www.alhadattv.ma
* عبد السلام انويكًة
تحث شعار”من أجل تشريع مهني يضمن استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع”، انعقد المؤتمر الوطني لنقابة المحامين بالمغرب في نسخة ثانية يومي 13 و14 دجنبر 2019 بفاس.وكات أشغال الموعد في جلسة أولى افتتاحية خلال اليوم الأول،قد طبعها حضور معبر لإطارات مهنية وحقوقية عدةأسهمتبكلماتأبرزت فيها تقاطع بين الانشغالات في جل ما هو مطروح من قضايامهنية وحقوقية. فضلاً عما ميز جلسته الافتتاحيةأيضاً من التفات رمزيوتكريم لرؤساء سابقين لجمعية هيئات المحامين بالمغربكذا نقباء أجلاء،عرفاناً وامتناناًبما قدموه من جهد وتضحيات لفائدة قضايا مهنية وحقوقية.
وبعدتقديم التقريرين الأدبي والمالي في جلسة أولى عامة،ما تمت المصادقة عليه بعد مناقشة مستفيضة لمضامينهما. وبعد سلسلة ورشات خلال اليوم الثاني توزعت على”الملفالمطلبي”و”القانون المنظم للمهنة”و”التصور العام والقانونالأساسي للنقابة”، وهو ما أحيط بنقاش عميق انتهى بجملة توصيات أغنت بيانا عاما للمؤتمر تقاسمته جملة نقاط على درجة عالية من الأهمية والتقدير. فضلاً عما تعلق فيه بما هو شأن دولي وتماسات سجل أن السياسيات العمومية التي تتبناهاالدولة المغربية، لا يمكن فصلها عن سياق عالمي وارتباطات الاقتصاد الوطني به وبمؤسسات دولية متحكمة في إدارة الاقتصاد العالمي، وعن روابط عضوية تجمع بينها وبين طبقات وفئات اجتماعية مستفيدة من تلك السياسات، وأنه لا يمكن للمحامين وباقي الفئات السوسيومهنية المتضررة من الانعكاسات السلبية لهذه السياسات على أوضاعها، أن تفصلنضالاتها عن نضالات باقي فئات الشعب المتضررة من سياسات التفقير والتنمية المعطوبة.
و يسجل مؤتمر فاس لنقابة المحامين بالمغرب من خلاله بيانه العام الختامي، أن الهجمات الشرسة التي تشنها الدولة على بعض المكتسبات الديمقراطية والحقوقية التي حملها دستور 2011 تحت ضغط حركة 20 فبراير، أمر طبيعي في سياق انحسار موجة النضال الجماهيري وتحوله إلى أشكال متفرقة ومشتتة وفئوية، الانحسار الذي لا تملك الطبقة الحاكمة خياراً آخر سوى استغلاله لتصريف أزمتها وضربمكتسبات الشعب المغربي الديمقراطية والحقوقية والاجتماعية. مما يلقي على عاتق النقابات المهنية واجب تعبئة قواها استعداداً لجعل نضالاتها المهنية في قلب صراع اقتصادي واجتماعي وحقوقي يضع جماهير من الشعب المغربي في مواجهة أقلية محتكرة للسلطة والثروة، وعيا منها بأن المصالح المادية للفئات السوسيو- مهنية المشكلة للطبقة المتوسطة، لا يمكن أن تتحصن إلا في إطار دولة ديمقراطية حداثية وسياسات عمومية اقتصادية واجتماعية تخدم مصالح أغلبية فئات المجتمع المغربي. كما يؤكد المؤتمر على أن وأن أي نموذج تنموي منتظر-يؤكد المؤتمر- لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا إذا تجاوز المنظور التقني الصرف إلى استيعاب مجموع التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية..، مع فتح حوار عام مع كل الفاعلين بهدف صياغة نموذج تنموي بشكلتراكمي عبر ترسيخ البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإدماج السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخيارات التنموية المعتمدة ضمن هذه المنظومة.
أما على مستوى ما هو مهني فقد سجل بيان المؤتمر أنه على غرار كل الإطارات التنظيمية والمهنية للمحامين، كون السياق الحالي يتميز ببلوغ الأزمة المهنية إلى مستويات غير مسبوقة تنذر بخطر انهيار الأوضاع المادية لعموم المحامين ونسف مكانتهم الاجتماعية، وهو ما يحتم إحداث نقلة نوعية في طرق مقاربة القضايا والمشاكل المهنية للخروج بها من نفق التعاطي المناسباتي والتجزيئي الخاضع لمنطق ردود الفعل الظرفية والارتجالية، نحو أفق تصور شمولي للأسباب السياسية و الاقتصادية العميقة لتلك الأزمة، وهو ما يجعل من التنظيم النقابي المهني للمحامين ضرورة حيوية. مع التأكيد على الحاجة إلى توفير الشروط التنظيمية اللازمة لخلق دينامية نقابية دائمة وقادرة على وضع إستراتيجية نضالية و تفاوضية، كفيلة بالتأثير على موازين القوة وإرغام صانعي السياسات العمومية على التراجع عن استهداف الحقوق والمصالح المادية و المعنوية للمحامين. وعليه، فإن المؤتمر الوطني الثاني لنقابة المحامين بالمغرب- يضيف البيان-يعبر عن وعيه بالسياق الدولي والوطني والمهني الذي انعقد في ظله، وأن أشغال ورشاته التي انكبت علىتدارس مواضيع محدّدة ذاتأولوية على مستوىالاهتمامات المهنية والتنظيمية للنقابةأفرزت جملة توصيات هي كالتالي:على مستوى قانون المهنةيوصي المؤتمر باعتماد مشروع تعديل قانون المهنةالذي طرح كورقة في ورشة المؤتمر، مع تعديلات مقترحة بشأنه قصد الترافع من أجل قانون تقدمي لمهنة المحاماة على قاعدة المعايير الدولية والإقليمية المؤطرة للمهنة وبما يتلاءم مع روح دستور 2011.
كما يوصي المؤتمر بضرورة الترافع والنضال منأجل دسترة مهنة المحاماة. وتعزيز وتوسيع مجال عمل المحامي والتنصيص علىالطابع الاحتكاري لمهامه،كذا صياغة ديباجة لقانون المهنة تحيل على مرجعيةالمبادئ الدولية لمهنة المحاماة، مع إعادة صياغة التعريف التشريعي للمهنة كذا قسم المحامي بما ينسجم مع الاستقلالية الكاملة. هذا اضافةالى تجريم عرقلة عمل المحاميوإعادة النظر بشكل جذري في مسطرة التأديب بمايتلاءم مع حق المحامي في مسطرة تأديبية عادلة،مع الفصل بين سلطة التأديب وسلطة المتابعة وتأسيس المجلس الوطني للهيئات بالصيغة التي تحافظعلى استقلالية المهنة، واستئناف قرارات مجالس الهيئات أمام المجلس الوطني للهيئات. ومن جملة ما ورد أيضاً في بيان مؤتمر فاس لنقابة المحامين بالمغرب ضمن الشق المهني، استبعاد النيابة العامة من التدخل في كل ما يتعلق بالمهنة، وإعادة صياغة المادة 3 قصد تحديد مفهوم الأعراف والتقالي، وإخراج مدونة مضبوطة للسلوك المهني تكون مرجعاً في التحديد الدقيق لمجال إعمال الأعراف والتقاليد. أيضاً تحديد وضبط أشكال الممارسة المهنية وخاصة وضعية المحامي المساعد والمحامي بأجر والمحامي بالمقاولة، وغيرها من الصيغ المستحدثة بما يحفظكرامة واستقلالية المحامي،إقرار وتعزيز حصانة الدفاع وعدم مساءلة المحاميزجريا عما قد ينسب له نتيجة قيامه بعمل يتفق مع واجبات ومعايير وآداب المهنة، تمتيع الجمعية العمومية بالسلطة التقريرية في مجالات محدّدة تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الرفع من عدد أعضاء مجالس الهيئاتوتفعيل مبدأ المناصفة في التمثيلية داخل أجهزة الهيئة، التنصيص على مبدأ الشفافية في تدبير مالية الهيئات وإخضاعها لآليات الرقابة المالية.
أما توصيات بيان مؤتمر فاس حول الملف المطلبي، فقد توزعت على إلغاء المقتضيات القانونية التي تمس بالمكتسبات المهنية أو تضيق من مجال عمل المحامين والتخفيض من الرسوم القضائية إلى الحدود الدنيا التي لا تعرقل ولوج المواطنين للعدالة، وإقرار نظام ضريبي عادل ومبسط يراعي خصوصيات المهنة ويتضمن تحفيزات ضريبية للمحامين المبتدئين والشركات المدنية المهنية للمحامين.معالتمسك بمكسب التغطية الصحية الخاصة بالمحامين و ضرورة مساهمة الدولة في توفير حماية اجتماعية شاملة للمحامين، كذا ملاءمة جل التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية خاصة المتعلقة بحقوق الإنسان. أيضاً ضرورة تسطير برنامج ترافعي ونضالي بأفق زمني محدّد وبآليات تتبع وتفعيل مضبوطة
وحول التصور العام والقانون الأساسي، أوصى المؤتمر بضرورة إعداد تعديل للقانون الأساسي والنظامالداخلي لنقابة المحامين بالمغرب، بما يضمن معالجةكل النواقص المعيقة لعمل التنظيم النقابي وقرارهما في أفق زمني لا يتجاوز السنة. مع ضرورة اشتغال المجلس الوطني على تهيئ تصور عام للقضايا المهنية فيه قطع مع مقاربات تجزيئية وسطحية،بتوفير مرجع تحليلي شمولي يضعها في قلب تقاطعات مصلحية وحقوقية لباقي الفئات المهنية و المجتمعية المتضررة من السياسات العمومية للدولة، دفاعا عن أسس ومبادئ المجتمع الديمقراطي الحداثي ودولة الحق والقانون والمؤسسات ومبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان السياسية والمدنيةوالاقتصادية والاجتماعية،كذا إعداد و تفعيل برنامج تكويني في أدبيات وآلياتالعمل النقابي المهني لفائدة المنخرطين وأعضاء أجهزة وهياكل النقابة، وإلزام المجلس الوطني والمكتب التنفيذي بتشكيل لجنة دائمة للتنسيق توفر الأداة التنظيمية لخلق دينامية نقابية مستمرة على مستوى كل جهاز، وذلك بالاشتغال على إعداد و تهيئ القضايا و الملفات المطروحة علىجدول أعمال دورات المجلس الوطني.
و كان ختام بيان مؤتمر فاس لنقابة المحامين بالمغرب،تأكيده على أهمية تعاونه مع كل الإطارات التنظيمية والمهنية للمحامين المدافعة عن مصالحهم المادية والمعنوية وعن المكانة الاعتبارية لمهنة المحاماة. وقوفه إلى جانب الإطارات المهنية التي تدافع عن المصالح المشروعة لكافة الفئات المهنية،والشد على عضد كل الإطاراتالحقوقية المؤمنة بمبادئ المجتمع الديمقراطي وقيم حقوق الإنسان في شموليتها وكونيتها، في أفق بناء مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي يصون كرامة وحقوق الإنسان ويتسع لكل الآراء تجسيداً لمغربمنفتح متعدد متنوع ومستوعب للجميع.
يذكر أنمؤتمر فاس لنقابة المحامين بالمغرب في دورته الثانية كان محطةوفرصة أخرىللتأمل في واقع النقابة، ومناسبة للتداول بشأن تصور عام ناظم لأدائهاوتعميق النظر في آليات عمل مشترك مع باقي الإطارات المهنية، خاصة وأن الموعدانعقد في ظل تحديات كبرى جوهرية مرتبطة بتحولات عميقة تعرفها منظومة العدالة ببلادنا، مع ما يعنيه ذلك من حاجة لإطارات مهنية قادرة على تدبير المرحلة بما يخدم صالح المحامين ويعزز مكانة مهنتهم في المجتمع بحسب ما ورد في ورقة تخص المؤتمرللاستاذ خالد مروني الرئيس الحالي للنقابة.مضيفاً أن مؤتمر نقابة المحامين الوطني في نسخته الثانية انعقدومهنة المحاماة في تدهور مستمر بحيث أضحت تفقد تدريجيا ما كانت تتمتع به وما كان لها من دور مركزي في الحركة الحقوقية المغربية، مشيراً الى أنها لم تعد مصدر ثراء ومركز اجتماعي رفيع لتزايد عدد الملتحقين بالمهنة بشكل سريع ومضطرد جراء استمرار اعتماد نظام الامتحان بدل نظام المباراة.هذا دون مواكبة تشريعية هادفةلتوسيع مجالات عمل المحامين، وعدم جعلها مقصورة على دور تقليدي مرتبط بمهام استشارة ودفاع أمام المحاكم في قضايا ذات مسطرة كتابية، فضلاً عن استمرار اصرار إعفاء الدولة والإدارات العمومية من الاستعانة بخدمات المحامي كيفما كانت نوعية القضايا التي تعتبر طرفا فيها. ومن هنا بقدر ما كان ميلاد نقابة المحامين بالمغرب تعبيراًعن وعي بضرورة بوجود اطار في أفق الرأي والتأطير، بقدر ما كان أيضاً تعبيراًعن إرادة دفاع عن مصالح مادية ومعنوية تخص المحامينمع تعميق ثقافة التضامن المهني بين هؤلاءوالمطالبةبتوسيع مجال عملهم، والدفاع عن حقوق الإنسان حرياته الأساسية وعن استقلال القضاء والمحاماة، فضلا عماهو عمل تحسيسي اجتماعي لنشر الثقافة القانونية وتوعية المواطنين بدور المحامي في المجتمع- يضيف”
إن مؤتمر فاس لنقابة المحامين بالمغرب بعد عقد من الزمن عن التأسيس، لا شك أنه حكمته شروط وحيثيات ليست التي طبعت نسخته التأسيسية، لِما هناك من مرتكز يخص دستور 2011 بنفسه الحقوقي البارزومن دسترة لاستقلال السلطة القضائية وما يطرحه من اعتبارات عدة بحسب ورقة ذ.مرونيالتأطيرية دائماً. وعليه كان مؤتمر فاس محطةرصد لواقع مهنة في جميع تجلياته، مع مقترحات عملية لسبل من شأنها أن تشكل خريطة طريق وقيمة مضافة لتغيير واقع على أكثر من مستوى مع طرح ما هو استشرافي يخص مهنة المحاماة في زمن تحولات ورقميات وغيرها. ولعله ما تبلور من خلال تقرير ختامي لمؤتمر تاريخي بكل المقاييس جاء بمساحة هامة من رؤية مستقبلية استشرافية.
