www.alhadattv.ma
* الدكتور توفيق أدركان
المشهد السياسي المغربي يمكن قراءته كـساحة مزدوجة للهيمنة، من جهة، هناك صراع على المؤسسات المنتخبة، حيث تتنافس الأحزاب والفاعلون على المقاعد والسلطة، ومن جهة أخرى، هناك معركة أكثر عمقا وخطورة، وهي السيطرة على الوعي الجمعي للمغاربة.
في الظاهر، يبدو أن المشهد السياسي المغربي يعيش فقط على إيقاع صراع التزكيات الإنتخابية إستعدادا للاستحقاقات المقبلة، وجوه تتنقل بين الأحزاب، وأعيان يتنافسون على المواقع، وتحالفات تبنى وتهدم حسب موازين النفوذ والمال والقدرة على حصد المقاعد.
فالأحزاب، في كثير من الأحيان، لم تعد تبحث عن المناضل أو صاحب المشروع الفكري، بقدر ما تبحث عن “المرشح القادر على الفوز” بالمقعد، لأن منطق المؤسسات الانتخابية اليوم قائم على الحسابات العددية أكثر مما هو قائم على الموقف بالمعنى السياسي الرؤية المجتمعية والهدف التواجد القوي داخل المؤسسات المنتخبة.
لكن خلف هذا التهاتف الانتخابي، يوجد صراع آخر أكثر عمقا وأشد خطورة، صراع لا يدور داخل مقرات الأحزاب فقط، بل داخل العقول والوجدان الجماعي للمغاربة.
إنه صراع بين الوعي الجمعي القائم و بين وعي جمعي طور التشكل يحاول توجيه الرأي العام.
في السنوات الأخيرة، لم تعد المعركة الحقيقية مجرد معركة أصوات ومقاعد، بل أصبحت معركة سرديات وأفكار ورموز وهوية.
هناك من يسعى إلى توظيف الصراعات الدولية والإقليمية لإعادة توجيه وعي المغاربة نحو تبعية ثقافية وفكرية تجعل المجتمع يعيش دائما داخل مركزيات خارجية، وكأن المغرب مجرد هامش تابع لا يملك تاريخا ولا مشروعا حضاريا خاصا به، في المقابل، ظهرت أصوات أكاديمية وإعلامية وشبابية تحاول بناء وعي جمعي جديد، وعي يستند إلى التاريخ المغربي العريق، وإلى الاكتشافات الأركيولوجية والعلمية، وإلى النبوغ المغربي الممتد عبر القرون، وإلى فكرة أن الدفاع عن القضايا الإنسانية كواجب اخلاقي انساني ، لكن لا يعني الذوبان في الآخر أو احتقار الذات الوطنية.
الوعي الجمعي ليس مجرد رأي عام عابر، بل هو الطريقة التي ترى بها الجماعة نفسها والعالم من حولها، وحين يعاد تشكيل هذا الوعي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير بعض الأفكار، بل بإعادة بناء تصور المجتمع لذاته ولمصالحه ولموقعه داخل العالم.
لهذا، فإن المعركة الحقيقية في المغرب اليوم ليست معركة انتخابات فقط، بل هي معركة من سيتوفق في صياغة وعي المغاربة خلال العقود القادمة.
هل سيكون وعيا مبنيا على الثقة في الذات الوطنية والتاريخ المغربي والقدرة على الإبداع وصناعة المستقبل؟
أم وعيا يعيش على استيراد الصراعات والهويات الجاهزة ويختزل المغرب دائما في دور التابع والمستهلك؟
إن بناء وعي جمعي متوازن لا يعني الانغلاق أو معاداة الآخر، بل يعني ببساطة أن يكون للمغاربة حق النظر إلى أنفسهم بعينهم هم، لا بعين الآخرين.
فالأمم التي تفقد ثقتها في تاريخها وهويتها، تتحول بسهولة إلى مجرد ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين ومشاريعهم.
الدول العريقة في الديمقراطية تعتبر المحطة الانتخابية مناسبة لتجديد الوعي الجمعي بفتح نقاش عمومي بين الأحزاب السياسية حول المستقبل والاكراهات المحتملة وكيفية ابداع الحلول لتجاوز العراقيل التي تعيق التقدم والتماسك المجتمعي، أما عندنا في المغرب الانتخابات في واد و تجديد الوعي الجمعي في واد آخر.
نحيا وكيفاش وها
