بين تازة والعيون مسافة وطن..

www.alhadattv.ma

عبد السلام انويكًة
باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس

أسس فزيائية وبشرية عدة تلك التيانبنت عليها استراتيجيةالتوغل الاستعماري في المغرب مطلع القرن الماضي،ولعلها أسستباينت أهميتها في المجال المغربي من منطقة لأخرى. فعلى مستوى ممر تازة الشهير بوابة شرق البلاد على غربها،تأسست عناية الأطماع الفرنسيةبهعلى ما كان عليه من أدوار طلائعية فيما شهدته البلاد من وقائععبر التاريخ،والى جانب ما يطبعهذا الممر من تفردموقع وبنية جبال ومجاري مائية، فقد استوطنته قبائل بتقاليد حربية جعلتها دوماً بردود فعل كلما دعت أحوال البلاد الأمنية والسياسية.

فعلى إثر ما شهدته تازةوالمغرب الشرقي عموماً من تطورات منذ أواخر القرن التاسع عشر، تقوت رغبة هذه القبائل في مواجهة الأطماع الأجنبية،مما سمح وأفرز زعامات أبانت عن نفوذ محلي فقادت مقاومة أجبرت القوات الفرنسية على إعادة النظر في خطط توغلها ومواردها وفترات عملياتها.ولم يكن البعد الديني غائباً لدى هذه القبائل والزعامات بل بأثر في شعور بواجب جهاد والتفاف وتجاوز للخلاف.
شروط وغيرها سمحتبثقة قبائل المنطقة في زعامات، كلما كانت تظهر بعدم انسياقها مع تقصير المخزن في الجهاد وتهديدها وعرقلتها للاحتلال، كلما كان نفوذها المعنوي يتقوى ويتقوى معه نزوع المقاومة. وهو ما جعلالإقامة العامة الفرنسية تحيط الوضع بكثير من التتبع الاستعلامي،لإضعاف من كانت تعتبرهم آليات عصيان وفتيل مقاومة ومصدر خطرعلى البلاد واستقرارها.

وإذا كانت ألمانيا قد اعتبرت الزعامات التي أفرزها الوضع الجديد أداة لإضعاف فرنسا عبر دعمها سياسياً ومادياً، فقد اختارت هذه الأخيرة نعت هؤلاء بالمنشقين والمتمردين. سياق كان فيه ليوطي بتخوف كبير من وحدة القبائل محلياً وتجاوزها لنزاعاتها تحت نفوذ هذه الزعامات، وعليه استهدفت قواته تقسيمها بشكل ممنهج ببث الفرقة بينها. ونذكرمن زعامات المقاومة لهذه الفترة بهذا المجال حيث تازة وممرها،الفقيهالشنقيطي(محمد المامون) منذ 1910، والذي بعد فترة له بفاس انتقل الى تازة في طريق عودته الى الصحراء فحصل تأثره بأهلها وقبل بالتدريس بها ومقاومة الأطماع الأجنبية منها.

وعلى إثر اصابة الفقيه الشنقيطيبجروح في إحدى عملياته بالمنطقة 1913،تمت مبايعته سلطانا للجهاد من قِبل قبيلة غياتة واكًزناية وبني وراين ومطالسة والبرانس والتسول…،فكان يوقع رسائله ب.”سلطان ملوية وتازة والنواحي”. وللاشارة فقد تحمل الشنقيطي مهمة الجهاد بإيعاز من الزاوية الدرقاوية بتازة،مما يدل على ما كانللصوفية من دور جهادي بالمنطقة، والتي لم تكن أنشطته فيها غائبة عن سلطات الحماية، فقد تحدثت صحافتها عما كان عليه من التفاف قبلي وشعبية واصفة إياه بالفتان المتلقيللدعم من جهات أجنبة.

