www.alhadattv.ma
* عبد الحميد العسري
إن المهمة الأولى للصحافة ليست الإشادة بالقطار الذي وصل في موعده المحدد، بل هي التساؤل عن ذلك الذي تأخر ولم يصل في وقته المعلوم.
مناسبة هذا التذكير البسيط بماهية« صاحبة الجلالة» ما عشته هذه الأيام في بلدتي العزيزة«تاهلة»التابعة لإقليم تازة، وهي تحتضن فعاليات«مهرجان الزربية الوراينية» في نسخته الثانية. مشاهد حية دبّ فيها الدفء فجأة في الشوارع، وانتعشت المحلات والمقاهي برواج ملحوظ، وهبّت الساكنة شيوخاً وشباباً، نساءً وأطفالاً نحو محرك«التبوريدة» ومنصة السهرات الغنائية، وكأنهم يمارسون هروباً جماعياً من عطلة طالت من الفراغ.
في وسط هذا الزخم، اشتكى صديق قادم من عروس الشمال مدينة طنجة بغضب ملحوظ من صعوبة ركن سيارته أمام منزل عائلته القريب من منصة المهرجان، ومن الغبار المتطاير من محرك الخيل، ليرد عليه آخر قائلا: “دع الناس تتنفس وتعيش اللحظة.. اصبر أنت، فأنت الأعلم بأنه لا متنفس لهم طيلة العام!”.
إن ما كشفه المهرجان بوضوح لا يخطئه زائر هو تلك الفجوة الحادة بين ساكنة مفعمة بالحياة، وبين بنية تحتية تشكو الإهمال وتعلن عن فقر الأفق من أول نظرة.
فالداخل إلى عاصمة قبائل بني وراين الغربية، لا تقع عينه على شوارع بمواصفات تستجيب لكرامة الساكنة، ولا على مساحات خضراء تليق بعائلاتها، باستثناء حديقة يتيمة ويابسة أطلقت عليها الساكنة تهكماً اسم «الحديقة المائلة» ، بعدما تحولت حالتها المزرية وغياب الصيانة إلى مادة للسخرية السوداء.
أمام هذا الجفاف الممتد على مدار السنة، لم يعد ينظر إلى المهرجان على الرغم من التحفظات المشروعة حول مضامين برنامجه كترفيه مجرد، بل كضرورة استثنائية وطوق نجاة طارئ، يُخرج الناس من رتابة الجدران إلى فضاء يتنفسون فيه، ولو إلى حين.
فمن المعروف أن المهرجانات، مهما نجحت في ضخ الحياة المؤقتة وفي خلق رواج اقتصادي عابر، لا يمكنها أن تكون بديلاً عن التنمية المستدامة، ولا حلاً لترقيع الشوارع والحدائق المائلة.
إن «الزربية الوراينية» التي يُحتفى بها اليوم لم تُنسج بضربة حظ أو بالاحتفال العابر، بل بالصبر والدقة والعمل التراكمي المتقن.. وذلك ما تحتاجه تاهلة من القائمين على تدبيرها.
فنحن إذن، في الحاجة إلى نسيج تنموي حقيقي ومتين يمتد لسنوات، لا مهرجان خاطف يطوي خيامه بعد أيام، ليعود الناس إلى هدوء «الحديقة المائلة» وانتظار قطار لم يصل بعد.
