجتماعي الفرصة للانخراط بجدية في العمل الجمعوي المعبر عن انتظارات المنخرطين، وبالتالي الترافع السليم والمجدي من أجل التنمية الترابية.
