في حادثة تُنذر بتصاعد الصراع بين المصلحة العامة والنفوذ الخاص، كشف رئيس جماعة الزراردة، بإقليم تازة، عن تلقيه تهديدات صريحة بالسجن. السبب؟ موقفه الرافض لاستنزاف ما تبقى من الفرشة المائية بالمنطقة، وتحديدا بعد تقديمه لتعرض رسمي على حفر ثقب مائي من قبل مقاول. هذه الواقعة، التي اختزلها الرئيس في تدوينة مقتضبة، تعكس صراعًا مريرًا بين منطق القوة ومنطق الحق، وتُعيد طرح التساؤلات حول حماية المدافعين عن الموارد الحيوية في المغرب.
التهديد الذي تلقاه رئيس الجماعة جاء في كلمات لا لبس فيها: “سندخلك السجن لأنك قلت: لا لاستنزاف ما بقي من الفرشة المائية. سندخلك السجن لأننا أصحاب مال ونفوذ. منطق القوة مقابل منطق الحق.” هذه العبارات، التي تحمل في طياتها اعترافًا بوجود قوة خفية تُحركها المصالح المالية والنفوذ، تكشف عن حجم الضغوط التي قد يتعرض لها المسؤولون المنتخبون عند محاولتهم حماية ثروات بلادهم ومواطنيهم.
تأتي هذه الحادثة في سياق بالغ الحساسية، فالمغرب يواجه تحديات مائية غير مسبوقة جراء سنوات الجفاف المتتالية وتراجع منسوب الفرشة المائية. في مثل هذا الظرف، يصبح الدفاع عن كل قطرة ماء واجبًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الجميع، خاصة المنتخبين الذين يمثلون صوت الساكنة. موقف رئيس جماعة الزراردة، برفضه حفر ثقب مائي إضافي قد يُفاقم استنزاف الفرشة، هو تعبير صريح عن هذا الواجب، وعن وعيه بالخطر الذي يُحدق بالأمن المائي للمنطقة.
الخطير في هذه التدوينة ليس فقط التهديد بالسجن، بل الإشارة الصريحة إلى أن وراء هذا التهديد يقف “أصحاب مال ونفوذ”. هذا الادعاء، إن صح، يُشير إلى وجود شبكات أو أفراد يُعتقد أنهم يمتلكون سلطة تتجاوز الإطار القانوني، وقادرون على ترهيب المسؤولين وعرقلة قراراتهم الرامية لحماية المصلحة العامة. إن هذه الممارسات تُقوض ثقة المواطنين في المؤسسات وتُهدد مبدأ سيادة القانون الذي تُحاول الدولة ترسيخه.
السؤال هنا: هل بات النفوذ المالي والاجتماعي قادرًا على إسكات صوت الحق، حتى عندما يتعلق الأمر بمورد حيوي كالماء؟ وهل يمكن لأطراف معينة أن تُخضع القرارات الإدارية والقانونية لمصالحها الخاصة، حتى لو كان ذلك على حساب مستقبل مجتمعات بأكملها؟
تُشكل تدوينة رئيس جماعة الزراردة ناقوس خطر يُنبه إلى الحاجة الملحة لتعزيز آليات المحاسبة والشفافية، وضمان استقلالية القضاء، وتوفير الحماية القانونية اللازمة للمسؤولين الذين يختارون الوقوف في وجه الضغوطات والفساد. فالمسؤولون المنتخبون الذين يضعون المصلحة العامة فوق أي اعتبار خاص يجب أن يكونوا في مأمن من الترهيب والابتزاز.
إن هذه الواقعة تُعيد التأكيد على أن معركة الدفاع عن الموارد الطبيعية ليست مجرد معركة بيئية، بل هي أيضًا معركة من أجل العدالة الاجتماعية، والشفافية، وسيادة القانون. على السلطات المعنية أن تأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، وتفتح تحقيقًا شاملًا لكشف ملابساتها، وتوفير الحماية اللازمة لرئيس الجماعة، وضمان ألا يصبح الدفاع عن الماء تهمة يُعاقب عليها في المغرب
