رسائل القاهرة 14- قهوة ساده بالفيشاوي –

Www.alhadattv.ma

* عزيز باكوش

تعتبر الزيارة لمدينة إفران المغربية ناقصة ،إذا لم يخلدها السائح بصورة أمام الأسد الصخري الذي يجسد عنوان المدينة الأبرز في سيكولوجيا السياحة العامة ، كذلك الأمر لزائر جمهورية مصر العربية ومدينة القاهرة تحديدا ، فإن زيارته لخان الخليلي بشارع المعز تعتبر ناقصة دون احتساء فنجان ساده أو كأس شاي بالنعناع بمقهى الفيشاوي، مقهى نجيب محفوظ كما تعرف في أدبيات السياحة العالمية .

و مقهى الفيشاوي، الذي يزيد عمره عن مائتي عام، من أقدم مقاهي القاهرة، بخان الخليلي . وكان الكاتب الكبير نجيب محفوظ من أشهر رواده في فترة الستينات من القرن الماضي . يعتبر من المقاهي القديمة في مصر ويرجع تاريخ تأسيسه عام 1769م . في الممشى الضيق المفضي لمقهى الفيشاوي ،تستطيع أن تلحظ صورة كبيرة بالألوان للكاتب نجيب محفوظ وأخرى لسيدة الطرب العربي أم كلثوم ،وأنت تحتسي القهوة الساده وكأس الشاي الأخضر بالنعناع ، وتتجاذب أطراف الحديث بكل لغات العالم ،ملتحما بأجساد باعة الأنشوطات ،والتحف ،والحنايات “النقاشات” محاطا ،بالمتسولين من كل الفئات والأعمار في زحمة حميمية دون وازع أو رادع.

وعلاوة على ذلك ،يعتبر حي خان الخليلي ” حيث مقهى الفيشاوي ” مصدر إلهام للعديد من الكتاب والأدباء المصريين لعل أبرزهم الكاتب الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب ،و الذي ألف إحدى رواياته التي تدور أحداثها بالحي وتحمل اسمه “خان الخليلي” والتي تم تحويلها فيما بعد إلى فيلم سينمائي من بطولة النجم عماد حمدي. فقد كتب نجيب محفوظ، في روايته «خان الخليلي» «ستجِد في الشارع الطويل، عِمارات مُربعة القوائم تصِل بينها ممرات جانبية تقاطع الشارع الأصليّ، وتزحُم جوانب الممرات والشارع نفسه بالحوانيت (أيّ الدُكان)؛ فدُكان للساعاتي وخطاط وآخر للشاي، ورابع للسجاد وخامس للتُحف وهكذا. بينما يقع هُنا وهناك مقاهي لا يزيد حجم الواحدة منها عن حجم “حانوت ” دكان صغير .

انطلاقتنا كانت من باب الفتوح ، المفضي لشارع المعز لدين الله الفاطمي ، هو شارع يمثل قلب مدينة القاهرة القديمة والركن فيه من شبه المستحيلات أحيانا بسبب الحشود الهائلة من السواح المصريين العرب والأجانب ،وقد تم تطوير الشارع لكي يكون متحفا مفتوحا للعمارة والآثار الإسلامية وهو ما تحقق بالفعل . ومع نشأة مدينة القاهرة خلال عهد الدولة الفاطمية في مصر ،كان تخطيط المدينة يخترقه شارع رئيسي ” شارع المعز” ويمتد من باب زويلة جنوبا وحتى باب الفتوح شمالا في موازاة الخليج، وأطلق عليه الشارع الأعظم، وفي مرحلة لاحقة قصبة القاهرة، وقد قسم المدينة قسمين شبه متساويين ،ليشكل بذلك المركز السياسي والروحي للمدينة. وتميز الشارع الأعظم بسلسلة من المنشآت والبنايات ذات الطابع الديني كالمساجد والمؤسسات التعليمية والطبية والمحلات التجارية والدور السكنية المتسمة بالطابع المعماري التركي المملوكي والهندسة المعمارية المبهرة ، بحيث أصبح القسم الأكبر من الآثار الإسلامية لمصر مركزا داخل حدود القاهرة المملوكية.”

ويتمتع خان الخليلي، أحد أحياء القاهرة القديمة بجذب سياحي عالمي كبير سواء بالنسبة لزوار القاهرة ومصر ،أو من مختلف كل مناطق العالم ، ويلاحظ تأثره الكبير من الناحية التجارية إذ تسبب في ضرر اقتصادي كبير لا سيما بعد إغلاقه لفترة بسبب جائحة كورونا، لكن الحياة دبت فيه من جديد، واسترجع حيويته بعد الانفراج الصحي الأخير، وامتلأت مساجده ” مسجد سيدنا الحسين ” بازاراته ومحلاته ومطاعمه الشعبية، كما ضجت حاراته بالموسيقى وفرحة الشباب ،فيما تدفقت أفواج من السياح العرب والأجانب بأعداد كبيرة .

ومن الناحية التاريخية، يبلغ عمر حي «خان الخليلي» العتيق، 600 عام، حيث يُعتبر واحدا من أقدم الأسواق في أنحاء المحروسة والشرق الأوسط، وما زال محتفظا بأسلوب معماره القديم منذ عصر المماليك، وفق ما تؤكد الهيئة العامة للإستعلامات المصرية.
ومن بين التعريفات لمصطلح الخان، هو مبنى على شكل مربع كبير، ويحيط بفناء ، فيما تضم الطبقة الوسطى منه المحلات، أما الطبقات العليا فتحتضِن المخازن والمساكن، بينما ترجع تسميتُه إلى صاحب أمر إنشاءه عام 784هجريًا، أيّ 1382 م، وهو الأمير جهاركس الخليلي، أحد الأمراء المماليك، من الخليل من فلسطين المحتلة ، وتروي الحكايات التاريخية إنه بعد مقتل الخليلي في دمشق، أزال السلطان المملوكي قنصوه الغوري الخان، وأقامَ مكانُه وكالات ودكاكين للتُجار، فاكتسب المكان طابعا تاريخيا موسوما بآثار المماليك”

جولتنا الاستكشافية لهذه المنطقة التاريخية سيرا على الأقدام في الحي الشارع الطويل بخان الخليلي انطلقت من باب الفتوح ” الذي يذكرني بباب فتوح أحد الأبواب التاريخية السبعة مدينة فاس مهد الدولة المغربية مرورا بأزقة وحارات تشبه الطالعة الصغيرة والكبيرة بفاس ،فهي تحتاج إلى خبرة ومرشد سياحي يساعد في فك شفراتها ، فالأزقة متراصة متداخلة زاحمة متعددة الأشكال والمعروضات . والأجمل من هذا كله، الهندسة المعمارية التي بني على أساسها خان الخليلي، فالأرض مبلطة بحجر من البازلت الأسود اللامع، وقد تحدى عوامل التعرية، وحينما تتسلل خيوط الشمس إلى المحلات التجارية التي تعرض تاريخ مصر وكنوزها الفرعونية تصبغ التماثيل والنصب والتحف التاريخية بلون ذهبي يخطف الأبصار .و حي خان الخليلي هو واحد من ثمانية وثلاثين سوقا كانت موزعة أيام المماليك على محاور القاهرة، ويقع هذا الخان وسط المدينة القديمة فوق مقابر الخلفاء الفاطميين سابقاً.

ومما يسترعي انتباه السائح كذلك الشكل الذي يتم به عرض المنتوجات والسلع والبضائع . شكل يشبه متحفا تاريخيا مفتوحا على الدوام ،أو معرضا ضخما لكنوز في الهواء الطلق مسور بعبق التاريخ وأصالة الجغرافيا الفاطمية .معروضات تسر الناظرين، تفتن بمهارة صنعها ،وتسحر الألباب وقد تم صنعها بمهارة فائقة بأياد محلية ،إما من الذهب أو الفضة أو النيكل . ثمة منتوجات من أوراق البردي التي تحمل رموزا هيروغليفية، وتمائم ، وأيقونات وتماثيل ، ومنقوشات بكل ألوان الطيف تروي في اختزال يحبس الأنفاس ، كنوز مصر ،وتاريخها التليد الذي يمتد ل7آلاف سنة .

في ختام هذه الرسالة ، لابد أن نتوجه بالشكر الجزيل للسيدة الدكتورة المصرية أستاذة اللغويات الفرنسية بجامعة عين شمس بالقاهرة شيرين زكي، وزوجها الموسيقار والمايسترو المغربي فؤاد شهاب على قيادتهما الرشيدة لجولتنا الاستكشافية لمعالم شارع المعز وخان الخليلي بالفاطمية وامتناننا على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة .

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. AcceptRead More