وبخلاف ما كان يروج ويروج له حول وفاته أقام الشنقيطي بتازة منذ ماي1913، وخوفاً من الثورة عليه دخل في مفاوضات مع اسبانيا بقصد اللجوء إليها. وكانت فرنسا تأخذ أنشطته بجدية كبيرة لمِا كان يقوم به في إعداد القبائل للمقاومة، فقد أوردت أنه رفع ضريبة الحرب على القبائل وسرح قوات أتباع من ثمانية آلاف واجهها الجنرال Alix في ماي1913، محتفظاً فقط ب800 فارس ومعتمداً على وعوده في الانتصار لكسب ثقة قبائل المنطقة. وكانت الأوساط الفرنسية قد تلقت خبر إلتفاف قبائل تازة حول الشنقيطي بأسف شديد، وهو ما اعتبرته خطراً حقيقياً وخاصة مع دعم الزاوية الدرقاوية له. ونظراً لمِا كان عليه الشنقيطي من أخلاق ومعرفة فقد اعتُمِد في توجيه وإرشاد القبائل من خلال التحكيم بينها، وبعد مبايعته استقبلته قبيلة مطالسة واكًزناية وولاد بوريمة ومغراوة في منطقة سيدي بلقاسم. وعندما انضمت إليه كافة قبائل تازة دفعته لمواجهة القوات الفرنسية للتأكد منه.

وقد تمكن الشنقيطيبتازة وأعاليهامن تكوين قوات عن قبيلة مطالسة وولاد بوريمة واكًزناية، فضلا عن انضمام قبائل البرانس واتسول وغياتة اليه التي قبلته زعيماً لمِا حققه من انتصارات، فبايعته على تازة التي اتخذها عاصمة واختاربها أحمد بنصاري خليفة بناء على ما تميز به من دهاء ونفوذ، مستفيداً من تجربته مع الفقيه الزرهوني كأحد أهم مرافقيه. ومنذ ربيع 1913 واجه الشنقيطي القوات الفرنسية شرق تازة ضد فرق الجنرالAlix و Trumelet FaberوGirardot، ونظرا لعدم تكافؤ قوة القتال تعرضالشنقيطي لهزائم أضعفت من موقعه الاعتباريليضطر على اثرها للعودة الى تازة في غشت من نفس السنة.

وكانت التعبئة الفرنسية وحشد الجنود وآلاف المغاربة للقتال بأروبا بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى. بأثر كبير في إضعاف قدراتها وإفراغ مناطق حديثة الاحتلال بالمغرب. ما استغلته ألمانيا لتحريض القبائل وخلق الاضطراب خاصة على الحدود بين منطقتي النفوذ الإسباني والفرنسي، بواسطة متعاونين كان الشنقيطي أحدهم متلقياً دعمهالدفع القبائل للمقاومة طيلة هذه الفترةوإلى غاية1925.

وعندما قرر مواجهة التوغل الإسباني والفرنسي سقط أسيراً وأخلي سبيله من طرف الفرنسيين بعد إعلان الأمان، ليستقر مجدداً بتازة سنوات الثلاثينات قبل اتخاده قرار العودة الى الجنوب. وبسبب دعم قبيلة البرانس له ومهاجمتها لقوافل تموين عند مرورها بواد لحضر الشهير بالمنطقة، قامت القوات الفرنسية بحملة ضدها 1915 سمحت للعقيد Bilaux ببلوغ الجبال ما بين مكناسة الفوقية والتحتية. لكن معاناة قواتها من الجنود السينغاليين بسبب شدة البرد والأمطار كانت بأثر كبير على توقف العمليات.
في الوقت الذي كانت فيه القوات الفرنسية بصدد استراتيجية دفاعية لأسباب سياسية، تعرضت إحدى قوافلها العسكرية بين تازة وواد أمليل خلال يناير من نفس السنة، لهجوم من قِبل الشنقيطي قرب واد لحضر ترتبت عنه خسائر بشرية في القوات الفرنسية، بل انعدم الأمن منذ بداية التوغل الفرنسي بالمنطقة بسبب ما أثاره الشنقيطي وأتباعه من رعب. ليظل متنقلا بين قبائل هذه الأعالي محرضاً على الجهاد ومعتمداً على خطة استنزاف مؤثرة على توغل القوات الفرنسية باتجاه تازة، مما دفع هذه الأخيرة لتغيير استراتيجية تدبيرها للوضع باستقدامهالضباط أكثر تجربة. وبعد احتلال تازة ولوقف جيوب المقاومة قام الجنرال بومكًارتن بحملة عسكرية بشمال تازة، استهدف بها تخريب قواعد الشنقيطي بمنطقة عين كرمة وتشتيت أتباعه.

وفي رسائل منسوبة لمولاي عبد الحفيظ يظهر ما كان عليه من أمل كبير في عودته للمغرب من جديد، لِما كان له من اتصال بزعامات المقاومة بجميع جهات البلاد. ومن سؤال عن أحوال البلاد والمقاومة والقبائل كما في تازة وخاصة الشنقيطي الذي كان على اتصال بالألمان. والاستخبارات الفرنسية التي قللت من أهميته هذا الأخير لمِا كان عليه من نفوذ عند القبائل، بقدر ما تحدثت عن أهمية الحذر من شدة الأخطار بقدر ما قالتبعدم وجود حماس بينه وبين القبائللتنظيم هجمات على قواتها. بل قالتبأن قبيلة اتسول كانت بموقف مساعد في حماية قوافلها بين واد أمليل وتازة. وكانتمقاومة الشنقيطي وراء ما برمجته القوات الفرنسية من عمليات عسكرية، كتلك التي قادهاDerigoin بواسطة فرقة تازة المتنقلةتلك التي توجهت لمنطقة أحمد زروق بقبيلة البرانس شمالاً.

و”الشنقيطي” الذي يشكل مشتركاً وطنياً بين تازة والصحراء ذاكرة محلية في علاقته بالمدينةوقبائلها بعد فرض الحماية على البلاد، هو من مواليد سبعينات القرن التاسع عشر بموريطانيا تلقى تكوينه بزاوية والدهليتمكن من القرآن والفقه والتفسير والأصول والبلاغة…، قبل شد الرحال الى سمارة ثم فاس مطلع القرن الماضي. وبعد رحلة قادته الى المشرق من أجل الحج استقر بتازة للتدريس بجامعها الأعظم ومدرستها العتيقة الشهيرة، ولعلها المدرسة المرينية التاريخية التي لاتزال شامخة بمشور المدينة.
والى جانب ما أسهم به من مقاومةلسنوات بعد احتلال تازة ورد أنه شارك في ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الاحتلال الاسباني، قبل القاء القبض عليه بورغة غير بعيد عن فاس 1925 من قِبل السلطات الفرنسية، وقبل اطلاق سراحه وعودته الى تازة من أجل التدريس ليختار التوجه لاحقاً الى بلاد سوس 1930 ومنها الى العيون 1934، التي اعتكف فيها على العلم والزهد والعبادة بزاويته حتى وفاته رحمه الله 1966.وبناء على ما أحيط به من بحث ودراسة تحدثت عن ذاكرته الوطنية بتازة خلال سنواتها الحرجة بعد احتلالها 1914،ورد أنهأسهمفي معارك عدة منها معركة التسول وبومهيريس والباضة وجبل تازكا ودروش وجبل العلاية بالبرانس وغيرها.
يبقى أسلوب المقاومة كالتي قادها وأسهم فيها الفقيه الشنقيطي بتازة ومحيطها، بطابعها الشعبي العفوي، إن صح هذا التعبير والوصف من الوجهة التاريخية والمفاهيمية تجنباً لما قد يكون فهماً مدرسياً، بقدر ما كان بتأثير قوي لارتباطه بشعور وطني عميق وعدم اقتصاره على جهة دون أخرى، بقدر ما أبان عن عدم رضى البادية المغربية بما كانت عليه البلاد مع الحماية الفرنسية، فكانت مقاومة قبائلها أمرا واقعاً اتخذ من الجهاد شعاراً عوض قبولها بأمر واقع أيضاً.دون نسيان ما كان لإندلاع الحرب العالمية الأولى من أثر في إرباك توغل القوات الفرنسية بتازة وأعاليها، والتفاف القبائللفترة من الوقت حول زعامات كالذي حصل مع الشنقيطي لفترة من الوقت،ما شكلذاكرة تاريخية تازية صحراوية وصفحات مقاومة كانت بكثير من الرمزية والوطنية والتأثير رغم قلة وبساطة إمكانات القتال وضعف عمل التنسيق.
عبد السلام انويكًة

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر