www.alhadattv.ma
* عبد السلام انويكًة
حاضرة تازة تاريخيا وتراثيا هو التوصيف الرمزي الذي ينسجم مع ماضيها ومكانتها منذ مغرب العصر الوسيط، كغيرها من مدن البلاد العتيقة التي كانت بدور من الأدوار عبر زمنها، والذي جعلها بما هي عليه من زخم أثر مادي ولا مادي شاهد، من قبيل فاس ومكناس وسلا ومراكش وتطوان وسبتة وغيرها. انما حال تازة العتيقة الآن ضمن خريطة مدن المغرب التاريخية، يبدو أنه لم يعد يسمح بنعتها بـ”الحاضرة”، لكون هذا الوصف لم يتبق منه سوى رمزية اسم لا غير. إذ كل شيء تقريبا من أثاث تراثها بات لا يعكس ثقل حمولة معنى كلمة “حاضرة”، وفق ما ينبغي من خلفية تاريخية إنسانية حضارية مؤطرة، نظرا لِما شهده مجالها العتيق منذ على الأقل ربع قرن، من تدهور حال يخص ما هو حماية وتثمين واعادة اعتبار وتبصر رؤية….
وخلافا لِما هو كائن لدى مثيلاتها بربوع البلاد، يظهر أن تازة العتيقة دون ما ينبغي من استفادة من ذاكرتها لبلوغ منشودها من تنمية تراب ومن ثمة ثروة، بحيث لم تنجح بعد في لا فهم ولا دمج موارد زمنها التاريخي ضمن ما هو مناسب رافع من ورش لفائدة مجالها العتيق (تازة العليا)، اسوة بتجارب حال بمدن مغربية أخرى باتت ذات بصمة وصدى غير خاف. ولعل واقع المدينة هذا كان بأثر عليها من حيث ما ينبغي من دينامية، بنفس ما يطبع مثلا إيقاع مجال تطوان العتيق ومعها ايضا طنجة والرباط مراكش وسلا ومكناس والصويرة وغيرها. ويتبين أنه إذا كان الجزء الأصيل من مدن المغرب التاريخية، هو أحد مداخل جاذبيتها وبصمتها وعلامتها التجارية، بل جزء بقدر كبير من الأهمية في ثروتها ودينامية جميع فصولها، فواقع تازة عكس ذلك عندما باتت بركود مخيف عمر لسنوات ولا يزال إلى حين. وغير خاف أن واقع المدينة هذا، كان بأثر ليس فقط على مستوى ما افتقدته من حركية تجارية وحرفية وترفيهية وغيرها، إنما أيضا على انحسارها فضلا عن ضعف تردد إقبال على مجالها العتيق، نظرا لضعف إشعاع مرافقها وتدهور حال منشآتها الاثرية من أبواب وأضرحة وزوايا ومدارس وحصون وأسوار وأبراج وخنادق تاريخية محيطة. فضلا عما كان بها من مكون منشط ليومياتها ومن خلالها لحياة دروب وأزقة وفضاءات من قبيل ما كان الى عهد قريب من أفرنة وحمامات وفنادق تاريخية على علة هشاشتها، ناهيك عن أمكنة بقدر من الرمزية الترابية الثقافية الانسانية من قبيل رحبة السمن ورحبة الغزل ورحبة الصوف ورحبة الزرع ورحبة الثمور ..، فضلا عن تجمعات حرف وحرفيين برمزية تنظيم مجالي خاص، من قبيل النجارين والقزدارين والخرازين والخياطين والعطارين والقطانين وغيرها، دون نسيان ما كان بالمدينة العتيقة من تقاطع أنشطة وتناغم جوار جاذب مؤثث إلى عهد قريب.
ولا شك أن فقدان هذا وذاك من غنى المدينة الرمزي، كان بأثر في ضعف جاذبية ومن ثمة ما هناك من هشاشة تسببت فيما تسببت من هجرة صوب إما المدينة الجديدة تازة السفلى أو بعيدا باتجاه مدن كبرى، بحيث يسجل أن عددا معتبرا من أسر تازة التي ارتبطت بالمدينة العتيقة، شدت رحالها بشكل نهائي صوب مدن أخرى من قبيل الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس وغيرها. ولعل بقدر ما هناك من أسباب كانت وراء الظاهرة من قبيل ما باتت عليه المدينة من تراجع على أكثر من مستوى، بقدر ما يسجل من عجز نخب محلية فيما ينبغي من ترافع من اجل مدينة عتيقة وتوازن واعتبار. بحيث يتبين أن ما هناك من نخب باتت بلا دور ولا أثر في مشهد المدينة، مكتفية بفرجة وتفرج وبكائيات الى حين. دون نسيان ما تم تفويته عن المدينة العتيقة/ تازة العليا من فرص تنمية منذ عقود من الزمن، ذلك الذي جعلها بتراجع مستدام إن صح هذا التعبير، لِما يسكنها من ركود على أكثر من صعيد. وكأن الحظ لم يحالفها بعد من أجل رؤية واجراء من شأنه بعث الروح فيها، وتغيير صورتها وطبيعة حركيتها مثلما حصل في مدن عتيقة مغربية أخرى بات مصدر جزء من ثرائها مجالها الأصيل التاريخي. لتظل مآثر تازة بنوع من الإهمال لدرجة انهيار بعضها أمام أعين الجميع (سور باب الجمعة، معلمة باب الريح، أضرحة أولياء وصلحاء، تدهور أبراج وحصون كما حصل مع الحصن السعدي “البستيون”، غمر الخندق التاريخي المريني بالنفايات والاتربة في مشهد مقزز ولا حياة لمن تنادي ..). واقع بقدر ما لا يحفز على أي ورش ولا حديث عما هو تنمية سياحية، بقدر ما يعكس واقع ذاكرة مدينة تاريخية واحوالها.
ولعل المدينة باتت مساحة متفرجين من كل الطيف على ما هناك من حال تدهور باتت عليه تازة العتيقة، باستثناء صوت ثلة حقوقية واعلامية وجمعوية استهدفت بسبلها المتاحة، لفت العناية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر مساءلة ادبية لمن يهمهم أمر تراثها وثقافتها وحماية مبانيها الأثرية، وعبر ما ينبغي من رصد وتتبع وتنبيه وفق المنوط بهم. وهنا ما يسجل على المديرية الإقليمية للثقافة بها من تقصير ولامبالاة بواقع المدينة الأثري خلال السنوات الأخيرة، حيث تظهر وكأنها غير معنية بما ينبغي من انخراط في حماية تراثها. ومن باب التذكير فقط لم تكن بأي دور عملي ترافعي داعم، لوقف ما حصل من خرق وهجوم اسمنتي غير قانوني على حصن “البستيون” السعدي، الذي لم يكن يبعد عن مقرها السابق سوى بأمتار معدودة. خلافا لِما كانت عليه الوكالة الحضرية من موقف حرصت عبره على حماية تراث تازة، وحماية هذه المعلمة الأثرية التاريخية التي تعود لقرون. وكأن حصن البستيون هذه المعلمة المتفردة بالنسبة لمديرية الثقافة محليا، لم يكن مرجعا ضمن ما أدرج في ملف تصنيف تازة تراثا وطنيا.
ختاما جدير بالإشارة لِما كان لبعض الإعلام وفعل المجتمع المدني المحلي فضلا عن غيورين وتفَهمِ مرافق عمومية، كانت بما كانت من وقفة صوب موقع البستيون الأثري منصفة إياه في آخر لحظة. معلمة بقدر ما كانت معرضة لمصير مجهول بقدر ما لم تحرك مديرية الثقافة ساكنا ذات يوم من أمس قريب، علما أن من مهمتها حماية التراث بقوة القانون. والشيء بالشيء يذكر كما يقال، قطاع الثقافة بتازة خلال السنوات الأخيرة بقدر ما لم يكن بما ينبغي من حرص على معالم تازة الأثرية التي شهدت ما شهدت من تدهور غير مسبوق، بقدر ما لم تحفظ لتازة على الاقل ما كانت عليه من اثاث ثقافي ابداعي كان يضرب به المثل، وما كانت عليه المدينة من تقاليد تنشيط سنوي بمعالم ثقيلة شافية. لدرجة ما يبدو من تشتيت لِما تم بناؤه ثقافيا بها عبر عقود من الزمن، ولدرجة أن مساحة معبرة من مثقفين ومبدعين ورأي عام محلي، بات بحنين لإشعاع ماضي تازة الذي بات في خبر كان.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث
