- عبد العزيز بنعبو
منذ تأسيسه لفرقة «مسرح أفروديت» أعلن الفنان المغربي عبد المجيد الهواس عن هويته الفنية التي تغوص في الجمال والإبداع والفكرة الرصينة المتجذرة في تربة الحقيقة واليانعة المورفة ظلالها في سماء المشهد الفني المغربي.
كان تأسيس مسرح «أفروديت» نسبة إلى إلهة الجمال وما جاورها من بهاء الحياة والمعرفة، هو بيان حقيقة من هذا الفنان القادم من مدينة تازة الجالسة فوق قمم الجبال والتي تتقاسم هواء الريف كما تتقاسم حدودها الترابية مع الشرق حيث مدينة وجدة.
خلال السنوات التي عبرت من عمر الهواس، لم يكن للصدفة أو التخمين مكان، بل كان عازما على أن يخط طريقه كما يراها وكما يريد بمعية ثلة من الفنانين الذين اشتغلوا معه في مسرحياته المنجزة داخل فرقة «مسرح أفورديت»؛ مثل «قصة حديقة الحيوان» و»لعب الدراري» «شجر مر» و»شتاء ريتا الطويل» و»امرأة وحيدة» وباقي الأعمال التي شكلت وما زالت لحظة مغايرة في مسار المسرح المغربي، هي إضافات نوعية لما راكمه المسرحيون المغاربة، لكن بمقاربة فنية جديدة.
«التازي»
الهواس هذا «التازي» نسبة إلى مدينة تازة، لم يكتف في الإبداع المسرح، بل جاوره بالكتابة النثرية والشعرية وله في ذلك إصدارات عديدة ومميزة، وحجز لنفسه مكانا في الصفوف الأمامية للمبدعين المغاربة الذي يبحثون عن الفكرة والعمق ويبتعدون عن الأضواء، ورغم ذلك تمكنت «القدس العربي» من محاورته في لقاء أشبه بالبوح منه إلى الرد على الأسئلة.
بحكم نوازل اليومي ومحن المسرح مع الإغلاق، سألناه عن محنة البحث عن إعادة الروح إلى المشهد الفني في ظل قرارات الإغلاق المتتالية وآخرها تعليق المهرجانات والتظاهرات الفنية والثقافية.
أول ما أشار إليه الهواس في رده، أن «المسرح هو من بين المجالات الأكثر تضررا فيما يتعلق بانعكاسات الكوفيد على الأنشطة التي تستلزم اللقاء المباشر مع الجمهور؛ توقُّفُ الإنتاج والورشات والعروض أمر يسيء للممارسين إذا ما ميزنا من بينهم صنفين على الأقل: صنف تضرر لأن مورد عيشه هو عمله الفني، وصنف ثان تضرر لأن حيويته وحياته الفعلية رهينة بممارسته الإبداعية. ثم موقع الجمهور الذي سُيج خياله الفني بإطار شاشة التلفزيون والحاسوب والهاتف شكلا ومضمونا. ومن ثم فإن عودة الروح للمشهد الفني لا تستلزم فتح المسارح فقط، بل تستوجب من أهل الحرفة أن يتعلموا كيفية الدفاع عن حرفتهم، وأن يوضحوا أهميتها كممارسة يومية (غير رهينة فقط بلحظة العرض) تتم كما تتم كل أنشطة الحياة اليومية داخل المعامل والمصانع والورش والمتاجر والمؤسسات العامة والخاصة، وهي من داخل هذا المنطق ليست نشاطا ترفيهيا كما يعتقد عدد من الناس، وإنما فعلا حيويا أساسيا في حياتهم: ممارسين وجمهورا. لذلك يمكننا أن نشير إلى أن إيقاف دعم المشاريع الفنية هو مغالطة حين يتم رهن ذلك بالجائحة. في حين أن إغلاق المسارح هو فعل لا يستند على منطق ما دام جمهور المسرح ضئيل ولا يحتك فيه الناس كما يحدث في المستشفيات أو في المطاعم أو في التجمعات غير الفنية، إذا ما استثنينا المهرجانات والأنشطة المناسباتية التي تؤمها جماهير كبيرة والتي تستلزمها احتياطات أكبر».
الشيء بالشيء يذكر، فحديث الإغلاق يجر مباشرة إلى حديث النداء الاخير الذي أطلقه عدد من الفنانين المغاربة ووجه إلى وزير الثقافة، والهدف منه هو إنقاذ «المسرح من السكتة القلبية» فهل فعلا يعاني المسرح المغربي من خطر الإصابة بها؟
حسب وجهة نظر عبد المجيد الهواس، فإن الأمر هنا يتعلق «بالوضعية التي يرزح تحتها (المسرحي) حين تغلق في وجهه مقرات عمله، وليست وضعية (المسرح) باعتباره إبداعا يعرف تطورا سريعا في المغرب من حيث تعدد وثراء تجاربه. فهو غير متمسك بأنماط منغلقة، منفتح على التجريب لاكتشاف أشكال فنية جديدة. وهذا الأمر تكشف عنه الدراسات النقدية والبحوث التي تواكب دينامية هذه التجارب، والصدى الذي تتركه في المحافل والملتقيات الدولية».
وردا على سؤال تحول الجائحة إلى درس للفنانين قبل ان تكون محنة، على اعتبار أنها عرت على مجموعة من الأعطاب التي تستلزم الإصلاح، أكد أنه بالفعل «على المحنة أن تتحول إلى درس يفيد المسرح أكثر مما يسيء إليه، حين تتم التعرية على عدد من المغالطات التي استكنّا إليها في الغالب كلما رهنّا الممارسة الفنية بالقاعات (على الطريقة الإيطالية) فحسب. إن الجائحة هي من زاوية ما مناسبة حقيقية لإبداع أشكال فرجوية متجددة تعيد إحياء فرجات الشارع والفرجات الخاصة بالموقع وتطوير التجارب الإبداعية التي لا تلائمها القاعات المغلقة بقدر ما تلائمها مسرحة الفضاءات الغير معدة أساسا للمسرح. ليس على المسرح في هاته الحالة أن يتعرف على ذاته فقط من داخل المؤسسة ومن داخل القاعات التقليدية، بل أن يدافع عن تعدده وان يعيد اكتشاف ذاته من داخل الفضاء العام».
من الحديث العام إلى الخاص، غاصت «القدس العربي» مع ضيفها الهواس في مجال تخصصه الأول والأساسي الذي هو السينوغرافيا والتي يعتبر احد روادها ومبدعيها في المغرب، وسألته عن حال هذا التخصص، فردّ قائلا «في المغرب تطورت مجالات السينوغرافيا بشكل جد إيجابي من حيث السلطة التي صارت تفرضها على قيمة المنتوج الفني وتأثيرها في جودته، خاصة حين صرنا نميز ما بين المفهوم التقليدي للديكور والعمل السينوغرافي الخلاق الذي يُعدد من وسائطه ويستثمرها، كالضوء والمؤثرات الصوتية والجسد والحركة والصورة السينمائية والتشكيل والمعمار والنحت، وذلك في سبيل خلق لغات بديلة في صياغة معاني العرض، ومن ثم تقوية تعبيراته وإيحاءاته الدرامية خارج الوظائف التزيينية والوصفية التي عرفتها عدد من التجارب التي تفكر وفق نمط تقليدي.»
واقع حال السينوغرافيا في المغرب
ويوضح الفنان المغربي بالقول إن «واقع حال السينوغرافيا في المغرب مرده قيمة وقوة الطموحات التي تضطلع بها شعبة السينوغرافيا في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي من حيث خبرة مؤطريها وقيمتهم كممارسين يحظون بالكثير من الاعتبار، وصدى ذلك ملحوظ في عدد لا يستهان به من أعمال خريجي هذه الشعبة. وعلى خلاف التحديث الذي أحدثوه في مناهج ومحتويات التدريس عبر تطعيم التكوين باجتهاداتهم الخاصة ووفق ما يحبل به المجال من تطور إبداعي فني وتكنولوجي مستمر بدفق عبر مسارح العالم، فإن شعبة السينوغرافيا ما زال ينظر إليها نظرة هرمية تعكس الرؤية التقليدية للمسرح: المؤلف، المخرج (الديكتاتور) – والعكس صحيح – ثم الممثل، ثم السينوغراف (الديكوراتور) إلخ».
وبالنسبة للهواس، فإن «في ذلك جهل كبير ينعكس ضمنيا حتى من داخل مؤسسة المعهد حين نلحظ عدد الأساتذة القارين بالشعبة هو أقل من الثلث بالنسبة لعدد الأساتذة القارين بشعبة التشخيص أو التنشيط الثقافي. في حين تتعثر المؤسسة الوصية في الاقتناع بأهمية تطعيم الشعبة بكفاءات جديدة (وهي متوفرة وتطمح لمؤازرة جودة التكوين داخل المؤسسة) خاصة وأن المعهد العالي للفن المسرحي في المغرب رائد في هذا المجال مقارنة بباقي معاهد المسرح داخل الوطن العربي، وهذا أمر قد يجهله الكثير. في حين أن شعبة السينوغرافيا تطمح لأن تتوسع خارج دائرة المسرح، ما دامت السينوغرافيا اقتحمت المعارض والمتاحف والفضاءات العامة والخاصة. وهذه من الأمور التي يلزم تداولها بجدية وبوعي جديد يعكس رهاننا على أن نواكب ما يحدث في العالم كندّ وليس كتابع من توابع العالم الثالث».
إطار الحديث
ودائما في إطار الحديث عن التخصص، أفاد عبد المجيد الهواس، بأنه «خارج كوني سينوغرافا، فأنا أستاذ أولا وقبل كل شيء، أدرس داخل شعبة السينوغرافيا منذ ثلاثين سنة، وبقدر ما أجتهد فنيا أجتهد في أن أساهم بفعالية في تطوير التكوين بالمعهد، إلى جانب زملائي داخل الشعبة، وعلى قلتهم فهم ندرة: إدريس السنوسي، عبد الحي السغروشني، برفيقة بن ميمون وبدر السعود الحساني. نشتغل كخلية نحل. وداخل أعرافنا يكون أهم شيء هو أن نسرب كل خبراتنا ومعارفنا وتجاربنا لطلبتنا دون بخل أو تقتير، وذلك ضدا على كل الأعراف المشاعة على كون الفنان يفضل أن يحتفظ بأسراره المهنية خوفا من المنافسة. فلسفتنا نحن لها بابان، أولهما أن نمنح كل معرفة ندركها من أجل البحث وإبداع ما هو جديد. والثاني أننا ننظر لطلبتنا كونهم أسلحة الغد، ونحن نؤمن بهم وندفعهم للساحة كأنداد مع فارق الخبرة، لكنه جيل جديد له حظ أوفر في المعرفة وعليه أن يكون أفضل منا. هكذا ربما يستفيد المسرح المغربي إذا ما تنحى عنه الزيف».
لأنه صريح لا يوارب أبدا، سألت «القدس العربي» ضيفها عن العطب الحقيقي الذي يعانيه المسرح بشكل خاص والفن بشكل عام في المغرب، هل في العقليات ام في الوزارة الوصية على القطاع أم في الفنانين أنفسهم؟
وكان رده كما المتوقع، حين قال «لعل العطب الحقيقي الذي يعانيه المسرح في المغرب هو فكرة الوصاية؛ سواء من قبل المؤسسات الوصية أو من قبل الهيئات المهنية والنقابية أو من قبل الأشخاص. ليس هناك عيب في أي اجتهاد بناء، هذا أكيد، لكن في فكرة الوصاية انتقاء وحجب، إلزام وإكراه، وهذا لا يساهم في إثراء المسرح المغربي حين يتم التغاضي عن قيمة التنوع والاختلاف. كل التركيز يتم على من سينتفع من هذه أو من تلك المرحلة، من هذا الحزب أو من سواه، من هذا الدعم أو من دعم غيره، وفي الغالب دون تنافس شريف. كأن المسرح المغربي عليه أن يتداول فقط سؤال «الفنان» خارج قيمة فنه، والفنان كإسم «مكرس» بدل «الفنان» حين يبدع. على الفنانين أن يترافعوا على فنهم أمام الهيئات والمؤسسات، بدل أن يرفعوا الشعارات فقط. كثيرة هي القطاعات التي لا تعرف ما يبدعه هؤلاء الفنانون وكيف يتوفقون في أحلك الظروف، وهم إن كانوا حقيقيين ليسوا ببكائين جياع. علينا أن نعيد الاصغاء للشرفاء والمحايدين، المحبين غير المتزلفين بالنظر إلى أعلى، إلى الغد برأس مرفوع، وليس برأس مخدوع».
في ختام الحوار مع الهواس سألناه عن جديده الفني كسينوغراف ومخرج مسرحي وكاتب أيضا، فأعلن عن «مشاريع عديدة ما بين المسرح والأدب والتشكيل، خيمياء عناصر تسند بعضها بعضا إلى حين البزوغ، لكني حاليا أجتهد في تنقيح كتابين سوف يصدران في السنة المقبلة، أحدهما عن «السينوغرافيا» والثاني يخص «ينابيع المسرح الغربي» لعلهما يضيفان القليل من المعرفة بالمسرح وفق خبرتي المتواضعة».
