www.alhadattv.ma
* هشام لمطلك
حين خاطب جلالة الملك محمد السادس نصره الله شعبه الوفي بمناسبة عيد العرش المجيد، لم يكن الحديث عن العدالة المجالية مجرد فقرة خطابية، بل جاء كمبدأ موجّه، وخريطة طريق واضحة لإرساء توازن اقتصادي واجتماعي بين جهات المملكة، وتدارك الفوارق التي راكمها الإهمال والنمط الإداري المركزي. وقد أكّد جلالته هذا التوجّه في خطابه الملكي السادس والعشرين، باعتباره ركيزة استراتيجية يجب أن تنعكس في السياسات العمومية وتُترجم إلى قرارات عادلة ومنصفة.
لقد تلقينا في الجمعية المهنية التازية للتجارة والخدمات هذا التوجيه الملكي بارتياح عميق وامتنان صادق، لأنّه – ببساطة – يُعبر عن معاناة شريحة واسعة من المهنيين والتجار الذين طالما شعروا بأنهم يعيشون على هامش الأولويات، وأن مناطقهم لا تحظى بنفس الإنصات ولا بنفس الرؤية الشاملة التي تستحقها.
جاء خطاب العرش ليقول بصوت عالٍ ما يهمس به الشارع الهامشي في تازة، وفي قلبه المدينة العتيقة: أن لا تنمية بدون إنصاف، ولا استقرار بدون كرامة اقتصادية، ولا عدالة بدون الاعتراف العملي بحق الجميع في التقدم والطمأنينة.
لكن المؤسف – وهنا مكمن الألم – أن بعض الإدارات، وعلى رأسها نظارة الأوقاف بمدينة تازة، يبدو أنها لم تلتقط بعد روح هذه الرؤية الملكية السامية، أو اختارت تأويله بمنطق المكاتب المغلقة، البعيد عن نبض الواقع.
فبينما يدعو جلالة الملك إلى إطلاق طاقات الاستثمار، ودعم الفئات الهشة، وتكريس الإنصاف المجالي، نجد أن نظارة الأوقاف بتازة تُصرّ على فرض عقود كراء جديدة بشكل انفرادي، رغم استمرار سريان العقود الأصلية وعدم حدوث أي إخلال من طرف المهنيين، بل وتلوّح بفرضها عبر التهديدات بدلاً من الانفتاح على الحوار والمسؤولية. وكأن مدينة تازة – بما تعانيه من هشاشة وبطالة وركود – تعيش في زمن آخر، أو خارج خريطة العدالة المجالية.
لقد وجدت الجمعية المهنية نفسها مضطرة لخوض وقفات حضارية سلمية، ولإغلاق المحلات في محطتين احتجاجيتين، ولتوقيع عريضة جماعية، ثم خوض خمس جلسات حوار رسمي مع ناظر الأوقاف، بالإضافة إلى ملتمسات مكتوبة قُدمت له، أملاً في حل عقلاني ومتوازن… لكن، ويا للمفارقة، لم نجد في المقابل سوى الإصرار على الإجراء، والتجاهل التام لخصوصية الوضع المحلي.
إن الجمعية المهنية التازية للتجارة والخدمات، إذ تُثمن التوجيهات الملكية السامية التي تضع العدالة المجالية في صلب أولوياتها، تأمل أن تُترجم هذه الرؤية إلى إجراءات عملية تتناسب مع الوضع الخاص في تازة. ومن هذا المنطلق، تدعو الجمعية إلى مراجعة سياسات نظارة الأوقاف بما يحقق العدالة المجالية وينعكس بشكل إيجابي على أوضاع المهنيين والتجار في المدينة. نؤكد أن الهدف ليس سوى تحقيق الإنصاف في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، بما يتماشى مع التوجيهات الملكية التي تسعى لإرساء التوازن والتنمية المستدامة في جميع أرجاء المملكة.
إننا في الجمعية، ونحن نُشيد بالرؤية الملكية العميقة، ونعتزُّ بإشارتها إلى العدالة المجالية كعنوان للمستقبل، لا يسعنا إلا أن نُعبر عن حيرتنا إزاء هذا التباعد الصارخ بين روح التوجيهات الملكية، وسلوك بعض الإدارات التدبيرية، التي من المفروض أن تكون أول من يترجم تلك التوجيهات إلى قرارات منصفة وحكيمة.
كيف يمكن أن نتحدّث عن العدالة المجالية، ووزارة الأوقاف – عبر نظارتها بتازة – تختار فرض الأمر الواقع؟ كيف يُنتظر من التاجر أن يواصل نشاطه بثقة واستقرار، وهو يواجه ضغوطًا غير مفهومة، ويُعامل بعقلية الجباية بدل التقدير؟ وهل الوقف، الذي نشأ في جوهره لخدمة الناس، صار أداة ترهيب اقتصادي، يُدار بأمزجة لا تخضع لأي رقابة مجتمعية حقيقية؟
إن أملنا كبير في أن تراجع وزارة الأوقاف حساباتها، وتعيد النظر في طريقة تدبيرها لهذا الملف بتازة، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية، ويحترم الحد الأدنى من شروط الحوار، والعدالة، والمواكبة الاجتماعية. فليس المطلوب إعفاءً ولا امتيازًا، بل فقط: أن تُعامل تازة كما يجب، لا أقل ولا أكثر.
وختامًا، لا يسعنا – نحن من قلب المدينة العتيقة لتازة، بأزقتها العريقة، وتُجارها الصامدين – إلا أن نثمِّن عالياً الرؤية الملكية المتبصّرة التي ما فتئت تُعلي من شأن المواطن، وتربط التنمية بالكرامة، والمجال بالعدالة. نسأل الله أن يُديم على جلالة الملك محمد السادس نصره الله نعمة الصحة والعافية، وأن يُقرّ عينه بوليّ عهده الأمير الجليل مولاي الحسن، وأن يُحقق على يديه مزيداً من الإنصاف والازدهار لهذا الوطن العزيز، من المركز إلى الهوامش، ومن القرى إلى الحواضر، في عدالة مجالية حقيقية لا تستثني أحدًا.
