www.alhadattv.ma
بوجمعة العوفي – شاعر وناقد فني
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير فيه خرائط الإنتاج والتلقي السينمائي، يواصل المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة تأكيد حضوره كواحد من أعرق وأهم التظاهرات السينمائية في القارة الإفريقية، ليس فقط باعتباره فضاءً لعرض الأفلام والتباري حول الجوائز، بل بوصفه مشروعاً ثقافياً وحضارياً عميقاً، استطاع منذ تأسيسه سنة 1977 أن يحول مدينة خريبكة إلى عاصمة رمزية للسينما الإفريقية، وإلى ملتقى للأصوات والصور والرؤى القادمة من مختلف جهات القارة السمراء.
وتنعقد الدورة السادسة والعشرون للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة في سياق احتفالي خاص يتزامن مع الذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس هذا العرس السينمائي الكبير، وهي مناسبة تؤكد استمرارية هذا الموعد الثقافي وقدرته على تجديد ذاته ومواصلة إشعاعه القاري والدولي، رغم كل التحولات التي شهدها العالم والسينما معاً. ثم إن الحديث عن تسعة وأربعين عاماً من عمر المهرجان، هو حديث عن ذاكرة سينمائية إفريقية كاملة، وعن تراكم ثقافي وجمالي أسهم في بناء جسور الحوار بين الشعوب الإفريقية، ورسخ الإيمان بأن السينما ليست مجرد ترف بصري، بل هي لغة إنسانية كونية قادرة على مساءلة الواقع، واستحضار الذاكرة، والانتصار لقضايا الإنسان الإفريقي في مختلف تجلياته الاجتماعية والسياسية والثقافية والوجودية.
لقد استطاع مهرجان خريبكة، عبر دوراته المتعاقبة، أن يصنع لنفسه هوية خاصة داخل خارطة المهرجانات السينمائية الإفريقية والعالمية، من خلال انحيازه الدائم للسينما الإفريقية بوصفها فضاءً للمقاومة الجمالية والفكرية، ومنصة للتعبير عن التحولات التي تعيشها المجتمعات الإفريقية، وهو ما جعله يتحول إلى مختبر ثقافي حقيقي للتفاعل بين السينمائيين والنقاد والباحثين والجمهور. وتأتي الدورة السادسة والعشرون لتؤكد هذا النفس الثقافي العميق، من خلال برنامج غني ومتنوع يجمع بين البعد الفني والفكري والتكويني، ويعكس فلسفة المهرجان القائمة على التنوع والانفتاح والحوار. إذ ستشهد هذه الدورة تنظيم المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة والقصيرة، بمشاركة نخبة من أحدث الإنتاجات السينمائية الإفريقية، التي تعكس تنوع التجارب والأساليب والرؤى الفنية داخل القارة.
ولعل من أبرز ما يميز هذه الدورة، حرص إدارة المهرجان على اختيار شخصيات سينمائية وثقافية وازنة للإشراف على لجان التحكيم، بما يضمن تعددية الرؤى والمقاربات النقدية والجمالية. ففي مسابقة الأفلام الطويلة، يترأس لجنة التحكيم السينمائي البوركينابي البارز أليكس موسى ساوادوغو، أحد الأسماء الإفريقية اللامعة التي راكمت تجربة مهمة في مجال البرمجة السينمائية والدفاع عن السينما الإفريقية عالمياً، إلى جانب أسماء أخرى تنتمي إلى فضاءات ثقافية متعددة، من بينها بولين سيلفيان غبولو من إفريقيا الوسطى، وسعاد حسين ممثلة لفرنسا وجيبوتي، وليونس نجابو من بوروندي، والشرقي عمور من المغرب.
أما لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، فيرأسها المخرج المغربي عبد الإله الجوهري، بمشاركة أسماء إفريقية تنتمي إلى توغو وتشاد، في إشارة واضحة إلى حرص المهرجان على تمثيل مختلف الحساسيات الثقافية والجغرافية داخل القارة. ولا يتوقف الأمر عند حدود التحكيم السينمائي فقط، بل يمتد إلى لجان التحكيم الثقافية الخاصة بالمهرجانات السينمائية الإفريقية والأندية السينمائية والنقد السينمائي الإفريقي، في تأكيد واضح على البعد الثقافي والفكري للمهرجان، وعلى رغبته في إعادة الاعتبار للنقد السينمائي وللأندية السينمائية التي لعبت تاريخياً دوراً محورياً في نشر الثقافة السينمائية بالمغرب وإفريقيا.
إن مهرجان خريبكة لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يسعى إلى خلق دينامية ثقافية متكاملة تجعل من السينما موضوعاً للتفكير والحوار والتكوين. لذلك، سيكون جمهور الدورة السادسة والعشرين على موعد مع ندوات فكرية وموائد مستديرة تناقش قضايا السينما الإفريقية والتحولات الرقمية وأسئلة الصورة والهوية والرهانات الجديدة للصناعة السينمائية بالقارة. كما يواصل المهرجان تقليده الثقافي في تنظيم حفلات توقيع للإصدارات السينمائية والنقدية، ولقاءات مفتوحة مع المخرجين والمنتجين، وهي مبادرات تعزز التفاعل المباشر بين السينمائيين والجمهور، وتمنح للمهرجان بعده الثقافي والمعرفي الذي يتجاوز منطق الفرجة العابرة.
ومن بين الجوانب الإنسانية المضيئة في هذه الدورة، استمرار المبادرات الاجتماعية والثقافية التي تستهدف تقريب السينما من مختلف الفئات، بما في ذلك برمجة عروض داخل المؤسسات السجنية، في خطوة تحمل بعداً إنسانياً عميقاً، يعكس إيمان المهرجان بدور الفن في إعادة بناء الإنسان وفتح نوافذ الأمل والجمال أمام الفئات الهشة والمهمشة. كما تبرز أهمية الأنشطة الموازية الموجهة للأطفال والجمهور المحلي، بما يؤكد حرص إدارة المهرجان على ترسيخ الثقافة السينمائية داخل المجتمع، وربط الأجيال الجديدة بالفن السابع باعتباره أداة للتربية الجمالية والتكوين الثقافي.
وفي سياق اهتمامه المتواصل بالتكوين، تخصص الدورة السادسة والعشرون مجموعة من الورشات التكوينية لفائدة الشباب والمهنيين، تشمل مجالات أساسية في الصناعة السينمائية، من بينها إدارة التصوير، والمونتاج الرقمي، وإنجاز الفيلم القصير ذي الطابع التربوي، إضافة إلى ورشة “نظرات شابة، مواهب المستقبل”، التي تراهن على اكتشاف الطاقات السينمائية الجديدة وصقل حسها الإبداعي. وتؤكد هذه الورشات أن مهرجان خريبكة لا ينظر إلى السينما باعتبارها منتوجاً جاهزاً فقط، بل باعتبارها مساراً للتكوين والتعلم والتراكم، وهو ما يجعله فضاءً حقيقياً لاكتشاف المواهب الإفريقية الشابة، ومختبراً لصناعة المستقبل السينمائي للقارة.
ومن جهة أخرى، تشكل “لقاءات منتصف الليل” إحدى الفقرات الرمزية التي تمنح للمهرجان خصوصيته الإنسانية والحميمية، حيث تتحول السينما إلى موضوع للحوار الحر والتبادل الثقافي بين الضيوف وعشاق الفن السابع، بعيداً عن الرسميات والبروتوكولات. إن المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة لم يعد مجرد تظاهرة سينمائية عابرة، بل أصبح مؤسسة ثقافية قائمة الذات، وذاكرة جماعية للسينما الإفريقية، ومنصة حقيقية للدفاع عن الصورة الإفريقية داخل العالم. كما أن استمراره على مدى تسعة وأربعين عاماً يعكس قوة المشروع الثقافي الذي يحمله، والدعم المؤسساتي الذي يحظى به من شركائه الاستراتيجيين، وعلى رأسهم المجمع الشريف للفوسفاط، والمركز السينمائي المغربي، والخطوط الملكية المغربية، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، إلى جانب مختلف المؤسسات الترابية والاقتصادية.
وفي ظل التحديات التي تواجهها السينما الإفريقية اليوم، سواء على مستوى التمويل أو التوزيع أو التحولات الرقمية، يظل مهرجان خريبكة واحداً من الفضاءات القليلة التي ما تزال تؤمن بأن السينما الإفريقية قادرة على إنتاج خطابها البصري الخاص، وعلى إعادة كتابة صورة إفريقيا بعيداً عن الصور النمطية والتمثلات الجاهزة. إن الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة ليست فقط احتفاءً بالسينما، بل هي احتفاء بإفريقيا نفسها؛ بتاريخها وأسئلتها وأحلامها وصورتها وهي تعيد اكتشاف ذاتها عبر الفن والجمال والذاكرة. ولذلك يظل هذا الموعد السينمائي العريق واحداً من أهم الجسور الثقافية التي تربط شعوب القارة ببعضها البعض، وتفتح أمام السينما الإفريقية أفقاً جديداً نحو مزيد من الإشعاع والحضور الكوني.
مهرجان خريبكة: من تظاهرة سينمائية إلى مؤسسة ثقافية إفريقية:
لقد استطاع هذا المهرجان، عبر مساره الطويل، أن يتحول من تظاهرة سينمائية محلية إلى فضاء ثقافي إفريقي واسع التأثير، بفضل اختياراته الفكرية والفنية التي ظلت وفية للسينما الإفريقية وقضاياها الجوهرية. فالمهرجان لم ينجرف نحو النزعة الاستعراضية التي أصبحت تميز بعض المهرجانات العالمية، بل ظل متمسكاً بروحه الثقافية القائمة على الحوار والتكوين والانفتاح.
ثم إن القيمة الحقيقية لهذا المهرجان تكمن في كونه لم يختزل السينما في بعدها الترفيهي فقط، بل تعامل معها باعتبارها خطاباً حضارياً قادراً على مساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي داخل القارة الإفريقية. ولذلك تحولت خريبكة، عبر هذا الموعد السنوي، إلى ملتقى للمبدعين والنقاد والباحثين والمهنيين والجمهور، وإلى مختبر ثقافي مفتوح تتقاطع داخله التجارب السينمائية الإفريقية بمختلف حساسياتها اللغوية والجمالية. ولعل من أبرز ما يمنح المهرجان خصوصيته داخل المشهد السينمائي الإفريقي، هو هذا الإصرار على جعل السينما أداة للتقارب بين الشعوب الإفريقية، ومنصة للحوار الثقافي العابر للحدود. فإفريقيا، رغم ما يجمعها من ذاكرة مشتركة وتجارب تاريخية متقاربة، ما تزال تعاني من ضعف التواصل الثقافي بين شعوبها، وهنا تبرز أهمية مهرجان خريبكة باعتباره جسراً رمزياً يربط شمال القارة بجنوبها وشرقها بغربها، عبر لغة الصورة والخيال والإبداع.
الدورة السادسة والعشرون: احتفاء بالسينما الإفريقية وتحولاتها:
تأتي الدورة السادسة والعشرون للمهرجان لتؤكد هذا الامتداد التاريخي والثقافي، من خلال برنامج غني ومتعدد الأبعاد يجمع بين المسابقات السينمائية والندوات الفكرية والورشات التكوينية والأنشطة الموازية. وهي برمجة تكشف أن إدارة المهرجان لا تنظر إلى السينما باعتبارها مجرد صناعة للصورة، بل باعتبارها مجالاً للتفكير والتكوين والتفاعل الثقافي. وتكتسي المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة والقصيرة أهمية خاصة، لأنها تتيح للجمهور المغربي والإفريقي فرصة الاطلاع على أحدث التجارب السينمائية بالقارة، بما تحمله من تنوع جمالي وأسلوبي وفكري. فالسينما الإفريقية اليوم لم تعد سينما الهامش كما كان يُنظر إليها سابقاً، بل أصبحت تمتلك لغتها البصرية الخاصة، وأسئلتها الجمالية المعقدة، وقدرتها على تمثيل التحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية التي تعرفها المجتمعات الإفريقية.
كما أن اختيار شخصيات سينمائية وثقافية بارزة للإشراف على لجان التحكيم يعكس رغبة المهرجان في ضمان تعددية الرؤى النقدية والجمالية، بما يمنح للأفلام المشاركة فرصة حقيقية للتقييم الموضوعي والحوار الفني العميق. فحضور أسماء تنتمي إلى دول وثقافات إفريقية متعددة يؤكد البعد القاري للمهرجان، ويجعل من لجان التحكيم فضاءً للتفاعل الثقافي والفني بين مختلف التجارب.
البعد الفكري والتكويني للمهرجان:
لا تقتصر أهمية مهرجان خريبكة على عروض الأفلام فقط، بل تتجلى أيضاً في دوره الفكري والتكويني. فالندوات الفكرية والموائد المستديرة التي تنظم ضمن فعاليات الدورة السادسة والعشرين تشكل فضاءات حقيقية للتفكير في قضايا السينما الإفريقية وتحولاتها الرقمية وأسئلتها الجمالية والاقتصادية. وفي عالم أصبحت فيه السينما مرتبطة بشكل متزايد بالمنصات الرقمية والتقنيات الحديثة، يطرح المهرجان أسئلة جوهرية حول مستقبل الصورة الإفريقية، وحول قدرة السينما بالقارة على الحفاظ على هويتها الثقافية وسط العولمة البصرية الجارفة. وهذا ما يمنح للمهرجان بعداً استشرافياً يجعله فضاءً للتفكير في مستقبل السينما الإفريقية وليس فقط في حاضرها.
كما أن تنظيم الورشات التكوينية لفائدة الشباب والمهنيين يعكس وعياً عميقاً بأهمية الاستثمار في التكوين وصناعة الأجيال الجديدة من السينمائيين الأفارقة. فالتكوين في مجالات إدارة التصوير والمونتاج وإنجاز الفيلم القصير وغيرها، لا يمثل مجرد نشاط موازٍ، بل هو جزء من مشروع ثقافي متكامل يسعى إلى خلق دينامية سينمائية إفريقية جديدة قائمة على المعرفة والخبرة والتجريب. وتكتسي ورشة “نظرات شابة، مواهب المستقبل” دلالة رمزية خاصة، لأنها تعبر عن إيمان المهرجان بضرورة منح الشباب الإفريقي فرصة التعبير عن رؤيته الخاصة للعالم، وعن حقه في صناعة صورته بنفسه بعيداً عن الصور الجاهزة والمستهلكة.
السينما بوصفها فعلاً إنسانياً:
ومن الجوانب المضيئة أيضاً في تجربة مهرجان خريبكة، هذا البعد الإنساني الذي يتجلى في برمجة عروض سينمائية داخل المؤسسات السجنية، وفي الأنشطة الموجهة للأطفال والجمهور المحلي. وهي مبادرات تؤكد أن المهرجان لا ينظر إلى السينما كامتياز نخبوي، بل كحق ثقافي وإنساني ينبغي أن يصل إلى الجميع. فالسينما، في عمقها الحقيقي، ليست مجرد شاشة للفرجة، بل هي وسيلة لإعادة اكتشاف الذات والآخر، وأداة لبناء الحس الجمالي والوعي النقدي. ولذلك فإن تقريب الفن السابع من الفئات الهشة والمهمشة يحمل دلالة ثقافية وإنسانية كبيرة، ويعكس إيمان المهرجان بالدور التربوي والاجتماعي للفن. كما أن “لقاءات منتصف الليل” التي أصبحت من الطقوس الرمزية للمهرجان، تمنح لهذا الموعد السينمائي بعداً إنسانياً وحميمياً خاصاً، حيث تتحول النقاشات السينمائية إلى لحظات للتبادل الحر بين المبدعين والجمهور.
إن المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة ليس مجرد موعد فني موسمي، بل هو ذاكرة ثقافية إفريقية حية، ومؤسسة حضارية استطاعت عبر ما يقارب نصف قرن أن تدافع عن صورة إفريقيا، وأن تفتح للسينما الإفريقية فضاءات جديدة للحضور والإشعاع والتأثير. ولقد نجح هذا المهرجان في تحويل مدينة خريبكة إلى عاصمة رمزية للسينما الإفريقية، وإلى فضاء للحوار الثقافي والتفاعل الإنساني، كما نجح في ترسيخ فكرة أساسية مفادها أن السينما ليست ترفاً جمالياً، بل هي شكل من أشكال المعرفة والمقاومة وإعادة كتابة الذات. وفي ظل عالم يزداد انغلاقاً وتفككاً، تظل مثل هذه المهرجانات الثقافية الكبرى ضرورية لإعادة بناء الجسور بين الشعوب والثقافات، وللدفاع عن حق الإنسان في الحلم والجمال والاختلاف. ولذلك فإن الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة ليست فقط احتفاءً بالأفلام، بل هي احتفاء بإفريقيا نفسها وهي تواصل البحث عن صورتها داخل مرآة الفن والذاكرة والإنسان.
