www.alhadattv.ma
في مراكش، حيث تتعانق الذاكرة مع الحجر، وتصدح الأزقة بحكايات قرون من التعايش، لم يكن المشهد عابرا…
طقوس دينية لطائفة يهودية تقام عند قوس باب دكالة، فتشد الأنظار، وتوقظ الأسئلة، وتربك صمت العادة.
الناس بين مندهش ومتحفظ، بين من يرى في المشهد امتدادا لتاريخ مغربي متجذر، ومن يستشعر فيه ظلال زمن آخر، محمل بحساسيات لم تندمل.
مراكش، هذه المدينة التي ليست مجرد وجهة سياحية، بل روح نابضة للمغرب، ومرآة لذاكرته العميقة، لا تختزلها صور الزائرين ولا عدسات الرحالة. هي مدينة “سبعة رجال”، مدينة الأولياء والبركة، حيث للدين هيبته، وللمجال قدسيته، وللرمز وزنه في وجدان الناس.
وليس خافيا أن اليهود كانوا، ولا يزالون، جزءا من النسيج المغربي، حضورهم لم يكن طارئا، بل كان شاهدا على نموذج فريد من التعايش الديني، حيث لم تكن الاختلافات سببا للفرقة، بل مدخلا للغنى الثقافي.
وقد حرصت الدولة، في أكثر من مناسبة، على صيانة هذا الإرث، من خلال الحفاظ على معالم “الملاح” وأسمائه، باعتباره ذاكرة مشتركة لا تمحى، ولا أدل على ذلك من الإشراف الشخصي لجلالة الملك عندما أعطى تعليماته في دجنبر 2016 بالحفاظ على الأسماء الأصلية لحي السلام / الملاح بمراكش استجابة لطلب رئيس الطائفة اليهودية آنذاك.
غير أن الرموز، أو الطقوس الدينية التعبدية حين تستدعى خارج سياقها المألوف، قد تفتح أبواب التأويل على مصراعيها.
فالطقوس، مهما كانت مشروعيتها الدينية، لا تعيش في فراغ، بل تتقاطع مع مزاج عام، ومع ذاكرة جماعية مشحونة بصور قادمة من الشرق، من أرض لا تزال تنزف منذ النكبة، حيث تحولت القوانين إلى أدوات لاقتلاع الإنسان من أرضه، ولتغيير معالم المكان.
هنا، تتداخل الصورة، ويصبح البعيد قريبا، ويتحول حدث محلي إلى مرآة لقلق وطني.
ليس لأن المغاربة يرفضون التعدد، بل لأنهم يخشون أن تستغل الرموز الدينية في غير سياقها، أو أن تقرأ قراءة سياسية في زمن تتكاثر فيه الحسابات.
والمغرب، وهو على أعتاب استحقاقات تشريعية، ليس بمنأى عن هذه التوظيفات.
فالتيارات الباحثة عن توسيع قواعدها السياسية والانتخابية، قد تجد في مثل هذه المشاهد مادة جاهزة لإشعال النقاش، أو لتغذية خطاب يقوم على التخويف بدل التبصير، وعلى الاستقطاب بدل التوازن.
لكن الحقيقة الأعمق، التي لا ينبغي أن تضيع وسط الضجيج، هي أن المغرب تأسس على مبدأ واضح: تعدد في إطار الوحدة، وتسامح تحت سقف الثوابت، واحترام للمعتقد في حدود النظام العام والطمأنينة المجتمعية.
الدستور ليس نصا جامدا، بل تعاقد حي، يضمن حرية الممارسة الدينية، لكنه أيضا يحمي السكينة العامة من كل ما قد يربكها أو يثير حساسياتها.
وفي عالم مضطرب، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والدين مع الصراع، يصبح الحفاظ على هذا التوازن مسؤولية جماعية، لا تختزل في قرار إداري، ولا في رد فعل عاطفي.
مراكش لا ترفض أحدا، لكنها أيضا لا تقبل أن تفهم خارج سياقها الحضاري.
هي مدينة تعرف كيف تحتضن، لكنها تدرك أيضا متى تحتاج إلى أن تذكر:
•بأن التعايش ليس استعراضا، بل سلوك راسخ،
•وأن الهوية ليست شعارا، بل توازن دقيق بين الذاكرة والحاضر،
•وأن المغرب، في عمقه، ليس مجرد أرض للعيش… بل معنى يصان.
