كفاءات مغاربة العالَم: فرصة ذهبية لا تحتمل التأجيل

www.alhadattv.ma

د. بوجمعة العوفي– شاعر وناقد فني

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الدول تراهن فقط على مواردها الطبيعية، بل أصبحت الكفاءات البشرية هي الثروة الحقيقية والرهان الأكبر. والمغرب، وهو يطمح إلى تعزيز مكانته قارياً ودولياً، لا يمكنه أن يحقق إقلاعه العلمي والاقتصادي المنشود دون إشراك أبنائه في الخارج، الذين راكموا تجارب علمية ومهنية عالمية، ويشكلون اليوم قوة اقتراحية واستثمارية هائلة.
لنبدأ حديثنا في الموضوع بهذه القصة الواقعية: ذات مساء من شتاء باريس، جلس مهندس مغربي شاب في أحد مقاهي الحي اللاتيني، يراجع تقريرًا معقدًا أعدّه لصالح إحدى الشركات العالمية المتخصصة في تكنولوجيا الطاقة المتجددة. يحمل هذا الشاب دكتوراه في الهندسة الطاقية من جامعة السوربون، ويتحدث ثلاث لغات بطلاقة، ويشرف على فريق من المهندسين في ثلاث قارات. ورغم مكانته العلمية الرفيعة، لا يخفي في أحاديثه حنينًا دفينًا إلى المغرب، وإحساسًا بالواجبتجاه الوطن الذي حمله بين دفتيْ الحلم منذ الطفولة.
لكنه حين سُئل ذات مرة: “لم لا تعود إلى المغرب”؟ كان جوابه مقتضبًا وموجعًا: “أين أضع خبرتي وكل ما تعلّمته، ومن يضمن لي أن يُسمع صوتي هناك”؟
قصة هذا الشاب ليس حالة معزولة. بل هو نموذج ضمن آلاف، إن لم نقل عشرات الآلاف، من الكفاءات المغربية بالخارج، والتي راكمت تجربة علمية وعملية هائلة في مجالات حيوية، من الطب والهندسة إلى الذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء، ومن المال والأعمال إلى الدبلوماسية الدولية. لكنها تظل، للأسف، طاقات مهدورة أو مؤجلة، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى كل عقل نير، وكل يد خبيرة، وكل فكر حر.
هجرة الأدمغة، معضلة قديمة وفرصة جديدة:
لطالما نظر المغرب إلى جاليتهفي الخارج باعتبارها مصدرًا لجلب العملات الصعبة فقط، تُذكر في تقارير البنك المركزي، وتحظى ببعض التكريم الموسمي. لكن النظرة التحويلية التي ترى في هذه الجاليةكفاءات استراتيجية قادرة على نقل البلاد إلى مصاف الدول الناهضة، لم تتجذر بعدُ في السياسات العمومي المغربية.
لنأخذ بعض الأمثلة فقط عن عالمات وعلماء وشخصيات مغربية لها حضور ومساهمات قوية في مجالات علمية وتقنية هامة، وتشغل مناصب علمية وإدارية عليافي مؤسسات بحثية واقتصادية دولية كبرى في مختلف دول العالم:
ــــ فوزية الطنجاوي– كندا: عالمة في البيولوجيا الجزيئية، متخصصة في بحوث سرطان الثدي، تعمل ضمن فرق بحثية بكندا، وسبق أن نُشرت أعمالها في مجلات علمية مرموقة. تنتمي إلى الجيل الجديد من العالمات المغربيات الرائدات في البحث الطبي.
ــــــ نزهة معاريف – الولايات المتحدة: عالمة في علوم الأعصاب، تشتغل في إحدى جامعات كاليفورنيا، أبحاثها تركز على الدماغ البشري وآليات الإدراك العصبي.
ــــــ نزهة الكرجي– كندا: عالمة في علم الوراثة والجينات، لها مساهمات في مشاريع بحثية حول الأمراض الوراثية النادرة، وتُعد من أبرز النساء المغربيات في مجال البيولوجيا الطبية.
ــــ كوثر حفيظي – الولايات المتحدة: عالمة فيزياء نووية تعمل في مختبر “آرغون” القومي الأميركي، التابع لوزارة الطاقة، وعضو سابق في فريق البحث حول جسيم “هيغزبوزون”. كانت من بين الوجوه البارزة في قيادة الفرق البحثية الكبرى في التجربة.
ــــــ ليلى مزيان بنجلون – فرنسا: صاحبة أبحاث في الطب وأمراض القلب، وهي أيضًا فاعلة في دعم البحث العلمي بالمغرب عبر مؤسسات اجتماعية.
ـــــ كمال الودغيري: ابن مدينة فاس، الذي يقود منذ سنوات مشاريع رائدة في وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، وكان له دور محوري في مهام هبوط المركبات على سطح المريخ.
ـــــ رشيد اليزمي– فرنسا / سنغافورة: مخترع أنود الليثيوم المستخدم في بطاريات الهواتف والسيارات الكهربائية. حصل على جائزة “درابر” التي تعادل جائزة نوبل في الهندسة. أستاذ في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة.
ـــــ كريم الطرابلسي – الولايات المتحدة: خبير اقتصادي في البنك الدولي، يشرف على مشاريع التنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة في ميادين العدالة الاجتماعية والاندماج المالي.
ـــــ إدريس السنتيسي – كندا: خبير في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، يعمل بشركة “أمازون ويب سيرفيسز” ويقود مشاريع تعتمد على الذكاء التنبؤي في الصناعة واللوجستيك.
ـــــ ياسين العثماني – ألمانيا: عالم في مجال الفيزياء التطبيقية، يعمل في معهد “ماكس بلانك”، ويشارك في بحوث حول تكنولوجيا الكم وأشباه الموصلات.
ــــ يوسف العسري– بلجيكا: مهندس كيميائي وباحث في الطاقة، يعمل على تطوير تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة في جامعة لوفان، وله براءات اختراع في هذا المجال.
ــــــ عبد الكريم بنعتيق– فرنسا: طبيب قلب شهير ومدير سابق لقسم القلب والشرايين في مستشفى بباريس. له إسهامات علمية في مجال علاجات القلب التداخلية.
هذه نماذج فقط من كفاءات مغاربة العالم، وهؤلاء وغيرهم ليسوا فقط قصص نجاح فردية، بل هم إمكانيات جماعية تنتظر أن تُفَعَّل ضمن مشروع وطني واضح وطموح.
المغرب وتحديات النهوض، حين لا تكفي الإرادة دون الكفاءة:
يراهن المغرب، في أفق 2035، على نموذج تنموي جديد، يهدف إلى تحقيق قفزة نوعية في مجالات الاقتصاد الأخضر، الرقمنة، التصنيع، والبحث العلمي. لكن هذه الأهداف الطموحة تصطدم، على أرض الواقع، بإكراهات داخلية من قبيل ضعف الاستثمار في البحث، والبيروقراطية الإدارية، وأحيانًا غلبة منطق الولاء السياسي على منطق الكفاءة.وفي هذا السياق، يصبح من العبث أن تظل كفاءات الخارج، القادرة على ملء هذا النقص الهيكلي، بعيدة عن مراكز القرار وعن دينامية الإنجاز الوطني.
في الصين، على سبيل المثال، تبنّت الدولة منذ سنوات سياسة “استرجاع العقول”، وقدمت حوافز ضخمة للباحثين الصينيين في الجامعات الأمريكية للعودة وتأسيس مراكز بحث بتمويل حكومي، فكانت النتيجة إحداث طفرة علمية هائلة. وفي الهند، تولّى مغتربون سابقون مناصب وزارية وقيادات تكنولوجية، جعلت من الهند قوة رقمية عالمية.فلماذا لا يجرؤ المغرب على مثل هذه الخطوة؟
عوائق العودة، ما بين الجدار البيروقراطي وغياب الرؤية:
تشكو الكثير من الكفاءات المغربية بالخارج، خاصة ممن جربوا العودة، من عراقيل متعددة. فالبيروقراطية المستفحلة، والجمود المؤسسي، وغياب سياسات احتضان ذكية، كلها عوامل تجعل العودة تجربة محفوفة بخيبة الأمل.يقول أحد الأطباء المغاربة المقيمين بألمانيا: “عدت لمدة سنة بدعوة من جامعة مغربية، لكنني اصطدمت بغياب أبسط وسائل العمل، وبنظرة دونية من بعض الزملاء. فعدت أدراجي، لا لضعف في حب الوطن، بل لعجز في بنياته”.
كما أن التعيين في مناصب المسؤولية داخل الدولة ما يزال، في حالات كثيرة، يخضع لمنطق التوازنات الحزبية والولاءات الضيقة، بدل معيار الكفاءة الخالصة، ما يجعل الكفاءات المستقلة أو “غير المرتبطة” تُقصى تلقائيًا، ولو كانت من ألمع العقول.
نحو استراتيجية واقعية، مقترحات للنقاش الوطني:
حتى لا تظل هذه الأحاديث مجرّد طموحات عاطفية، لا بد من ترجمتها إلى سياسة عمومية حقيقية، قائمة على تصور استراتيجي متعدد المستويات. ومن بين المقترحات الممكنة:
• إحداث هيئة وطنية مستقلة للكفاءات المغربية بالخارج، تعمل على رصد هذه الكفاءات، وربطها بالمشاريع الكبرى في المغرب، وتقترح أسماءها لشغل مناصب في مؤسسات الدولة، وفق معايير شفافة.
• تعديل قوانين التعيين في المناصب العليا، بما يسمح بتقديم ترشيحات مباشرة من الكفاءات المقيمة بالخارج، على غرار ما هو معمول به في بعض الدول الإفريقية الصاعدة.
• إنشاء منصات رقمية رسمية لتسهيل الاندماج المؤسسي لهؤلاء الكفاءات، وتوفير بيئة تشاركية تتيح لهم اقتراح الحلول في مجالات تخصصهم.
• تنظيم مؤتمرات وطنية منتظمة، لا تقتصر على “خطابات التكريم”، بل تضع خارطة طريق عملية لإدماج الكفاءات في السياسات العمومية، والمشاريع الكبرى، ومراكز القرار.
إن كفاءات مغاربة العالم ليست عبئًا على الوطن، بل هي وقوده نحو المستقبل. وهي لا تطلب امتيازات ولا تبحث عن تكريم رمزي، بل عن فضاء للفاعلية، وإطار يتيح لها أن تساهم من موقع المسؤولية، لا من الهامش. وقد آن الأوان لكي نقلب السؤال: ليس لماذا لا يعودون؟ بل لماذا لا نفتح لهم الأبواب وننصت لرأيهم ومقترحاتهم؟ ففي زمن التحولات الكبرى، من لا يحسن استثمار ذكائه الجماعي، يخاطر بأن يظل يراوح مكانه، فيما الآخرون يصنعون التاريخ.مع ذلك، لم يستثمر المغرب بعد هذا الخزان البشري بالشكل الأمثل، سواء على مستوى استقطابهم للبحث العلمي، أو إدماجهم في مراكز القرار داخل المغرب، أو تسهيل مساهمتهم في التنمية الاقتصادية.
إن المغرب لن يبلغ طموحه التنموي إلا حين يجعل من كفاءاته المهاجرة شريكًا استراتيجيًا في الإصلاح العلمي والاقتصادي، لا مجرد جالية تقوم بتحول الأموال فقط. فكما نجحت دول عديدة في تحويل هجرة أدمغتها إلى طاقة دفع، آن للمغرب أن يخطو الخطوة الجريئة من القول إلى الفعل، ومن الوعود إلى التنفيذ.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر