(مدرسة) الجامع الأعظم بتازة .. أية معلومة وتأسيس واعتبار؟

www.alhadattv.ma

* عبد السلام انويكًة

أكثر من كونها أثر حضارة وذاكرة محلية، هي دعامات بقدر كبير من الأهمية للتراث الوطني والانساني، تلكم هي معالم تازة التاريخية وإرثها الذي يقتضي مزيد التفات وانصات من اجل مزيد اجراءات على أكثر من مستوى حفظا له وحماية. لدرجة حاجة المدينة لنداء / لقاء جامع لأطراف مؤطرة ذات صلة، من قبيل وزارة الثقافة، منظمة اليونيسكو، اللجنة المحلية التقنية التي اشتغلت على ملف تصنيف تازة تراثا وطنيا منذ سنوات، فضلا عمن يمكن أن يسهم من موقعه في الاغناء عبر رأي ومقترح وقراءة..الخ. مع أهمية الاشارة لِما يسجل خلال العقدين الأخيرين من وعي مؤسسي رافع واشتغال وعناية غير مسبوقة بالتراث إن بالمغرب أو على صعيد العالم، في أفق ما ينبغي من مزيد تأطير وحفظ ودراسات وتنمية مندمجة. ولعل من شأن ما هو متوفر من سبل محليا، ابراز وحماية ما هناك من تراث متنوع (أبواب، اسوار، خزانة علمية ومخطوطات، منبر اصيل، ثريا متفردة، مدارس، معالم روحية صوفية، نقائش تأسيسية وتحبيسية.. شفويات ثقافية..). ولعل مجال تازة العتيق (تازة العليا) بزخم أثري بقدر ما يحكي عن زمن المدينة منذ العصر الوسيط، بقدر ما ينتصب هنا وهناك شاهدا موثقا لملاحمها وأعلامها وأمجادها ووقائعها ومن ثمة لتاريخ موغل في القدم. تراث بمستويات أهمية وتنوع وتفرد، منها فضلا عما هو تحصيني دفاعي وديني صوفي وسياسي ..، ما هو علمي تربوي تعليمي ممثلا في مدارس تاريخية اصيلة ودور إيواء للطلبة كانت بما كانت من عناية سلطانية واشعاع.
وغير خاف عن مهتم بتراث تازة وتاريخها، أن من عمارتها العلمية التعليمية التربوية عن دولة بني مرين حيث العصر الوسيط، نجد المدرسة الحسنية نسبة لأبي الحسن المريني الذي أسسها أيام ولايته للعهد سنة 724 هـ وفق إفادة ابن مرزوق التلمساني قائلا: ” فأنشأ بمدينة تازى قديما (أبي الحسن المريني) مدرستها الحسنة “، ووفق ما يستشف من لوحة خشبية بإفريز بابها وقد كتب عليها بخط مغربي بيتين شعريين كما يلي:  لعمرك ما مثلي بشرق ومغرب .. يفوق المباني حسن منظري الحسن .. بناني لدرس العلم مبتغيا به.. ثوابا من الله الامير أبو الحســن. ويسجل أن هذه المدرسة التي تتوسط فضاء مشور تازة الشهير كانت بمرافق خدمات، وأنها على مسافة من جامع المدينة الأعظم وليست بجانبه. مع أهمية الاشارة الى أن مدرسة تازة المرينية الحسنية هذه، جمعت بين مهمة التربية والتعليم وبين إيواء الطلبة وكانت بايقاع ومناخ تربوي شكلا ومضمونا وممارسة وخلفية فكرية، ما تحدث وأفاض عنه الأستاذ القبلي حول قضية المدارس المرينية وما هناك من ملاحظات وتأملات.
وعن الأثر المادي العلمي التربوي التعليمي بتازة أيضا، ما يخص (مدرسة) نعتها البعض ب” المدرسة اليوسفية” نسبة للسلطان المريني يوسف بن يعقوب. وفي هذا المستوى لا أعتقد وليس هناك ما يفيد حول كونها بنيت بشكل مواز مع بناء الجامع الأعظم بالمدينة (الجزء المريني)، علما ايضا أن صاحب روض القرطاس “ابن ابي زرع” المعاصر للحدث لم يذكر أي شيء يخص هذه (المدرسة)، فقط ما أورده حول جامع تازة الأعظم لا غير، مشيرا الى أنه في رمضان من سنة 687 هـ غزا السلطان يوسف بن يعقوب مدينة تلمسان وحاصرها، وأنه انطلاقا منها توجه برسم الجهاد صوب بلاد الأندلس، وانه خلال سيره وسبيله نزل في حصن “يحيا” ؟ لافتا الى أنه المكان الذي بني فيه جامع تازة. وأنه خلال نفس شهر رمضان من نفس السنة، حاصر مدينة طريف حتى تمكن منها في شهر شوال سنة 691هـ، ولم يذكر أنه بجوار أو قبالة هذا الجامع بنيت مدرسة حتى نسميها “المدرسة اليوسفية”. وعليه، كل حديث عن هذه الأخيرة (مدرسة يوسفية) يبقى دون تأسيس ولا سند علمي، كما أن ما ورد حول عناية المولى الرشيد بها (حتى نسميها المدرسة الرشيدية ؟) عندما اختار تازة منطلقا لتوحيد البلاد، يبقى أيضا دون سند علمي ولا تأسيس معرفي تاريخي.
ونسجل أن مما كان بأثر فيما حصل من ليس طبع موضوع مدارس تازة التاريخية زمن دولة بني مرين، ما جاء عند الحسن الوزان في مؤلفه “وصف افريقيا”، عندما أشار الى أن المدينة تحتل الدرجة الثالثة في البلاد من حيث المكانة والحضارة، وأن بها جامع أكبر من جامع فاس وثلاث مدارس وحمامات وفنادق وأسواق منتظمة. ماذا عن هذه المدارس الثلاث من حيث مواقعها وخصوصيتها لم يذكر أي شيء؟. والى جانب المدرسة الحسنية المرينية بمشور تازة التي لا جدل حولها بقوة الإفادة التاريخية المصدرية، هناك حديث عن (مدرسة) انملي نسبة لواد أنملي خارج أسوار تازة من جهة الشرق، وقد وردت بين هذا وذاك من مهتمين باسم المدرسة العنانية نسبة لمؤسسها السلطان ابي عنان المريني؟. واعتقد أن المقصود هنا ليس المدرسة إنما الزاوية التي عرفت في خريطة العمارة الدينية لدولة بني مرين بزاوية أنملي. وقد بنيت في مدخل تازة من الجهة الشرقية على ضفة واد انملي الذي كان ينبع من عين أنملي لتوفر عنصر الماء وجريانه، شأنها شأن باقي الزوايا التي أقامها هذا السلطان في عدد من المدن المغرب التاريخية من قبيل فاس وسلا وسبتة …
ما أريد الإشارة إليه عن عمارة تازة التربوية التعليمية التاريخية زمن دولة بني مرين، تحديدا ما يخص منها (المدرسة) التي سماها البعض ب(اليوسفية) وكذا (الرشيدية)، البناية التي توجد قبالة الباب الرئيسي للجامع الأعظم بتازة ولعلها مثبتة بأعمدة في جنباتها منذ سنوات وسنوات. بناية بحسب الاشارات التاريخية وما يستشف منها، كانت إقامة لإيواء الطلبة الذين كانوا يتلقون دروسهم بالجامع الأعظم. وأن ما ورد عنها من قبل الوزير الاسحاقي في مذكرات رحلته الحجية عندما زار تازة رفقة خناتة بنت بكار زوجة السلطان المولي إسماعيل أواسط القرن الثامن عشر، لم يكن يقصد به مدرسة مجاورة للجامع الأعظم وهي المدرسة التي ربما لم تكن موجودة آنذاك، بل كان يقصد بإشاراته المدرسة المرينية الحسنية التي بالمشور، بدليل حديثه عن أبيات شعرية منقوشة على بابها والتي لا تزال لحد الآن بارزة كما سبقت الاشارة لذلك في افريز بابها. ونعتقد بدليل ما جاء في مصادر تاريخية مغربية، أن البناية الأثرية المغلقة حاليا والمقابلة لباب جامع تازة الرئيسي شيدت لاحقا، فقد ورد أن السلطان محمد بن عبد الله بنى بتازة مدرسة بجامعها، نفسها الاشارة التي تستشف من مصادر أخرى عما عرف به هذا الأخير من تشييد وإصلاح، وقد يكون ما حصل بتازة في عهده ترميم لبناء ما كان قائما. ولا أريد الوقوف على ما جاء عند “فوانو” في تقريره “تازة وغياتة” لفائدة الشؤون الأهلية التابعة للإقامة العامة الفرنسية بالمغرب زمن الحماية، وقد ذكر أن بناء هذه المعلمة الأثرية كان سنة 1764م ؟، وحتى ما ورد من اشارات ذات صلة في دراسة أثرية حديثة حول تازة، تقول أن هذه (المدرسة) لم تكن سوى دار إقامة للطلبة الذين كانوا يتابعون دراستهم بجامع المدينة الأعظم، وأنها بناية كانت ملحقة بهذا الجامع، وأن عمارتها ومرافقها لا يظهر منها انها كانت مرفقا بدور تعليمي، وحتى المصادر التاريخية التي تحدثت عن جامع تازة الأعظم، لم تفد بأي شيء حول هذه (المدرسة) التي الآن مجرد اطلال.
يذكر أن إقبال دولة بني مرين على العمارة العلمية التعليمية في مغرب العصر الوسيط، جاء لاعتبارات عدة فكرية وسياسية. وأن ما أحدث من مدارس هنا وهناك من مدن البلاد كما تازة أحيط بعناية سلطانية خاصة ضمانا لاستمراريتها، فضلا عما خصص لها من أحباس لتوفير كلفة خدماتها وأجور أساتذتها وإقامة وايواء طلبتها .. وعليه ما طبعها من اشعاع وصدى علما أنها كانت مجانية. ويبقى ختاما أهمية الإشارة لما شهدته الحركة العلمية والتعليمية من انتعاش زمن حكم السلطان محمد بن عبد الله للمغرب نهاية العصر الحديث (ق18 م)، فضلا عما خصه من عناية بالعلم ورعاية للعلماء والفقهاء والمؤسسات التعليمية وبرامجها. بحيث في جولاته داخل البلاد كان حريصا على تفقد أحوال التعليم والعلماء والمدارس واقامات الطلبة ومجالس العلم، لدرجة أنه أصدر مرسوما خاصا بإصلاح التعليم سنة 1789، وأن غيرته على العلم والعلماء والتعليم جعلته يعرف ب”السلطان العالم”، وقد يكون ضمن هذه الدينامية والايقاع السلطاني جاء إحداث (مدرسة) إقامة جامع تازة الأعظم للطلبة، التي كان ينبغي أن تكون ضمن ورش الترميم والتأهيل الذي يشمل محيطها (الجامع الأعظم)، من اجل رد الاعتبار لها ولقيمتها التراثية الرمزية فضلا عن حسن استثمارها خدمة لما هو تنمية ترابية محلية مندمجة.

رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا