www.alhadattv.ma
بوعزة الفرحان / مكناس
صدر الديوان الشعري ” بقايا أحلام ” عن منشورات ومضة / طنجة للشاعر :عمر الصديقي .. تشكلت قصائد الديوان في طبعة جميلة وأنيقة جداً ساهمت في جماليتها أياد فنانة كثيرة .. فاز هذا الديوان بالجائزة الأولى لمسابقة تازة الشاعرة ،دورة 2012 المنظمة من طرف منشورات مرايا وشبكة تازة التنموية .. يتكون هذا الديوان الشعري من 28 قصيدة متفاوتة الطول .. يبلغ عدد صفحات الكتاب ثلاثة وأربعون صفحة تقريباً ..
1 ـــ دلالة العنوان : بقايا أحـــــلام
اختار الشاعر عنوان ديوانه / بقايا أحلام / جملة اسمية مكونة من كلمة / بقايا /وكلمة / أحلام / فما هي دلالة / بقايا / ؟ كلمة حددت حضور جزء أو أجزاء من الكل ، أي حضور الجزء دون الكل . أما كلمة / أحلام / فقد جاءت نكرة ،فاقدة للتعريف ، مما يدل على أنها أحلام متعددة ومتنوعة ، أحلام لا يعرفها كل الناس .. هي أحلام تلتصق بالشاعر : حياته ، محيطه ، تكوينه ، تجربته ، ثقافته ، عواطفه ، مزاجه ، موقفه الثابت من الحب في الحياة ..
دون شك أنها أحلام كانت ساكنة في عمق الذاكرة، قد أصابها النسيان والغياب ، فانمحت مع تآكل الأيام ،فما تبقى منها في الذاكرة أصبحت مجزأة ومتباعدة كجزر تفصلها حدود جغرافية ، فأخذت صفة التشتت .. فضمت كل جزيرة بقايا أحلام حية .. فعندما نقرأ قصائد الديوان كلها نجدها فعلا أنها ” بقايا أحلام ” كانت مشتتة عبر الماضي والحاضر ،ولكن الشاعر استطاع أن ينظمها ويرتبها في قصائد شعرية تناسقت وترابطت في القول الشعري ،فاستيقظت تلك الأحلام كبديل عن الأحلام القديمة المتلاشية على شكل نهر متدفق ، يقرع الأجراس في كل مكان وزمان لاستجلائها، والكشف عنها بانفعال حاد وتغني مغرق في الجنون والهذيان الفطري والتلقائي ، باحثاً عن ذاته وتحقيق قدر من التوازن النفسي في ظل عالم يتسم بالشرخ والفوضى في القيم الإنسانية ..
أحلام كثيرة غابت واحتجبت قد يعتريها الإتلاف والتشكل في صيغ أخرى ، وقد تنقصها الدقائق والتفاصيل بفعل النسيان ، فهو لم يغربل ما يوجد في ذاكرته من أحلام ، بل هناك عامل الزمن الذي قام بهذه الغربلة ، والتي هي خارجة بدورها عن سلطة الشاعر ، فما بقي من أحلامه إلا ما يمس ذاته ونفسيته ، ما هو قابل للبوح والإفصاح ،ما هو قابل للتعبير عنه ، وما هو تارك فيه أثراً كبيراً .. أما الأحلام المنسية أو التي تناساها الشاعر عمداً إما لصعوبة التعبير عنها ،وإما لكون طبيعتها تعتبر من المسكوت عنه ..
فهل التزم الشاعر بالإفصاح عن كل ما تبقى من أحلامه ؟ أو أنه اكتفى بالإشارة عن بعضها ، فعبر ضمنياً عنها بين ثنايا قصائده ؟ عن أي أحلام يتكلم الشاعر ؟ وقد قال ابن سينا قديماً ” الصراع النفسي الناتج عن حرمان الشاعر من إشباع حاجته تنتج حالة من عدم التوازن النفسي والتوتر تدفعه إلى البحث عن وسيلة تعيد له توازنه وتخفض توتره وتشبع حاجاته ” والتعويض عن حالة التوازن النفسي والاجتماعي والوجداني / العاطفي لا يتأتى إلا عن طريق الإبداع القولي / الشعري ..
من خلال قراءتي لكل قصائد الديوان تبين لي أن هذا الشاعر الشاب موهوب ،مشاغب للكلمة الشعرية،ومفـتق للمعاني والدلالات التي تتساوق مع غرض الغزل الذي اختاره كتيمة جامعة للديوان .. فقد أغرق الشاعر عمر الصديقي قصائده بغـزل نقي وشفاف ، غزل غير جارح ولا فاحش .. فكل قصائده تتأرجح بين الذات الشاعرة المهمومة ، المنهكة ، المتعبة ، المتوترة والمنفعلة ، والذات الأخرى / الأنثى التي تغيرت بتغير الظروف في العصر الحالي .. ومع ذلك استطاع أن يبوئها مكانة اجتماعية متميزة كفاعل مهم في إكمال دورة الحياة ..
شاعر يقد من شعوره ، ويغرف من عاطفته الفوارة ، ويوقظ أحاسيسه الفياضة فرسم لنفسه وذاته منهجاً لا يمكن أن يحيد عنه ، منهجاً مبني على دعائم زمنية : الماضي والحاضر والمستقبل .. فمن خلال هذه الدعائم بنى عالمه الشعري المتفرد في الكون ، عالم الحب والعشق الذي لا يتقيد بمكان وزمان ، فكل الفضاءات متاحة للتغني بهذا الحب ، وكل الأوقات تغري بالإعلان عن ولادة الحب في النفس والذات ..
إن عالم الحب والعشق مفتوح ومباح لكل محب وعاشق ، فهو يعيش في عالم بدون جزر ولا فواصل بينها ،أي بدون حدود .. ومن تم وجه ذاته الفردية المؤمنة بفضيلة الحب في وجه الذات الجماعية ، فكانت أول قصيدة في الديوان تحت عنوان : / الحب أسمى الفضائل / يقول الشاعر :
ـــ اكتشف الإنسان / سر النار والكبريت / وعود الثقاب / وطريق الحرير إلى العطر والتوابل ./
اكتشف نار العشق / وتاء التأنيث / وحضارة بابل /
إلى أن يقول في آخر القصيدة :
واكتشف / نون النسوة الحبلى بالأسرار / واكتشف أن الحب / من أسمى …/ أسمى الفضائل .
فشعر عمر الصديقي يشبه نوعاً من الحلم الذي يحمل في طياته حياة إنسانية تتشكل من ذات الرجل والمرأة التي لولاها لما عرف الإنسان الأول النار والعطر والتوابل ، إنها الإنسان الوحيد الذي يفهم الرجل لأنها حمالة لأسراره ..
فعشق الشاعر ليس عابراً وإنما هو عشق أبدي ، وحب أزلي لا يمكن أن يتجزأ مهما تغيرت الظروف ومهما طرأت العوائق .. فموقفه درامي حاد يتجلى في الاعتداد بذاته الشقية ، الجريئة ، الملحاحة التي تقف في وجه الذات المستبدة الطاغية التي لا تعرف معنى الحب والعشق الأبدي ، فجاءت كل قصائده غزلية متمردة عنيفة غير متساهلة مع من ينكر هذه العاطفة السامية ألا وهو : الحب ..
قصائد عمر الصديقي حارقة وحارة كالفلفل الأحمر الذي كلما نهشته يفوح لذة ويحفز على متابعة الأكل/ القراءة ، قصائده تتماوج بين خطاب التوتر والانفعال وبين خطاب الدفاع عن النفس وإبعاد اللوم والعتاب عن نفسه تارة بحجج يستقيها من التاريخ وتارة من وجود المرأة في المجتمع وتارة أخرى من فرط بسط الحب سلطته عليه .. ..
لكن .. منذ بداية كتابة هذه السطور والسؤال ينز في ذهني : لماذا اختار الشاعر عمر الصديقي تيمة الحب في ديوانه دون أغراض أخرى على خلفية من يقول : لقد ولى زمن الغزل في العصر الحاضر بدعوى أن المرأة أصبحت تعيش مع الرجل في البيت وفي الشارع والعمل والحافلة واللقاءات والمنتديات الرياضية .. فقد تحررت المرأة من قيود ظلت تكافح من أجل خلعها ، فدخلت ميدان العمل والبيع والشراء … فالرجل يراها في كل زمان ومكان ،وهو لم يجد صعوبة في مخاطبتها والتقرب منها .. ..؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال نلقي نظرة تاريخية ــ وبعجالة ـــ عن فن الغزل ، فشعر الغزل وجد منذ وجد الإنسان بعاطفته ، حيث كان الشاعر العربي يسجل عواطفه تجاه من یحب بقلبه الملتاع وفؤاده المكتوي بنار الحب والعشق ، كما يسجل روحه الحیرى وفكره المشغول وعقله المسلوب من شدة الوجد والوله والحب القاتل ، شعر غزلي وجداني يمثل طبیعة النفس العربیة النبیلة العفیفة فھو بعید عن التبذل والتفسخ الخلقي ، وقد عرف الشعر العربي على مدى العصور والأزمنة روائع شعریة عدیدة قیلت في الحب والغزل والوقوف على أطلال الحبیبة . وفي العصر الأموي خاصة انتشر الغزل العذري ممثلاً بجمیل بن معمر وھو غزل طاهر عفیف یصور الحب الجارف القوي الشدید ومكابدة العشاق لأوجاعھم في ألم البعاد عن الحبیبة .
أما في العصر الحدیث والمعاصر فهناك من يشكك في وجود غزل وجداني صادق ، فشعراء العصر الحدیث ساروا على شعراء الغزل القدامى في الوصف والتغني بجمال جسد المرأة ومحاسنھا ، فحاولوا أن يكيفوا شكل شعر الحب والغزل بما يناسب العصر ومتطلبات الحیاة الیومیة وحالات المتجمع وتطوره ..
يقول الكاتب فالح الحجیة :” فلم تعد ھناك جدران تفصل بین المحبین، ولم تعد ھناك أشواق إنسانة ممنوعة وبعیدة عنه ولا حیلة له للالتقاء بھا، ولم تعد ھناك لوعة شوق أو مشاعر حب تفیض عن الحد فتولد شعرا یتفجر من الشوق وتولده معاناة الفراق و الحرمان.”
معنى ذلك أن الكاتب لا يثق في شعراء الغزل الذين يعيشون في العصر الحاضر ، وأن الشاعر المعاصر لم یعرف معنى الوجد أو الوله القاتل مثلما كان الشعراء القدامى یعرفون .
ويقول في موضع آخر من مقاله : ” وأصبح العشاق الجدد یحجبون عن قول الشعر ویكتفون بإرسال أغنیة جاهزة، أو قول منقول من تلفاز أو ستلایت أو كتاب وغيره ، أي أصبحت مساحة الحب في قلب المحب قلیلة فلا تسیطر على كل أشواقه وعواطفه . وفي قصیدة النثر التي انتشرت كثیرا في ھذا العصر شاع ما یسمى بالغزل المكتوب ، لكنه مكتوب لا لأجل الحبیبة و التغزل بھا أو للحب والشوق إنما مجاراة للآخرين … ولعل الأنثى تقرأھا فتعجب بھا وبدأت الشاعرات یكتبن قصائد الحب والشوق أكثر من الشعراء . ونادراً ما تكتب قصیدة حب لأجل الحب ذاته . ولم تـظھر قصة حب جدیدة لدى أي من الشعراء في العصر الحدیث والمعاصر مثلما كانت لدى الشعراء العرب الأقدمين كجمیل بثینة أو مجنون لیلى أو العباس بن الأحنف أو أبي العتاهية أو ابن زیدون أو … أو ..”
الغزل في الشعر الحدیث والمعاصر \ بقلم فالح الحجیة – الصالون الثقافي لصدانا 21/11/2014
2 ــ قصائد غزلية متمردة
لكن الشاعر عمر الصديقي وككل شعراء الغزل في العصر الحاضر أراد أن يرد الاعتبار لشعر الغزل ، بعيداً عن كل مصلحة أو زيف أو كذب ، بعدما رأى العالم غرق في الماديات ،فأصبحت الحياة فيه عبثية ، لا تؤمن بما هو إنساني ووجداني ، فمنطق الإنسان المعاصر يتغير بوتيرة سريعة مجاراة مع تغير العالم ، فسعى إلى إفراغ طاقته نحو الإنتاج والجري وراء وسائل تؤمن له الأكل والشرب والتغذية المستمرة عبر تضييق الخناق على الآخر ، ومن تم فقد إنسانيته فأحس بالعبث والضياع وأصبحت حياته مفتتة ،فتلاشت الرحمة والشفقة والتضحية والشعور والإحساس بالآخر ،فلم يعد ينصت إلى قلبه وفؤاده وعواطفه ومن تم كان في حاجة إلى الحب الذي هو أسمى عاطفة إنسانية ..
وإذا كان العالم يعيش في فوضى من حقد وكراهية ،قتل واغتصاب ، حروب وتشريد … فإن الحياة تصبح فيه مختلة النظام ، لا معنى لها ، عالم غير حقيقي ، عالم عبثي .. فإنه آن الأوان لهذا العالم أن ينشر ثقافة الحب بين الناس ، ليعود العالم إلى نظامه الطبيعي ..
فرغم أني قمت بتفكيك وتحليل كل قصائد الديوان ،فإنني سوف أسوق بعض النماذج لتقريب المتلقي من التوجه الغزلي عند الشاعر عمر الصديقي على أمل أن أقوم بعملية التركيب لمحتوى الديوان ومضمونه ..
من هذا المنطلق صدر الشاعر ديوانه الشعري بقصيدة عنوانها ” الحب أسمى الفضائل ” في هذه القصيدة كرر الشاعر كلمة ” اكتشف ” خمس مرات ، فالإنسان اكتشف عالمه ، واكتشف ما يعينه على حياته ، واكتشف آليات لصنع حضارته ، واكتشف النار والكبريت والعطر ، والأنثى .. لكن أهم اكتشاف عند الشاعر هو الحب..
ـــ واكتشف أن الحب /
ـــ من أسمى …/
ـــ أسمى الفضائل . /
الديوان / قصيدة : الحب أسمى الفضائل / ص : 11
يقول الشاعر :
ـــ بدون حب /لا يصل الرغيف / إلى مخيمات اللاجئين /
ـــ بدون حب / ما كان السلام / وما أورق غصن الزيتون /
ـــ بدون حب / لا يحلق سرب الحمام / ولا تصل قوافل الحرية / إلى الأطفال / في غزة بفلسطين /
الديوان / ص: 21 / قصيدة / بدون حب /
يؤكد على أن الحب لا يعرف الحدود ، فهو يوجد في كل زمان ومكان .. يقول الكاتب صاحب الربيعي :
” إن عالم الحب، هو عالم السحر والجمال وأحلام اليقظة وما لم يدرك المرء مكوناته لا يمكن أن يعتمر قلبه بالحب . فمن لا يجيد تفكيك عناصر الجمال وقراءة تفاصيله لا يمكن أن يحس بالجمال ذاته، ومن يفتقد للقدرة على فك رموز وطلاسم السحر في عيون عشيقته لا يمكنه إرسال ذبذبات القلب إليها لأنه يفتقد لآلية استلام شيفرات الإعجاب وذبذبات الحب ”
صاحب الربيعي / الحوار المتمدن- العدد: 1355 – 2005 / 10 / 22 – المحور: الأدب والفن
فعندما يتسع وعاء الحب في القلب يضيق وعاء الأحاسيس والمشاعر فتمتلئ العواطف بالدفء والحرارة ، فتأبى أن تستقر في جوف المحب فيوسم بالتمرد والعنف المباغت ، لتنطلق عنيفة تعبر عن سلوك العاشق المشبع بالانفعال والتوتر والبوح الحارق ، متخطياً حدود المجتمع وضوابطه إلى أن يوصف هذا العاشق بالجنون ..!
ففي قصيدة ” اسمي مجنون ” الديوان / ص :29 يقول الشاعر :
ـــ اسمي مجنون / وإن لم أطفئ الشموع في المعابد / ولم أسرق أحدية من المساجد / ولم أغتصب خلوة القمر في حياتي /
فالشاعر يدافع عن سلوكه الذي يعتبره من حقه في الكون الذي اتسم بالفوضى والعبثية ، فهو واع ومدرك لسلوكه وتصرفاته ، فهو بعيد عن الكراهية والحقد والجشع والخيانة ، فهو يرفض القسوة والعنف والقوة والنزوع إلى التدمير والاغتصاب .. فهو لا يفرض توجهاته على أحد .. لماذا هذا اللوم والعتاب ..؟ ولماذا أطلقوا علي صفة المجنون ..؟ ” فمنذ ميلادي ، اصطدمت بالحب ،أصبحت أتعيش على نبضات غير نبضاتي .. فكان رصيد حبي يساوي رصيد جنوني .. ” وهي فترة تتحكم فيها منظومة القلب أكثر من منظومة العقل ، فتصبح مشاعره فائضة عن جسده كشلال رقراق جارف ، وتختل حياته ويفقد توازنه ، ومن تم يكون أكثر ميل للتعبير عن المشاعر والعواطف ، فيجهد نفسه في البحث عن شريك يتبادل معه مشاعره وأحاسيسه الفياضة ..
يقول في آخر قصيدته / اسمي مجنون / :
ــــ في رصيدي /عشرون سنة من الجنون /
ففي قصيدة / محراب العشق / يعترف الشاعر بسلطة العشق على النفس ، إلى حد أن يصاب بالأرق والسقم والضعف ، ومع ذلك يستطيع أن يقاوم هذا العشق بالصبر والتحلي بالأمل ،فما من دواء غيرهما .
وظف الشاعر كلمة ” محراب ” في قصيدته ص:12حيث يقول :
ـــ حكم علينا /سلطان الهوى / أن نصلي في محراب العشق سوا /
فإذا كان المحراب من المسجد هو أرفع مكان فيه وهو مقام الإمام ، فإن الشاعر استعار الكلمة ليعبر عن العشق الذي يتبوأ أعلى مكان في القلب .. فالعشق له غرفة كالقصر المنيع الذي لا يعرف دهاليزه إلا العاشق الولهان ،العاشق الخائف المرتبك ، العاشق الذي يعشق من أجل العشق النقي الطاهر دون زيف ولا نفاق ..
مزج الشاعر هنا بين التجربة الصوفية والشعرية ، فالصوفية هي محاولة للصعود بالعالم إلى الله ، لكن الشاعر عمل على التوسل بالقيم الإلهية كالعدالة والإنصاف والحق والخير والحب بين الناس لإعادة إنتاج الواقع الإنساني والتي تتمثل في الافتقار على قيم عديدة من بينها : الحب . يقول الشاعر:
ـــ فسبحان المبدع / الذي سكب / في جفنيك ليلا أسودا / منه نهلت حبر قصائدي /ومن جفاك حزني سما.
يؤكد الشاعر على أن العشق هو مصدر الإلهام والإبداع الذي يؤدي إلى صفاء الذهن والفكر ، وفتح قريحة الشعر .. إنه سلوك يتفرد به الشاعر ، فهو يحاول أن يبعد اللوم والعتاب ، فاستعمل كلمة ” ضمير المتكلم الجماعي / علينا / حكم علينا / سلطان الهوى / فالهوى له سلطة على كل الناس ،وأنا فرد منهم ..ولما تأكد من إقناع المتلقي ، عاد ليتحدث عن نفسه بكل ثقة ، فأنا العاشق الذي لوم عليه ، فإذا كنتم جربتم الهوى ،فإن الهوى قد نال مني فغير أحوالي وسلوكي.. يقول الشاعر :
ـــ فأنا بالعشق سقيم عليل / لكن جمره لجراحي / دواء وبلسما .
ـــ سأنتعل أحزاني / حتى أسقيك بدمي / ولون دمي /
تراب خطاك ..أنا / الديوان / ص : 14
يعيش الشاعر نوبات حادة من الجنون ، فهو لم يفقد وعيه وعقله ، فهو مدرك لحالته ، شاعر بتلك التغيرات التي عملت على خلخلة نفسيته .. فهو يحمل أحزانه معه ، لأنها أصبحت جزءاً منه .. ملازمة له في كل زمان ومكان كما يلازمه حذاؤه . أحزان جعلته يخرج عن المألوف فيقوم بأفعال خارجة عن إرادته من : إحراق جثته / خنق أنفاسه / ركوبه الأهوال / فهو يأمل أن تتغير وضعيته ،كما تتغير وضعية الضباب عندما يبدأ في التلاشي . يقول :
ـــ سأنتعل زورق العشق / نحو الضباب / وألغي كل همومي / سأنتظرك / ..
فماذا سيهديها ؟ وماذا يقدم لها ؟
ـــ لأهديك ثمرة صبري ودمع عيوني /……/ عساني أشفى من العشق / ومن نوبات جنوني /
إنه غير واثق من الشفاء / عساني / فهو دائم العشق ، عشق يتسم بالتهور والتضحية. إنها رومانسية حادة وتحليق خيالي يجعلنا نتعاطف معه بكل عواطفنا وجوارحنا .. مآسي كثيرة تهد كيانه ،عقله ، ذاكرته إلى حد الابتلاء بمرض الهلوسة والجنون ، فالجمل الشعرية تترادف وهي مشحونة بالهم والغم والحزن الملازم له في كل مكان وزمان .. جمل شعرية تخرج كدفقات نفسية ،كزفرات تارة قصيرة وتارة طويلة ، فقد كرر الفعل المضارع مقروناً بحرف السين خمس مرات /سأنتعل / سأحرق / سأنتعل / سأنتظرك / سأصلي / والسين حرف تنفيس للمستقبل القريب ، يختص دخولها على الأفعال المضارعة غير عاملة فيها ،وسميت كذلك لأنها تنفس في الزمان فيصير الفعل المضارع مستقبلاً بعد احتماله للحال والاستقبال ، والمعنى أن الشاعر سيقوم بهذه الأفعال مستقبلا إن لم تسرع هذه المرأة المفترضة لإنقاذه .
يقول في قصيدة : المرأة اللهيب / الديوان ص: 27
ــــ هي لا تعرف / أن عطرها يبعثرني / وتقاسم بشرتها تشردني / وتفقدني وعيي /
لهيب هذه المرأة يتجلى في العطر / البشرة / للعطر لغته ولبشرة المرأة سحر لا يقاوم ، لكل منهما سلطة ،فالعطر يبعثره ، وبشرتها تجعله شريداً ، فحاسة الشم عند الشاعر قوية وقادرة على تمييز الروائح العطرة ، كما أن حاسة نظره وتذوقه النفسي والفكري يجعلانه شارد الذهن مختل العقل ، يفقد توازنه في ظل هجوم العطر على أنفه ،وإطالة النظر في بشرتها الناعمة .
ـــ ليتها تدرك / أن زرقة عينها / بالصمت تغتال كلامي / وفي غياهب الحبر ترميني /
الديوان م قصيدة : عيناك الزرقاوان ص :16
زرقة العينين ، صمتها ، اغتيال كلامه / فهي بسحر عينيها تخرق نفسه ،وتحد من ثرثرته ، مشهد حوله مبدعاً حقيقياً ، فمن خلال نظراتها توقظ إلهامه في البوح والتعبير بعدما ترميه في غياهب الإبداع والإنتاج . لمعشوقة الشاعر مواصفات تتجلى في اللون والنعومة ، والرائحة والصمت ، وقد تبدو لنا هذه المواصفات متنافرة وغير منسجمة فيما بينها ، لكن الشاعر عمل على انسجامها من خلال تناسب العطر مع البشرة اللينة ، وتناسب زرقة العينين مع صمتها ، فالصمت دليل على أخلاقها العالية .. ..
جسد الشاعر مفارقة درامية ، فذاتها ورائحتها ولون عينيها وصمتها مواصفات عملت على تبعثر فكره ، وتشتت ذهنه ، وتبدد عقله ،وتفقد عقله .. إنه نوع من المس والجنون .. ومع ذلك فهي تعتبر مصدر إلهامه ،وإبداعه ..
ـــ وفي غياهب الحبر ترميني /
فهي تقتله وتشل حركته وتعبث بصفاء ذهنه يقلق ،ينفعل ،يتوتر ومع ذلك يجد لذة ومتعة في التعبير عن ما يخالجه في صدره وذهنه .. لكن ما يقلق الشاعر أنها طرف غائب عن حالته فاستعمل كلمة / ليتها / ثلاث مرات / ليتها تدرك / فليتها تدرك / وليتها تكتشف / لكن يقول في أول القصيدة قال :
ـــ هي لا تعرف ../ لكن مع المستقبل ستدرك وتكتشف أنها سبب مماتي وحياتي ، مماتي إن لن تعرف ، وتدرك وتكتشف حياتي إن عرفت .. يقول :
ـــ فليتها تدرك يوماً / أنها شاطئ نجاتي / وليتها تكتشف / أنها مماتي / وتكتشف أنها حياتي.
ففي قصيدة /: طبع الليالي /الديوان ص : 26
يقول الشاعر :
ـــ هاتفتني .. من غير موعد لتحييني / وقالت : طال ليلي فهل ألقاك في الغد . قلت لها : صبراً،هذا من طبع الليالي .. / فلا بد لليل أن ينجلي .
يبدو أن الحوار كان في إحدى الليالي ، ليلة سابقة لنظم القصيدة / قالت / قلت / قديماً تغنى الشعراء القدامى بثقل الليل على النفس وطل امتداده ، كامرئ القيس حين قال :
ـــ وليل كموج البحر أرخى سدوله // علي بأنواع الهموم ليبتلي
ويقول الشاعر أبو العتاهية :
لكل ما يؤدي وإن قل ألم // ما أطول الليل على من لم ينم
فعندما تتجاوب الوحدة مع الظلام يؤلفان حياة باردة ، جافة ، تلك المهاتفة جاءت سريعة ، فيها اندفاع للخروج من هذه الوضعية ، ضيق الأفق، رؤية محدودة ،تعطي فرصة للتذكر والتخيل ، والتداعي .. فالبطلة تتوخى أن تبدد تلك اللحظة الكابسة على نفسها ..
ادعت أن ليلها طال وامتد ، كدافع ومحفز ليكون اللقاء ، والواقع أنها تبحث عن مؤنس تبدد به وحدتها ، / طال ليلي فهل ألقاك / خلق الشاعر وضعية للبطلة مقلقة ، تتميز بالأرق والسهاد ليمرر فكرة اللقاء وتطلبه في الغد ،فقد تراءى لها أن الغد سيتأخر في مجيئه نظراً لطول الليل ، وتموت قبل اللقاء ، فهي تريد أن تتأكد من حبه لها …
ـــ / إني أهواك ياقاتلي .. / فهل تحبني ؟
كان جواب الشاعر : / صبراً هذا من طبع الليالي /
شاعر خبر الحياة وجربها ، استخدم العقل والمنطق ، والتروي .. دون اندفاع أو تسرع .. اتكأ على ثقافته فعمل على نصيحتها دون أن يعطيها أملا سريعاً فقد تذرع بانجلاء الليل ..
امرأة كشفت عن شعورها وإحساسها بل عن موقفها تجاه الشاعر.
ـــ قالت قد أموت قبل الغد / وأدفن خارج شرايين وطني /
تعبير جميل ، هناك الوطن الأم ،وهناك الوطن القلب ، فالشاعر جعل من القلب وطناً ، كمسكن ، كبيت يسكنه العاشق وتسكنه العاشقة .. فمن الصعب أن يموت خارج شرايين الوطن ، بل يموت العاشق أو العاشقة داخل الوطن ، فهي تريد أن تسكن البيت المعد لها / القلب الوطن / أن تعمل على تأثيثه قبل السكن فيه ، أن تمتلكه لتطمأن على شعوره وإحساسه نحوها .
ـــ / إني أهواك يا قاتلي / فهل تحبني /
ما زال الشاعر لم يكشف عن موقفه ،فهو يصبرها ، ولا يريد أن تكون كالطبيعة العصية ، التي تقف في وجه العواصف فتنكسر ، بل يريده أن تكون كالطبيعة اللينة التي تنحني للعواصف حتى تمر لتضمن حياتها رغم جفاف المكان وبرودته وقوته ، فهو يشجعها أن تكون مثل سعيف النخل / كالعوسج / تعرف كيف تنحني ،تداري ، تتحلى بالقوة ، واثقة من نفسها ،تتقوت بحب لا يلين ولا يضعف مهما طال الليل ومهما جثا الظلام على المكان والزمان والروح والقلب .. فهو يعطيها أملا في تغيير وضعيتها من حالة الموت إلى حالة الحياة . يقول :
ـــ قلت لها : كوني كعسيف النخل .. / كوني كالعوسج / فهو لا ينكسر أمام العاصفة / بل ينتظر الغيث وللقدر أن ينحني .
كثيراً من الدارسين للشعر المعاصر يقرون بأن للشعر صنعة فنية لها قواعدها وأسسها الخاصة بها ، وعندما يصبح الشاعر إنساناً يجوز له ما لا يجوز لغيره ، فقصائد الديوان جاءت كلها غزلية متمردة عنيفة فيها نفحات قوية من الصوفية الشعرية كما قلت سابقاً ، فإبداعه الشعري له علاقة وطيدة بالانفعال والتوتر النفسي ، له ملكة شعرية لا حدود لها ، تغزو كل الأماكن : النفس ،الذات ، الروح ، الحب ، العشق .. العقل ، الهلوسة ، الجنون ، تسطو على الزمن تحول الماضي كضجة معزوفة تنحو إلى تشكيل الماضي وجعله خاضعاً للحاضر والمستقبل ، وقد سمى أحد الدارسين هذه الملكة الشعرية ب “القوة الشعرية “..
الشاعر عمر الصديقي كون لنفسه ذاتــــاً شاعرة متجددة ،متفردة في لغتها وأسلوبها ، فجاء شعره فطرياً يشبه نوعاً من الأحلام التي تحمل في طياتها حياة إنسانية تنطبع بفضيلة الحب التي تنضوي تحته كل الفضائل الأخرى من عدل ، وإنصاف وخير لعامة الناس ..
شاعر متمرد ، ثائر ، موقفه من الحب درامي ، يتجلى في ذاته الفردية الشقية ،الملحاحة ،الجريئة التي تقف في وجه كل غزل عفيف .. فهو لا يلبس ثوب قيس وكثير عزة وغيرهما في شعره إلا أحياناً بل نسج لنفسه شعراً غزلياً يتناسب مع عصره .. فهو لم يحدد امرأة معينة ، وإنما يتحدث عن المرأة بصفة عامة وعلاقتها بالحب الأبدي ..
3ـــ مفهوم المرأة عند الشاعر
من خلال قراءتنا لقصائد الديوان تأتي كلمة ” المرأة ” في أكثر من مكان ، وقد تأتي الكلمة صريحة أو يتم الحديث عنها بضمير المخاطب أو بضمير الغائب .. لكن هل يقصد الشاعر المرأة كمفهوم اجتماعي ؟ أي ” المرأة ” التي نعرفها داخل البيت والأسرة والمجتمع . أم هي المرأة التي لها صفات معينة ولدها الشاعر من نفسه وذاته وثقافته ورؤيته للعالم ، وعلاقة المرأة / الإنسان بالكون ..؟
هناك قصيدتان / قيل وقال / وقصيدة / حسن الجوار / يثبت فيها الشاعر على كون المرأة التي يتحدث عنها هي المرأة بالمفهوم الاجتماعي والتي تجلت بوضوح في قصيدة : قيل وقال / ص:23 من الديوان .ومن هنا دفعتني القراءة أن نفكك مفهوم المرأة الاجتماعي حتى نقترب جيداً من تصور الشاعر لها في قصيدته / قيل وقال /
ا ـــ المرأة /الجمال
يقول الشاعر :
ـــ قيل إن المرأة / قصيدة غزلية / من المهد إلى اللحد .
إنها المرأة / الإنسان التي تمتلك مقومات الجمال ، جمال الذات والجسد ، جمال الخلق ، جمال الحس والشعور ، فهي ليست قصيدة واحدة غزلية ،بل هي قصائد غزلية تتناسب مع كل مرحلة عمرية لها ، الطفولة / الفتوة والشباب / الشيخوخة .. إنها قصيدة غزلية صامتة تحتاج لمن ينطقها ، قليل من يعرف كنهها ،أسرارها ،مزاجها ،دورها النبيل في الأسرة والمجتمع .. جملة / قصيدة غزلية / مشحونة بغليان الإثارة والإعجاب .. فبدل أن يفصل الشاعر في مكامن الجمال للمرأة اختزلها في جملة شاعرية / قصيدة غزلية / وقديماً طاف الشعراء القدامى على مفاتن الجمال في المرأة فعددوها وتسابقوا على القول فيها منها : الخد الأسيل / بياض الوجه / العنق الطويل / الردف / الخصر / الأصابع / الرجلان / الكعب / الساقان / …ومن هنا كانت المرأة هذا المخلوق الذي حير علماء النفس وفلاسفة كل العصور ،وقاموا بتشريح جسمها ونفسيتها ولكن لم يصلوا بتدقيق لتشريح قلبها الممتلئ بكل الصفات السلبية والإيجابية ..
ب ــ المرأة / الوطن
يقول الشاعر : / وأنها إمبراطورية عظمى / لكن تحارب .. بلا حرس ولا جند ./
وظف الشاعر كلمة “إمبراطورية ” كصفة للمرأة ،تخطى فيها المدلول السياسي والتاريخي ،وإنما أعطاها صفة وجودها في كل زمان ومكان جغرافي ، وأنها عظيمة لها مكانتها بين أمم وشعوب من أجناس وثقافات مختلفة ، فهي قادرة على التكيف مع مختلف أصناف الرجال ، قادرة على استمالته وفهم أسراره ورغباته والتحكم في عواطفه .. قادرة على قراءة قسمات وجهه حين يغضب ويثور ، قادرة على إدارة إمبراطورية من الرجال والنساء في حالة الحب والكراهية ، لذكائها وفطنتها وفطرتها التي خلقها الله عليها .. فهي لا تحتاج إلى حرس أو جند ، فهي تشكل حرسها من نبضات قلبها ودفء عواطفها وتقلب مزاجها، فهي تحس بأدنى خشخشة قد تمس عزتها وكرامتها ..
وإذا قرأنا جيداً قصيدة ” قيل وقال ” نجد أنفسنا أمام حزمة من الصفات ، استنفرها الشاعر وجمعها في أطول قصيدة في الديوان ، حيث كشف عن أدوارها المتعددة في الحياة الاجتماعية..وسوف أكتفي بإعطاء دلالة مناسبة كعنوان إن جازت التسمية لكل دفــقة شعرية في القصيدة ..
ج ـــ المرأة / الشاعرة / يقول الشاعر: قيل أن المرأة / قيصر مستبد ينظم الشعر / لتعساء الشعب .
د ـــ المرأة / المزاج / يقول الشاعر : وأنها آخر / فصيلة الحنظل / والحلاوة في عز الشهد .
ه ـــ المرأة / العالم الفلسفي : يقول الشاعر : قيل أن المرأة / صورة الممكن والمستحيل / وأصل السؤال والرد .
و ـــ المرأة / الوفاء / يقول الشاعر : وأنها تهدي الرجال / زجاج القمر / وفاءاً وإخلاصا للعهد .
ز ـــ المرأة / الجنس الآخر/ المستقبل / يقول الشاعر : قيل أن المرأة / صفحة ماء ترسم عليها / شفاه الرجال أحوال الغد /
ح ـــ المرأة / العشق / الفهم / النباهة / الحدس / الأسرار / يقول الشاعر : وأنها تقرأ الشوق في الأحداق // كأنها تعلم / أسرار الغيب /
ط ـــ المرأة / السلام / الحرب / الخطيئة / الفضيلة / الحب / يقول الشاعر : قيل إن المرأة / حمامة تحمل السلام / إلى حيث تقرع طبول الحرب/ وأنها الخطيئة الأصلية / والفضيلة /التي تزهر في القلب /
ي ـــ المرأة / الغضب / الانفعال / الصراخ/ الخير / النبات الحسن / الجرأة / تقلب المزاج / يقول الشاعر : قيل أن المرأة / زخات ممطرة تهدئ من صخب الرعد / وأنها البشرى /والغضب الساطع / الذي لا يحفل بالرعب /
ك ـــ المرأة / التربية / المدرسة / الإعداد / التعليم / الرجال / الغد / يقول الشاعر : قيل أن المرأة / جرس يدق دوماً / في مدرسة جيل الغد /
ل ــ المرأة / الحارقة / المدمرة / الحنونة / العطوفة / يقول الشاعر : وأنها تحرق / شوق الرجال بيد / وبالأخرى تهدي الحنان للمهد /
في المقابل نجد الشاعر قد تعامل المرأة الأخرى التي خلع عليها صفات جديدة ،من بينها :
المرأة / تاء التأنيث // المرأة / نون النسوة // المرأة /الدواء والبلسم / الشفاء / العسل / السمن / / المرأة /الظل // المرأة / ليلى // المرأة / الفراشة // المرأة /العروس // المرأة /الوسام والشعار/ / المرأة /الكسوف والبركان // المرأة / مشروع قصيدة // المرأة / الولاء // المرأة / شهرزاد //المرأة /العينان الزرقاوان / العصفوران // المرأة / سعف النخل / العوسج //المرأة /العطر /البشرة /الرصاصتان //المرأة /النجاة / الممات / الحياة // المرأة /المفاتن الصماء //المرأة /الكوكب / ثوب الزفاف // المرأة /الكحل //المرأة /الإلهام /الشفاء //المرأة الراحلة //المرأة /الوطن //المرأة /ثوب الأعراس // المرأة /الطبيب //المرأة /العلقم // المرأة / الشهد المعسل // المرأة /المزاج /…….
4 ـــ الانفجار الذاتي بين العالم الخارجي والعالم الداخلي للشاعـر
لقد تحركت الشعرية في قصائد الديوان إلى مناطق شديدة الارتباط بذات الشاعر من جهة وذات المرأة كمفهوم اجتماعي ،كقيمة كونية تتوحد فيها كل الصفات لتخلق لنا امرأة إنسانة لها حضورها في الماضي والحاضر ،فاستطاع الشاعر أن يكون رؤية متفردة لهذا المرأة التي يبحث عنها من خلال جملة من الصفات الجديدة لها ..
فنصوص القصائد الشعرية تسعى للكشف عن عوالم سرية في النفس والذات ، وعن القيم المسكوت عنها كالحب بكل فضائله ، والمحرمات التي يختبئ الإنسان تحت جلبابها من قبيل : علاقة الرجل بالمرأة ، وعلاقتها بالرجل ، إشهار حبهما ، التغني به ، عرضه على الناس بكل عزيمة وجرأة .. إن عدم الإفصاح عن ما يجيش في النفس والذات يعيق الحياة ، ويقف ضد الواقع .. يقول :
ـــ حكم علينا / سلطان الهوى / أن نصلي /في محراب العشق سوا / قصيدة : محراب العشق /الديوان/ ص : 12
والشاعر عمر الصديقي أغرق الديوان بالحديث عن ذاته فاستطاع أن يكتب عما يعرف ،وعما جرب ومارس وخبر في الحياة ، بل ركب ذروة الإحساس والشعور ، بفنية شعرية متميزة استطاع أن يعبر عما يكره ، وعما يحب ،وعما يرغب وعما يرفض .. يقول الشاعر :
ــــ سأنتعل أحزاني /…/سأحرق جثتي / …./ عساني أشفى من العشق /ومن نوباتي جنوني / قصيدة : تراب خطاك ..أنا / ص : 14 /الديوان .
ـــ قررت أن أموت /…/قررت أن أرحل بعيدا / حيث تصدأ حواسي / طال ..أو قصر الزمن / قصيدة : القرار ما قبل الأخير / ص: 39
ـــ أتذكر يوم اغتيالي / أتذكر أنا / كنت في جنازتي / وراءك أمشي / ….. / وأنا …. / وأنا بقيت وحيداً / في محراب العشق أبكي / قصيدة / يوم اغتيالي /ص : 38 /الديوان .
فالشاعر عندما يكتب عن العالم الداخلي للذات فإنه لا يلغي العالم الخارجي من ذهنه وفكره ، وما دام العالم الخارجي يموج بالتناقضات ،فإن عالمه الداخلي لذاته يتأثر بتلك التناقضات التي تكبل من حريته ، ومن تم فإنه يسعى إلى نوع من التوازن النفسي للذات ،وما من سبيل لتحقيق ذلك إلا التعبير دون قيد أو حرج عن الحب لأنه من أسمى الفضائل .. يقول الشاعر :
ـــ أتذكرك …/ كلما أضفت /قطعة سكر رابعة /إلى فنجاني / أتذكرك ../كلما اشتعل زهر اللوز / وفاح الدراق( نوع من الخوخ ) / في حدائق الجيران / ……../ سأتذكرك دوماً / وأنزف للقياك دماً وحبراً / ودعائي : اللهم عجل الشفاء / لقلبي الولهان / قصيدة : سأتذكرك يوماً / ص: 34 الديوان .
ويقول في قصيدة / دعاء الغفران / ص : 35 الديوان .
ــــ أصر حكم / باعتقالي وشنقي / لأني أعلنت للقمر / حبي وعشقي / رموني بالكفر /……./ بكيت في محرابه / وبالجنون رموني / لكن ..من باب اللطف / أخرجني الرزاق مخرج صدق /..
5 ــــ جدلية الهذيان المرضي والهذيان الثقافي / العقلي في ديوان ” بقايا أحلام ”
قد نتوهم أن قصائد الشاعر عمر الصديقي جاءت كلها على شكل هذيان مرضي ، والواقع ليس هذياناً مرضياً بل أشبه بالفضفضة النفسية للذات بما يؤلمها ويعذبها مع الآخر وعن كل الرموز التي سببت له كل الألم ، فالشاعر يتحدث دون رادع أو قامع أو رقيب عليها ،وهي سمة تتميز بها قصيدة النثر التي تصور حالات الهذيان حيث يعتمد الشعراء الجدد على أنسنة الأشياء فيها ،وتبقى الذات هي تتحدث عن النفس البشرية ..
الشاعر يتحدث عن الألم الذي لحق به من جراء مجاهرته بالحب ، من خوف وهلع ، وتوجس وهلوسة وتخيل وتوهم .. وانفعال وتوتر وترقب وتخوف …. وهي صفات لمرض نفسي يسمى ” الهذيان ” لكن هل هو هذيان مرضي أم لا ؟ وكيف عبرت كتابة الشاعر عن الهذيان ؟
فالشاعر يعدد الحالات التي مر بها في قصائده ، فجاءت على شكل هذيان بني على مشاهد موحية ومعبرة تجسد درجة عالية من الجنون المفرط ، جنون دفعه نحو الاستغاثة وطلب المساعدة بمن يحب ويهوى ويعشق .. فتوخى الشفاء على يد من يحب / المرأة /الأنثى ، المسببة له في الألم ، لكنه لم يحقق ذلك فانقلب على نفسه وذاته كرعد غاضب وعنيف فكان الانفجار الشعري كسيل جارف ، وكهذيان مرضي .. فالشاعر لم يتناول الجنس واللذة الحسية صراحة تتوازى وتتناسب مع حالة الهذيان المرضي ، بل أخضعها لتحكم العقل ، فهو يومئ ولا يصرح ..
فكل قصائد الديوان مشحونة بمعجم لغوي تعبر عن الألم الذي أفضى إلى الهذيان والجنون منها : يقول الشاعر :
ــــ ذاكرتي …/ مقبرة جماعية /لأجمل النساء /…………../ وسأبقى ملكاً لأحزاني / مهما كلفني الأمر / من شقاء وعناء . الديوان / قصيدة : مملكة الأحزان / ص : 28
ـــ اسمي مجنون / …../في رصيدي / عشرون سنة من الجنون / الديوان / قصيدة : اسمي مجنون / ص : 29
ـــ وهل يعقل / أن أعتذر لسلطان الحب / وهو الذي علمني / أن مجنون العشق / يعذر ، وأبداً لا يلام / الديوان / قصيدة / جنون العشق / ص : 20
ــــ اسألوا عني / الذين يصرون دوماً / على أن قصائدي في السن تصغرني / اسألوا الذين أدمنوا على لومي …./ لقد تفهموا جنوني أخيراً /وقدموا الولاء لعيون حبيبي / الديوان /قصيدة / اسألوا عني …./ ص : 17
ــــ وأعرف أنهم / اكتشفوك في شراييني تسبحين/ وقالوا : هذا مجنون منذ سنوات / الديوان / قصيدة /اسمي مجنون / ص: 31
والواقع إنه هذيان ينظمه العقل ،هذيان منتشل من اللاوعي وأثناء الكتابة الشعرية ينظمه العقل وترتبه الثقافة والتجربة .. فالذات المبدعة عندما تحاور الوعي واللاوعي لابد لها أن تهذي ، عن طريق المواراة والمواربة ، والرمزية والإيحاء .. إنه الهذيان الذي يصنع المغامرة الشعرية الفنية ،اختار الشاعر لها مداخل صعبة فنجح في إدخال القارئ عالم الوحشة المدمرة والمرعبة ..
6 ـــ جدلية الحضور والغياب في ديوان / بقايا أحلام /
للشاعر رؤية كونية للحب وفعله في النفس والذات من جهة ، وعلاقة الحب بالمرأة من جهة أخرى . بسحرية فنية كشف لنا عن ما كان يخفى عنا في الحياة ،فهو يبحث عن ذاته وعن موقعها الحقيقي بين شعراء عصره، شأنه شأن كل مبدع / إنسان . ولكن بوسائل فنية يبحث عنها في الجمال المطلق .. شاعر ترفع عن ما يمس الحسية المفرطة ،فانقاد إلى سدة الأحلام التي ولدها من ذاته .. ومن هنا كان الشاعر يلجأ أحياناً إلى أدوات عكس الدلالة منها :
ــــ / لكن / لكن جمره لجراحي / دواء بلسماً / لكن .. من باب اللطف /أخرجني الرزاق مخرج صدق / حتى / حتى صرنا سمناً على عسل / عسى / عساني أشفى من العشق / ومن نوبات جنوني / لقد / لقد تفهموا جنوني / وقدموا الولاء لعيون حبيبي /السين اللاصق بالفعل المضارع / سأنكس / سأنكس / سأبقى / سأتذكرك يوماً / ..
فالشاعر يحول حضوره إلى غياب ، حضور غير واقعي ، لكن يجسده فيما تبقى من الأحلام التي يدعمها بالاغتيال ،الذبح ، الجرح ، الجنازة ،الحرق ..الجنون ، نيل صفة الشهيد ،المرض ،الرحيل ، التهديد ، السجن ، والموت … كما أن الشاعر يحاصر المتلقي بدوال الغياب الذي يحوله إلى حضور المخاطب / المرأة ، وهو حضور وهمي ومتخيل ، فهي غائبة لكنها موجودة في مخيلته ، لكنه استطاع بلغته الشعرية / الأدبية أن يستحضرها ويتعايش معها كما في الواقع ، فهو يراها في كل مكان وزمان ، مستعملا في ذلك دوال موحية منها :
ـــ الظل / سأحرق جثتي /على ظلك / حتى ينقطع صهيلي/ الديوان/ قصيدة : تراب خطاك.. أنا ص : 14
/ العروس / الوسام / الشعار / يقول : أعترف أني رسمتك عروساً ووساماً وشعار / الديوان / قصيدة : جريمة حب /ص : 15 /
يقول الشاعر :
ــــ ورسمت خطاك / بحبر الدمع / على وجه الرمال / واستقرأت طالعك / في صورة البدر / وانشري غسيلك / على سطح الدنيا / ولا تهددي بتكسير الزجاج / رأيتك تجرين / حقائب الرحيل كئيبة /وأنا …/
ومن بين العناوين التي تستدعي الغياب ــــ وسأتطرق لمثال واحد ـــ يتجلى بوضوح في قصيدة / اسألوا عني / فالشاعر مغيب عن أذهان الجماعة ، لا يعيش واقعهم ، فهو يقاتل من أجل تأكيد حضوره في عقولهم وأذهانهم ،عسى أن يفهموا معاناته وما يتكبده من سلطة الهوى ،إنهم لا يؤمنون بثقل الحب على عاطفته ، فهو يحس بالغياب لأنه يعاني من غياب الاندماج في المجتمع الذي لا يقدر الحب ، لذلك فهو حاضر كجسد وذات وعقل في خياله وجنونه وهواجسه وتخيلاته وأحلامه وهذيانه . وكأني بالشاعر يطرح أسئلة عطشى في ديوانه :
1 ـــ هل يلام الإنسان إذا جاهر بحبه ؟
2 ـــ هل يقتل أو يسجن إذا ما تغنى بحبه جهاراً ؟
3 ـــ هل إذا تعلق بامرأة وتغنى بجمالها يعتبر مارقاً ومجنوناً ؟
4 ــــ هل وهل …؟
من خلال ما سبق يؤكد الشاعر عمر الصديقي رؤيته الشعرية التي تحركه نحو رأب الصدع وجبر الانشطار والتشظي الذي لحق عالم الحب العاطفي والوجداني في العصر الحاضر ،فالنفس البشرية فقدت أسمى فضيلة ، والذات لم تعد تتعامل بقيم إنسانية نبيلة وعلى رأسها العشق.. فهو يرى الواقع الخارجي ينهار يوماً بعد يوم ، فلم يساعده على التكيف والاندماج بل يهمشه ويرفضه ولا يدعم موقفه من الحب .. ومن تم لجأ إلى صنع محبوبته المتعالية التي ستظل رهناً بقدرة الشاعر على خلقها ، فقد لا تكون من البشر ، من دم ولحم ، وإنما هي بكر وطاهرة وعفيفة ،ساحرة ورائعة ..
وقد قال الشاعر بودلير :” ماذا يهم الواقع الخارجي ،إذا لم يساعدني على أن أعيش وأن أحس من أنا وماذا أكون ؟ ”
7 ـــ التوهج اللغوي وتنوع الإيقاع الغنائي
يقول الأديب أحمد زكي أبو شادي ” إن روح الشعر الحر إنما هو التعبير الطليق الفطري كأنما النظم غير نظم لأنه يتساوق مع الطبيعة الكلامية التي لا تدعو إلى التقيد بمقاييس معينة من الكلام ”
وإذا تجاوزنا الاختلاف البسيط القائم بين الشعر الحر وقصيدة النثر حول ” التسمية والخصائص ”
تقول المحاضرة “هانا سالت ” بجامعة فيينا إن قصيدة النثر ترتكز على اتجاهين أو أكثر :
1 ــ الاتجاه السردي وهو اتجاه يستخدم لغة وصفية لمقاربة الطبيعة والواقع بحيث تنحو القصيدة ناحية موضوعها لا ناحية كاتبها ..ويتجلى هذا الاتجاه السردي في قصيدة / تمام الكمال / ص: 22حيث يقول الشاعر : بحث عنك ../ في مقصورات القطار / القادم من مدن الشمال / ورسمت خطاك / بحبر الدمع / على وجه الرمال / واستقرأت طالعك / في صورة البدر / تمام الكمال / وسألت عنك عين الشمس / إلى المغيب كورت / فهي منك تغار / ولك تشهد بالجمال /
وظف الشاعر كلمات ترتبط بالطبيعة / الرمال / البدر / الشمس / حيث جعلها شاهدة على جمالها في سردية جميلة ..
2 ـــ التعبير الفردي عن العواطف والانفعالات وهنا ترتبط القصيدة بالشاعر وتشير إليه ..وتصبح مفردات الواقع والطبيعة مجرد وسائل للكشف عن الذات الشاعرة ..
كما يتجلى التعبير الفردي في قصيدة /يوم اغتيالي / ص 38 حيث يقول : أتذكر يوم اغتيالي / أتذكر أني / كنت في جنازتي /وراءك أمشي / …..وأنا …/ وأنا بقيت وحيدا ً/ في محراب العشق أبكي /
فقصائد ديوان “بقايا أحلام ” عمر الصديقي متحررة من الروي والقافية ، جاعلا من الإيقاع حركة تناغم داخلي وليس تطابقاً نغمياً بين أجزاء خارجية شكلية ،فالمضمون والشكل يتوحدان توحداً جوهرياً ،فالكلمات تحمل المضمون وتعبر عنه بالرمز والإيحاء والإيماءة بأكثر مما تقول ،كما تحمل موسيقى طبيعية تتماوج دون أن يقتنصها الشاعر من خارج انفعاله وتوتره وعاطفته وهذيانه .. وكمثال على ذلك :
أ ـــ فكم يلزمني من خريف / ب ــ لأكنس ذاكرتي / ج ـــ رماد الأيام / الديوان / قصيدة / جنون العشق /ص : 20
هناك ترابط بين المضمون والشكل ، فرغم أن الشاعر عمل على بعثرة نظام الأسطر الشعرية بالتنقل عبر ثلاث جمل شعرية (أ ـــ ب ـــ ج ــ) فإن الجمل الثلاث تشكل وحدة دلالية .. فالشاعر لما أحس بطول الجملة الشعرية والذي يعيق الدفــقة الشعرية جزأها على البياض لتحصل الجمل الثلاث على نفس متساو بينها .
/ فكم يلزمني من خريف لأكنس ذاكرتي رماد الأيام / هناك تقارب بين النبرات لبعض الحروف موزعة بشكل جيد والتي أعطتنا موسيقى جميلة .. فقد تكرر حرف ” النون ” ثلاث مرات ،وقد تكرر حرف ” الراء ” ثلاث مرات ، وتكرر حرف ” اللام ” ثلاث مرات .. و تكرر حرف ” الميم ” خمس مرات ”
ولعل أول أداة لدى الشاعر هي لغته في بساطتها وبسطتها في الآن ذاته ،مع شحنها وجعلها ممتلئة بالدلالات والرموز ، لغة مألوفة من حيث طبيعتها المعجمية ،رشيقة في صياغتها ،غنية بالإيحاءات المتولدة من مشاعر فياضة وردود أفعال نفسية مشحونة بالتمرد والاحتجاج والرفض ..بل بالجنون والهذيان ..ومن تم جمع قاموسه كثيراً من دقائق وتفاصيل أنثوية : ردود أفعالها ، أوصافها ، همساتها ، سكناتها ، غضبها ، انفعالاتها ، رغباتها …..
فالمرأة عند الشاعر كونية لها قدرة سحرية على التحليق بالشاعر وانتشاله من حواسه الاعتيادية ونقله من الواقع إلى لآفاق واسعة ممكنة شعرياً في لحظة الهذيان والجنون والتخيل …
خاتمة
وأخيراً ، أعجبت بهذا الديوان الشعري الذي حاول الشاعر عمر الصديقي أن يكون متميزاً في قصائده الغزلية الشيقة ، فالشاعر لعب على تيمات الحب فخلق حالات من الشجن والهوس ، الأرق والترقب ، الوجد والانتظار ، الاغتيال والتوحد ، الانفعال والجنون من جراء سلطة الحب والهوى الجارف ،والعشق المتطرف المتيم …
شاعر يحس بغبن العشق فكان جريئاً في تعبيره واختيار اللغة المناسبة لحالاته .. يتمرد ويثور ، يصرخ ويتغنى .. فجاءت قصائده حارقة ، ثورية وانفعالية ، كل قصائد الديوان تتميز بعذرية النقاء والطهارة ..
شاعر يعانق الفلسفة الكامنة في قلب العاشق /الشاعر كإنسان لا يختلف عن طبيعة البشر ،فالهواجس تطارده كلما ضاق صدره ، والجنون المدعم بالعقل يجعله على حافة الانفجار ..
شاعر يصدح كالبلبل الذي يجيد غناءه لا يعرف حدوداً بين الأمكنة ولا يتقيد بزمن ..فكلما استقرت في ذهنه حالة العشق والهذيان ، كلما تمرد وجاهر بحبه يهاجم حالات الحياة وتقلباتها المتناقضة .. حالات تتشكل في الغياب كأحلام يتمنى أن يعانق في الغيب المرأة / الحياة التي لا تعدو كونها حلماً من أحلامه .. ..
نصوص الشاعر عمر الصديقي تعمل على تجسيد كل تلك الحالات الكونية التي عددها في ديوانه /بقايا أحلام / التي تدل على الارتباط الوثيق بين المرأة ومفردات الطبيعة / الحياة …
شاعر اعتمد على الخيال غير المجنح لبناء صور فنية بعيدة عن التقرير والمباشرة لتوليد رؤيته للوجود بمعنى أنه يصنع الشعر في قصيدة النثر ..وقديماً قال الجاحظ : فإنما الشعر صناعة وضرب من النسيج ، وجنس من التصوير ../ الجاحظ /كتاب الحيوان / ج : 3 ص : 132
