العولمة ومتاهات اللايقين

www.alhadattv.ma

*محمد مرفوق -باحث سوسيولوجي-

هذه الورقة عبارة عن قراءة في درس بثته جامعة محمد الخامس كلية الآداب و العلوم الانسانية على موقعها بالفايسبوك ، و الذي ألقاه الأستاذ بنفس الجامعة يوم الخميس 08 ماي 2020 ، تحت عنوان “عولمة اللايقين ، ولايقين العولمة، عطب في النظام و المعنى”.
يعلن عبد الغني منديب منذ بداية درسه : “أنا لا أخط في الرمل ،أو أقرأ في أوراق اللعب”، و هو إعلان بمعنى ما يليه مغايرا له من حيث المضمون و الترتيب،إن لم يكن إقرارا بلحظة مفصلية في تاريخ المجتمعات البشرية و الأنظمة الاجتماعية ، هذه اللحظة التي ليست في الأخير سوى انعكاس لفكر إنساني معولم.
ثم استرسل في تحقيب الفكر الانساني المؤثر بجائحة كورونا إلى ثلاث مراحل : تتميز الأولى كونها ولت إلى غير رجعة ، ويتم التفكير فيها من خلال المرحلة الثانية “أثناء الجائحة” ، و التي نتجت عن صدمة الجائحة ،مغيرة بذلك أنماط العلاقات مع الذات و الآخرين و الأشياء نحو وضع جديد يتحدد باللايقين النفسي-الاجتماعي ، ليضفي بذلك معاني و دلالات و امتدادات جديدة للأمل و التطلع كوجهين لنفس عملة اللايقين. أما المرحلة الثالثة ” ما بعد الجائحة” فهي لازالت تخضع لبوليفونيا Polyphonie صاخبة بين مهول و مهون و حذر متوجس و مندفع متربص .
ترمز السفينة Ark في خطاب عبد الغني منديب إلى انفتاح وانزلاق دلالي في نفس الوقت ، من سفينة نوح للخلاص و النجاة من الانقراض ، إلى سفينة الفكر المعولم المخلص ، إلى وحدة جديدة للفكر الكوني ” العقل المعولم” ، و الذي يجد أساسه و انبثاقه في لحظة تشكل و عي كوني كلي يربط بين الميكرو-جزيئي و الماكرو-كوني عبر اللايقين. مما يحيلنا إلى نوع من الاستكشاف الابستمولوجي ، الذي يذكرنا بقصص المستكشفين و المغامرين الرحالة من القرون الوسطى و المتأخرة ، و الذين لم يكتشفوا فقط المناطق الجغرافية الجديدة و إنما الخرائط الثقافية،و التوليفات الفكرية و الميتودولوجية ،التي ارتبطت بالمغامرة و الخوض في المعلوم/المجهول دون تهوين ولا تهويل.
فإذا كان الأكاديميون الرواد، ابستيمولوجيا قد غاصوا في النظام المعرفي للعقل العربي عبر اركيولوجيا تتجه من الماضي نحو الحاضر ، ليستكشفوا النظام الاجتماعي المغربي عبر نفس الميتودولوجية مع اختلاف في المضمون ، فإن عبد الغني منديب ينطلق من الحاضر (الأثناء) نحو المستقبل (ما بعد) ، ليشكل رمز السفينة النقطة الصماء في السد المعرفي الإنساني المعولم باللايقين. بمعنى أنه تجاوزكل ما هو محلي/وطني نحو ماهو شمولي عالمي.
يقترح علينا عبد الغني منديب إطارا نظريا ملائما لفهم و تفسير التحولات التي عرفتها المجتمعات البشرية جراء جائحة كورونا عبر تحقيب تاريخي، ونواة هذا الإطار النظري هي اللايقين.
يفيد مبدأ اللايقين عند Heisenberg أنه لا يمكننا قياس سرعة و موقع جزيئي في الوقت نفسه في الميدان الفيزيائي، إلا أنه قد تم حل هذه المعضلة في مجال الرياضيات ، و ذلك كون الجزيئي نفسه ليس سوى معادلة رياضية لا ترقى لأن تتجسد في شئ و لا ترتفع إلى التجريد الرياضي القح.
فتوطين اللايقين في السوسيولوجيا كنواة لإطار نظري تطلب مجهودا معرفيا مضنيا ، وتتبعا من طرف عبد الغني منديب للانزلاقات التي عرفها معنى اللايقين داخل ميدان سوسيولوجي معولم، من الواقع نحو النفسي والاجتماعي،و السياسي والاقتصادي… و في الأخير نظام المعنى ككل.
فاللايقين بالنسبة لعبد الغني منديب ” يزعجنا و يقض مضاجعنا” و بالتالي فهو ليس نواة لوثوقية جديدة ، و إنما هو دعوة لإطار نظري موجه بالأساس بطرح لأسئلة نوعية تمتح من اللايقين كمحرك لدينامية المعنى داخل سيرورة اجتماعية/تاريخية معولمة ،حتى نتمكن من مواجهة الأعطاب الثلاثة التي سادت إبان الجائحة و التي تمثلت في :
1- الابتعاد عن نظام معولم تتحكم فيه نظم عقلانية اقتصادية ، و يشرع فيه الربح السريع ، و يفصل فيه بين الناس بقدر ما تملك تساوي ، و أصبح الموت فيه هي القسمة العادلة و ليس العقل.
2- عطب التوقع و الاستباق، كون الوباء فاجئ العالم و دام إلى أن أفشل كل النظم الصحية العالمية.
3-عطب المعنى وقلب كل البديهيات التي كنا نعرفها عن المجتمعات البشرية سابقا.
مما يجعله أيضا دعوة لإطار نظري يعيد صياغة جديدة لمفهوم العقلانية نفسه بتأثيراته المباشرة و الغير مباشرة التي أنتجها أثناء الجائحة على النظام العالمي و المجتمعات البشرية ،و ذلك كون العديد من تلك البديهيات التي رسختها بضاعة تلك العقلانية تحورت 180 درجة، و بالتالي لم نعد نعرف من المجتمع المتحضر أو النامي؟؟؟
و هذا ما دفع بعبد الغني منديب إلى السخرية من وثوقية المتوقعين ، و توقعاتهم المتوقعة التوقع ، والغير متوقعة ، و التي لا تغدو سوى توقعات للمتوقعين لها قابلية للتوقع ،كالمنجمين و ضاربي الأخماس في الأسداس ، و بالتالي فأمام خطر الانقراض لا مجال للخط على الرمال، فما يرومه عبد الغني منديب صناعة معاني نسبية لا تهدف إلى الوثوقية و الشمولية في تصوراتها و قراءاتها و تأويلاتها للمعنى.
فما يمكن ملاحظته على خطاب عبد الغني منديب ، أنه خطاب بسيط في متناول القارئ المتمرس و الأكاديمي ، و في نفس الوقت مركب يجمع بين التوليفات التي يستعملها الفقهاء المغاربة ،و توليفات اللغة السوسيولوجية الباردة، كما يتميز خطابه بالبناء المنطقي المنسجم بين الأفكار و القضايا و تواترها .
و على الرغم من ذلك فخطاب عبد الغني منديب يحتاج لقراءات متتالية لترشيح Filtrer نظام المعنى المنسجم مع التوليفات الميتودولوجية ، التي تنتج فكرا لايقينيا منسجما مع الميدان السوسيولوجي العالمي، و يتضح ذلك أكثر عندما يضع المتلقي نفسه أمام سبعة زوايا نظر أو اكثر متزامنة ، حتى تتضح الصورة في كليتها وليس كلها ، فهذه الرؤية(زاوية النظر) الرؤيا(النبوءة) لا تتحقق بتبعيضها و تقسيم معانيها ودلالاتها ، و إنما بوعي معانيها مجتمعة.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر