عادات وتقاليد وفلكلور قبيلة البرانس بمدينة تازة « مساهمة في كتابة التاريخ الاجتماعي لمدينة تازة « الجزء الثاني
*ياسين خرشوفة
* طالب باحث في التاريخ وديداكتيك العلوم الاجتماعية كلية علوم التربية/ جامعة محمد الخامس/ الرباط
“لم تحتفظ لنا المصادر التقليدية عن قبيلة البرانس سوى أنها من برابرة المغرب الأقصى. فنجد البرانس القبيلة الأمازيغية الكبرى بناحية تازا” ، “هذه القبيلة توجد شمال مدينة تازة، حيث تحدها شرقا مغراوة ومكناسة، وجنوبا التسول، وغربا صنهاجة، وشمالا جزناية، ويعود استقرارها بهذه المنطقة إلى ما قبل ق8 م، ويعد موقعها استراتيجيا ضمن قبائل حوض إيناون، الذي كان معبرا للموكب الحجي في اتجاه الشرق، وكذلك القوافل التجارية” .
“ويطلق مصطلح البرانس أيضا حسب التصنيف التقليدي على إحدى الكتلتين الكبيرتين اللتين تكونان غالبية المجموعة الأمازيغية، حيث الكتلة الأولى عرفت بالبتر، وهذا التصنيف هو من وضع نسابة البربر، وتقسيمهم إلى بتر و برانس فهو من مخيلة العرب والبربر منذ مطلع القرن 10م” .
“وأثناء الفتوحات الإسلامية لاحظ العرب أن البربر يشكلون قوة بشرية كبيرة، وفطنوا إلى التمايز بينها، فقسموهم إلى بتر و برانس” .
” فالبتر سموا كذلك لانتسابهم إلى مادغيس الملقب بالأبتر، أما البرانس فينتسبون إلى برنس بن بر، فسموا لذلك برانسا” . “وبعد انقسام العرب إلى عرب قحطانيين وعرب عدنانيين، فطائفة البربر البتر تنتمي إلى مادغيس الأبتر بن بر بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان” . “أما البرانس فينتسبون إلى برنس بن بر، تقسموا إلى سبعة قبائل: أوربة، صنهاجة، كتامة، مصمودة، عجيسة، أوريغة، وازداجة، وأضاف سليمان المطماطي قبائل أخرى، لمطة وهسكورة و جزولة” .
هذا التقسيم جعل الباحثين في حيرة، واستصعب عليهم الأمر في تحديد اللبنة الأولى التي بنيت عليها مسألة التمييز بين طائفتين مختلفتين من السكان. “فهناك من يعتمد على تصنيف له علاقة بالاختلاف في اللباس، فالبرانس يرتدون البرنس، بينما البتر يرتدون لباسا قصيرا . وتفسير التصنيف على هذا النحو غير دقيق، لأن البرانس لم يختصوا وحدهم بالبرنس، وصنهاجة الصحراء وهوارة كانت ترتدي لباسا طويلا دون برنس، مع أن صنهاجة تصنف ضمن البرانس” .
وهناك من ذهب إلى أن “البتر معظمها قبائل رحالة بدوية، تنزل بسلسلة الأودية الرعوية الممتدة امتدادا متصلا من طرابلس إلى تازة، وتنتشر في إقليم النخيل الممتدة من غدامس إلى سوس الأقصى” . “أما البرانس فهم بالدرجة الأولى سكان المناطق الجبيلة” .
1- العادات الاحتفالية:
1-1 – الزفاف:
الزواج يختلف من قبيلة إلى أخرى، فالعروس مطلوبة أحيانا في القبيلة المجاورة، وغالبا ما يتم اختيار الزوجة من خارج العائلة، وهذا لتجنب الخلافات والمناقشات في المصالح، وكذلك دفع حصة الميراث التي ستصل وترجع إلى المرأة. و المرأة التي تكون من نفس القبيلة فآباؤها يمكنهم المطالبة بحصتها. وإذا كانت المرأة من قبيلة أخرى، فآباؤها يفكرون مرتين قبل التعبير عن مظالمهم. وفي سنوات مضت كان رجال البرانس من قبيلة ولاد بن عزوز والذين يدعون بالشرفة، لا يتزوجون بالبرنوسيات، بل من نساء المناطق المجاورة من أجل إنشاء تحالفات .
وغياثة يتزوجون النساء البرنوسيات بكل فرح، ولكن مع دخول بوحمارة المشهد والساحة، أصبحت العلاقة بين البرانس وغياثة متدهورة ومتصفة بالعدائية لوقت طويل. وفي المقابل تلقت نساء غياثة نفس المعاملة عندما هربن من قبيلتهن في اتجاه قبيلة البرانس .
ففي قبيلة البرانس، إذا فكر أحد الأفراد العزب في الزواج، كانت ” أم الأسرة على العموم هي التي تختار خطيبة ابنها” ، وفي الغالب تكون إحدى أقاربها -إبنة أخيها أو أختها-، وقد يختار الأب زوجة ابنه – وفي الغالب تكون ابنة أخيه- وذلك عملا بالمثال الشعبي المتداول “اللي دا بنت عمو بحال اللي عيد من غنمو” ، فالزواج من بنت العم يعزز أواصر القرابة والتآزر والتآلف والتحالف والتلاحم حسب تعبير “بارث”، وقد يحصل في الحالات الناذرة أن يختار الشخص الذي يريد الزواج خطيبته، ويكون ذلك في إطار عرس عائلي أو في القبيلة.
فبعد الإعجاب بالفتاة، يتم التحري عنها وعن أصلها ونسبها وحسبها وشرفها وعمرها، وذلك عن طريق الأحباب والأقارب في الأسواق الأسبوعية التي تقام في القبيلة، والتي تعد فرصة لقضاء الحاجات و”الحصول على الأخبار وإبرام اتفاقيات الصلح، بالإضافة إلى التسوق والفرجة وإبرام عقود النكاح والطلاق والبيوع، وترتيب نظام المساقات” .
فعند القيام بحملة التحري عن الزوجة المستقبلية واقتناع بأنها الزوجة الصالحة، تتم المشاورات داخل منزل الشخص المقبل على الزواج، بعدما يكون هذا الأخير قد عين أحد من أقربائه لينشر الخبر بين الأهل، بعد ذلك يتم انتداب أحد أفراد العائلة للقيام بوساطة مع أب الخطيبة وذلك بالذهاب إلى منزله، أو الالتقاء به في المسجد أو السوق الأسبوعي.
وبعد وصول الوسيط إلى منزل المعنية بالخطوبة، يبدأ بالتحية المعتادة “ضيف الله”، ويكون رد ولي أمر الخطيبة “مرحبا بضيف الله”، ثم يدخل في صلب الموضوع حيث يعلن عن الهدف الذي جاء من أجله وهو طلب يد ابنته، فيقول “بغينا لالة فلانة للسيد فلان” ، فيكون الجواب “إلى كانت فالمكتاب راهم مزوجين فالسما قبل الأرض” ، ثم يطلب من الشخص إعطاؤه الفرصة للتشاور في الموضوع مع الأهل رجالا ونساءً، وفي هذه الأثناء كان أبو الفتاة تستخبر عن العائلة التي طلبت يد ابنته من حيث “الحالة المادية والمصاهرات والكرامة” . وبعد عملية الانتهاء من التشاور يتم اتخاذ القرار بالقبول أو الرفض –فالوضعية الاجتماعية للزوج المستقبلي وسلوكه يتحكمان دائما في اتخاذ القرار المناسب-، وبعد القبول في إطار الأسرة المخطوبة، يتم الاتفاق حول أيام الخطبة.
وقد جرت العادة عند قبيلة البرانس أن يحرم الخطيب من الذهاب في يوم خطبته، ويسمى هذا اليوم عند هذه القبيلة “بيوم الحْدَادْ”، أي يوم المشاورات المادية والاتفاق على المهر وما تحتاجه العروس، حيث يتم التحدث عن هذه الأمور داخل التجمع الرجولي، وعلى رأس هذا التجمع “الفقيه الذي يعد الشخص الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة قبل انتشار المدارس في هذه القبيلة بعد الاستقلال، ووجوده خلال هذا اليوم بالذات يعتبر شهادة حية على يوم الحداد، حيث يوثق التزامات وتعهدات كلا الطرفين فيما يخص (الصداق) وتجهيز العروس” والذي يتكون من الحلي، والتزين به ضارب في عمق تاريخ القبيلة، كما نوه لذلك ليون الإفريقي في معرض حديثه عن نساء البرانس واصفهن ب “نساء بيضاوات بدينات يتزين بكثير من حلي الفضة، لأن القوم أثرياء” ، ومن بين هذا الحلي (الشباك، الحصار، الخلخال، الدمليج، القشابة، ليزار، الشربيل)، ويتضمن هذا التجهيز أيضا تجهيزات منزلية (البرمة، حصيرة، بطانيات…)، أما أم المعنى بالأمر وهو الخطيب فقد اعتبر هذا اليوم بالنسبة لها فرصة للتعرف على زوجة ابنها في إطار التجمع النسائي، لتحمل أوصافها إلى ابنها الذي قد يجهل بحالها، وبعد كل هذا يتم تدوين كل ذلك في ورقة خاصة من قبل الفقيه، ثم تقرأ الفاتحة – بعد نهاية وجبة العشاء- والدعاء لأهل البيت والمخطوبين، وتكون قراءة الفاتحة إعلانا على نهاية مراسيم هذا اليوم، فيتم تحديد يوم الزفاف أو العرس.
قبل الموعد المعلوم يتم إبرام عقد النكاح حيث يذهب العريس مع والديه، وترافقهم العروس مع أبويها، وغالبا ما يتم ذلك في السوق الأسبوعي للقبيلة، حيث حدثني الشريف إدريس الحراق ببوهارون التي توجد على بعد 55 كلم من مدينة تازة، والذي يعتبر أكبر شيخ في هذه القبيلة حاليا، على أن من كان يبرم عقد النكاح في زمانه وبعده بقليل، هو العادل “المطوط” وهو معروف عند الكبير والصغير.
وبعد الانتهاء من خط العقد يذهبون مباشرة إلى تجهيز العروس بما تحتاجه، وما تم الاتفاق عليه في “الحْدَادْ” وكضرب “للفأل” يتم تجهيز أخ العريس الذي يليه في السن، وأخت العروس التي تليها في السن كذلك.
ومن عادة قبيلة البرانس الكبيرة، تطلب أسرة العريس من بعض نساء القبيلة، إعداد الكسكس على الطريقة التقليدية، ويسمى بيوم “افْتيلْ اطْعامْ”. ومن الرجال من يتجه إلى الغابة لجمع حطب الطهي، وهو مايسمى عندنا “بالحَطبَة”.
بعد القيام بكل هذه التجهيزات يأتي وقت الاحتفال، الذي عادة ما يكون مدته يومين، فاليوم الأول مخصص لحفل الحناء، والذي يطلق عليه يوم “لعْشا”، حيث يتم استدعاء أهل القبيلة، وفي الليل تنطلق الاحتفالات على نغمات الطبل و”الغيطة” التي تشنف الأسماع، ويتم إعداد صينية بالحناء، وقالب من السكر، و”عود القماري” الذي يثبت بعناية في حبة الطماطم، وعطر وشموع مشتعلة، كما يتم تجهيز العريس بجلباب أبيض، وبلغة بيضاء، وتزين عينيه “بالكحل” اعتقادا منهم أنها تطرد الشياطين والأرواح الشريرة، ويتم إخراجه بعيدا من المزل بقليل، مرفوقا ” بوزيرين” (يكونان عازبين على وشك الزواج)، ويطوفون به مع ترديد أهازيج من مثيل:
يا عظيم ذو الجلال يا الله يا الله يا ربي
وكذلك القصيدة المعروفة عندهم ” فضايل” على النحو التالي:
“بسم الله وبالله آفضايل بسم الله
بسم الله وبالله قدمنا رسول الله
بسم بالثنين خلوق النبي مع جبرائيل
بسم الله بالأربعاء خلوق النبي نورو ساطع
بسم الله بالخميس خلوق النبي لعنوا يبليس
بسم الله بالجمعة خلوق النبي شعلوا شمعة
بسم الله بالأحد خلوق النبي ما كيفو حد”
ويتم ترديد هذه الأهازيج حتى وصوله إلى المكان الذي سيجلس فيه هو و”وزرائه”، المكون من بساط “سداريتان” ومائدة عليها شموع وعود القماري، وقبل وضع الحناء في يد العريس يتم تغطية وجهه “بقب” الجلباب، وبعدها تتم عادة ضاربة في تاريخ القبيلة ” الغْرامَة” التي تعد بمثابة جمع تبرعات للعريس من قبل الأقارب والأحباب وكذلك الحضور من عامة أهل القبيلة في طقوس خاصة، حيث تبدأ “التبريحة ” بعبارة ” الله مع فلان بن فلان راه حط على العريس كذا وكذا، الله يخلف عليه والعقبة لعندو ونفرحولو وزغارث عليها”، وتكون هدايا العائلة عادة عبارة عن حلي وأفرشة ومعدات منزلية، في حين تبقى تبرعات الأصدقاء وشباب القبيلة نقدية.
وبعد الانتهاء من “الغرامة” يفر العريس نحو الداخل خوفا من رجم الجمهور له بالنعال.
أما عند العروس فلهذا اليوم طقوس خاصة حيث ترتدي اللباس يعرف “بالسوسدي” يوضع فوق “لزار” وتلبس سروالا فضفاضا أبيض اللون، ويوضع فوق رأسها “السبنية” حمراء بعد ظفر شعرها بعناية خاصة، وتوضع أقراط من فضة في أذنيها “والشباك” في عنقها ثم تجلس العروس في مكان أعد سلفا وبجانبها “الوزيرة” والنساء يرددن مقاطع زجلية من مثيل:
جيبوا المشطا جيبوا لخيوط *** دموع العروس يشلطوا لحيوط.
وبدخول امرأتان كبيرتان في السن تحملان الحناء وبعض المواد لتحضيرها (الماء، العسل، البيض)، والتي توضع في صينية فضية تضيئها شمعة، وتبدأ مراسيم الحناء بمجموعة من الطقوس وكل ذلك يمر وسط أهازيج وزغاريد النساء، وبعد الإنتهاء من هذا الحفل يفتح المجال أمام ما يسمى ب”التبريحية” لجمع التبرعات تسلم لأم العروس. ويستمر الإحتفال إلى اليوم الذي يأتي الموكب من بيت العريس لأخذ العروس إلى بيت الزوجية، وقبل وصول هذا الوفد تلبس “السوسدي” وبلغة وتوضع قبة فوق رأسها إضافة إلى “السبنية”، وتجلس في مكان لا تتحرك منه إلا إذا اقتضت الحاجة لذلك، وتنتظر حضور أهل العريس الذين يأتون بموكب كبير حاملين الأعلام، وما إن تسمع العروس بمجيئهم حتى يهتز كيانها وتنهمر عيناها بالدموع، وقبل ذهابها تودع أبويها اللذان حرمتهما التقاليد من الذهاب في هذا اليوم، وبعد شرب القهوة مع بعض لوازمها من (السفنج والخبز والعسل و الزيت)، تحمل العروسة فوق “بغلة” برفقة أحد محارمها – قبل ذلك يجب على أهل العريس أن يدفعوا قدرا من المال لأهل العروس لكي تقف، وهو عبارة عن مبلغ رمزي يسمونه “خلاص العروسة”- ثم ينطلق الموكب في اتجاه منزل العريس.
عند وصول العروس يسلم لها صحن به قطع السكر والحلوى لترميها في الفضاء (يتسابق الأطفال عليها)، ويسلم لها قالب سكر وخبزة تضعها تحت إبطها الأيمن، ويأتي العريس لإنزال عروسته من فوق ظهر البغلة، فيتصارع الشباب نحو لجام البغلة ليركبوها اعتقادا منهم أنهم سيتزوجون في أقرب وقت، أما أم العريس فتبادر إلى دق مسمار في الأرض، وضرب العروس بلطف مع الحائط سبع مرات حتى لا تفر من بيتها مهما كان حجم المشاكل والمعاناة، ثم تلج العروس إلى بيت الدخلة برفقة “الوزيرة” وبعض النساء اللواتي يقمن بتجميل العروس مرة أخرى، وبعد الانتهاء من تزيينها يتركون الزوجين بمفردهما.
وبعد وقت قصير يلوذ العريس بالفرار ولا يعود إلى المنزل حتى الليل، وذلك لشدة الخجل التي تمنعه من النظر في وجه أبويه، ثم يدخل الوزير والأهل ليجدوا “العمامة” قد تغير لونها وهي ما يطلق عليها “الدرا”، التي توضع في صينية يتوسطها قالب سكر للرقص بها أمام الحضور، وفي اليوم التالي تأتي أم العروس عند ابنتها محملة ببعض الهدايا (اللحم، والدجاج، والسفنج…)- بعدما مرت عليها ليلة عصيبة- ويسمى ذلك الفطور. وفي اليوم السابع بعد العرس يأتي يوم “حبان الرأس”، حيث تذهب العروس رفقة زوجها لزيارة أهلها محملة بالسكر والذبيحة ولباس لأبويها وأخوتها، فيقبل العريس خلال هذا اليوم رأس صهريه، إذ إنه منذ الخطبة يحرم عليه إلقاء التحية عليه.
1-2 العقيقة:
تتميز العقيقة عند قبيلة البرانس بطابع خاص، فقبل الاحتفال بهذه المناسبة في اليوم السابع بعد الوضع، لابد من ذكر التقاليد والعادات المرافقة لهذه العملية. فالمرأة في هذه القبيلة تستمر في حياتها الخاصة، حيث تراها تقوم بالأعمال الفلاحية الشاقة، والأعمال المنزلية المختلفة، لا تخضع لأي رعاية خاصة أو حالة استثنائية.
وعند المخاض يتم استدعاء “القابلة” وهي امرأة من الدوار تتميز بتقدير خاص، ولها معرفة بأمور المرأة والولادة اكتسبتها عن طريق التجربة، ولها ثقة كبيرة عند الجميع. وأول ما تقوم به القابلة هو تثبيت حبل في السقف تستعين به المرأة الحامل على الوضع و “مجمر” لتدفئة المكان، وما أن يخرج المولود إلى هذه الدنيا حتى يرش بقليل من الملح حتى لا يمس بالجن ويكون محبوبا عند الجميع، وتنطلق الزغاريد في أرجاء المنزل مدوية في الدوار محتفية بقدوم مولود ذكر، ويرفع علم أبيض في السطح، وإذا كان المولود أنثى تختفي الزغاريد وتنكس الأعلام، وهذه النظرة نجدها عند العرب القدامى في الجاهلية، فالمرغوب في الحمل هو الولد الذكر، لأنهم قوم عصبية وحروب ورغبتهم في الذكر مستمدة من طبيعة حياتهم، ولذلك كان العربيّ في الجاهلية يغضب إذا ولدت زوجته بنتا، وقد يهجرها.
وأول ما يقدم للمرأة عند الوضع هو مرق الدجاج، بحيث تذبح دجاجة إذ كان المولود ذكرا والعكس إذا كان المولود أنثى والهدف من ذلك هو زواجهما. وفي اليوم الثالث بعد الوضع يبدأ قدوم الأقارب والأحباب والجيران الذين يأتون بطبق خاص يدعى “الطجين”، وهو عبارة عن دجاج مع “التريد” وتستمر هذه الزيارات حتى اليوم السابع وهو يوم الاحتفال بالمولود الجديد وإعطائه اسما يستمر معه حتى مماته، وفي هذا اليوم تستدعى السلطة الدينية المتمثلة في الفقيه حيث يؤذن في أذن المولود لكي يشب على الدين الإسلامي الحنيف، ثم يذبح الكبش قائلا: “باسم الله والله أكبر، على اسم فلان” ثم تتعالى زغاريد النساء في حالة مولود ذكر.
ثم تنطلق الاحتفالات بهذه المناسبة السعيدة وتبدأ أفواج المدعوون بالقدوم محملين بالسكر والهدايا. وتقدم لأم المولود “النحيلة”، وهي شكل تضامني نسائي مع الأم ووليدها، وفي الليل يتم استدعاء رجال القبيلة للعشاء، في حفل ديني يحييه الفقيه برفقة “الطُلْبة” تتلى فيه آيات من الذكر الحكيم، وتردد بعض الأمداح النبوية، ثم يفتح المجال لدعوات الفقيه لصاحب البيت وللمولود الجديد.
وعند مرور أربعين يوما من الولادة يتم حلق رأس المولود الذكر حيث يهدي الأب بالمناسبة نعجة لإبنه، ويحلق رأسه وفق عادة محددة، يقص شعر الجوانب في حين يبقى شعر الوسط بارزا.
1-3 الختان:
ختان الأولاد وهم لا يزالون في مقتبل أول سنوات العمر سنة إسلامية واجبة، وعادة حميدة درج عليها العرب والمسلمون دائما. وفي الختان تطهير للذكور بما يشتمل عليه الهدف من ذلك آمال في حياة أسرية متماسكة وذرية صحية صالحة.
“في الصباح الأول من يوم الختان تقوم الأم بتنظيف المنزل وإعداد الأطباق المخصصة لهذا اليوم “كالبغرير، والمسمن…” وكذلك تجهيز الطفل بلبس جلباب أبيض فضفاض وبلغة، فيذهب الأب لإحضار الحجام على بغلته، وكذلك الفقيه ومعه بعض “الطُلْبة” وأفراد من القبيلة وذلك من أجل مساعدة الحجام في القيام بعملية الختان، وبعد الشروع في هذه العملية تنطلق زغاريد النساء مدوية في الأرجاء، أما الأب فيهرع خارج المنزل لأنه لا يتحمل الموقف.
وفي المساء يقْدم الأهل والأحباب والجيران لحضور مأدبة العشاء، يقدمون للمختون “النحيلة” ما استطاعوا عليه من النقود، كهدية رمزية تدخل السرور عليه” .
1-4 عادات أخرى:
–14-1 عاشوراء:
يحتفل أهل تازة بعاشوراء اتباعا لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخصوصا قبيلة البرانس، ففي هذا اليوم تضع الأمهات الحناء للأطفال، يطيبون البيت بأنواع من البخور، ويذبحن الدجاج لوجبة الغداء، ويأخذ الرجال معهم غذاءهم إلى المسجد، يتناولونه بشكل جماعي كنوع من الاحتفال. ويتم “تزكية” شعر الفتاة بقطع جزء يسير منه، وعدم “تحطين” الدجاج لاعتقادهم النجاة من المصيبة” .
-14-2 الحاكوز:
في هذه المناسبة يحتفل الأطفال بمرورهم على المنازل يطلبون “حاكوزة” بترديدهم:
“أنانا لعكوزة واعطيني حكوزتي ولا نريش شبوبة” .
وكل بيت يعطيهم ما استطاع من بيض وفواكه مجففة ونقود، كما تعد الأمهات أطباقا من (التريد، والشاي مرفوقا باللوز والجوز).
–14-3 ولادة البقرة:
ولم يقتصر “البرانس” على احتفالاتهم بالبشر، بل حتى حيواناتهم كانوا يحتفلون بها، فالبقرة عندما تلد كانوا يدعون الفقيه، والجيران لاحتفال بهذا اليوم الذي يسمى “يوم اللبا”.
2- العادات الدينية:
2-1 عيد الفطر:
كانت قبيلة “البرانس” تحتفل بعيد الفطر أو “العيد الصغير” على غرار جميع الدول الإسلامية. ففي الصباح بعد ما يتأنق البرنوسي بأفضل ما لديه من ثياب، يتوجه إلى المسجد محملا “بالفطور”، ونصيب الفقيه من “الفطرة” التي أخرجها من المنزل عشية يوم العيد، وبعد انتهاء من صلاة العيد، وتناول الفطور بصفة جماعية داخل المسجد، تتم الزيارات بين الأقارب والأحباب، كما أن الرجل الحديث العهد بالزواج لا يترك هذه المناسبة دون الذهاب إلى أهل زوجته محملا باللحم والسكر .
في المساء كان البرانس ينظمون مسابقة في الرماية، حيث تعتبر فرصة للتسلية والتنافس، ولكي يكون كل فرد على أهبة الاستعداد إذا تعرضت قبيلة لخطر خارجي.
2-2 عيد الأضحى:
يتم التحضير لعيد الأضحى، عدة أيام قبل حلوله، وذلك بتسمين الخروف، وشراء اللوازم التي تتطلبها هذه المناسبة (توابل، بخور، ملابس جديدة…) وعشية العيد تحني النساء والفتيات وكذلك أضحية العيد والمواشي، وتطلق البخور في أرجاء المنزل، في صبيحة العيد تستيقظ النساء باكرا لتحضير “البغرير” و “المسمن” و “البركوكش” ليحمل إلى المسجد ثم ينهمكن بعد ذلك في تحضير عدة الذبيحة من سكاكين وماء وشعير وملح يقدم للأضحية قبل نحرها. بعد الانتهاء من صلاة العيد يتوجه كل فرد إلى بيته لذبح الأضحية وذلك بحضور جميع أفراد الأسرة، فتتسابق النساء لأخذ قليل من دم الذبيحة لممارسة أغراضهن السحرية، حيث يشير مصطفى واعراب إلى أن دم أضحية العيد يعتبر حصنا اتجاه الآثار السحرية المؤذية، وطرد الجن ، وعند الانتهاء من الذبح تعلق الذبيحة في مكان مرتفع ثم تطلق البخور. وتتخذ طريقة الاستفادة من الأضحية طابعا خاصا، في اليوم الأول يتم طهي الكبد و”الدوارة” وفي اليوم الثاني طهي لحم الرأس، أما في اليوم الثالث فيتم التفرغ لباقي الأضحية .
عيد الأضحى فرصة لزيارة الأقارب والأحباب، ومواساة المرضى والعجزة، بل وفرصة لتجاوز الخلافات وعقد الصلح، وفرصة للتسلية والمرح حيث كانت تقام مسرحية بهذه المناسبة تدعى: “بوجلود” يقوم بتشخيصها مجموعة من الشخصيات (أبا الشيخ في دور البطل، وزوجته صونيا، وعبيدة، وبا عبو، ويهودي برفقة أبنائه).
2-3 عيد المولد النبوي الشريف:
تحتفل قبيلة البرانس بعيد المولد النبوي، ففي الصباح الباكر من هذا اليوم تستيقظ النساء لتضعن أعلاما بيضاء فوق السطوح، وإطلاق الزغاريد وسط القبيلة، ويسمى هذا العلم بـ “اعلام النبي” ثم تتفرغن لتحضير أطباق “الرفيسة”، أما الرجال فيتوجهن إلى المساجد لأداء صلاة الفجر. وفي اليوم السابع بعد عيد المولد النبوي يقصد “البرنوسيون” المساجد لترديد الأمداح النبوية والاشتراك في “الوزيعة”.
3- الفلكلور:
إن فن”الفراجة البرنوسية”، الجامع بين فنون الشعر والغناء والرقص والاستعراض، لا تتوفر دراسات تاريخية حول بداية ظهوره، مع أن البنية الثقافية الشعبية بتازة غنية بمنابعها ودلالاتها وعمق امتدادها التاريخي والجغرافي.
فهذه “الفراجة” التي تؤديها فرقة تسمى”فرقة الفرايجية”، تتكون من عشرة أفراد أو أكثر، تعتمد على الموسيقى والأداء الحركي وإنشاد الشعر، تحافظ فيها آلات البندير على إيقاع الفرقة، بالإضافة إلى استخدام المقص الذي يحدث رنة متناغمة مع أصوات الآلات الموسيقية الأخرى للفرقة، وكذا آلة الغيطة .
ففي مستهل “الفراجة” يصطف أعضاء الفرقة بشكل متساو مع تقدم طفيف لرئيس الفرقة (المقدم)، الذي يتوسط المجموعة، فيبدؤون الحفل بوصلة موسيقية وغنائية مع القيام بحركات راقصة، وذلك برفع الأرجل عن الأرض بتناغم تام مع تحريك الأكتاف إلى الأعلى، ثم يختمون هذه الوصلة قبل أن يبدأ رئيس الفرقة (المقدم) بإنشاد القصيدة التي تسمى “الزرعة”.
“وفي هذا السياق، أكد الباحث في التراث الثقافي والتنمية، عبد الحق عبودة، أن من مميزات فن “الفراجة عند قبيلة البرانس” أيضا أشعارها، التي تتسم بعمق عربي أصيل من حيث القالب والمحتوى والجوانب الفنية والجمالية، فالقصيدة عند “الفرايجية ” تتماهى مع مثيلاتها في الشعر العربي القديم من حيث الفصاحة والجزالة وانسياب الجملة الشعرية وقوة الصور الشعرية.
وأضاف الباحث أن النصوص الشعرية البرنوسية لا تخلو من مقدمات طللية وغزلية، مشيرا إلى أن شعر قبيلة البرانس يتميز بتعدد الأغراض والمواضيع (غزل وفخر ومدح وهجاء ورثاء)، بالإضافة إلى شعر التنابز والهجاء، إذ لا تخلو حفلة فرجوية من وصلات هجائية لاذعة وساخرة بين عضوين من الفرقة، تضفي على الحفل جوا فرجويا ينشرح له الحاضرون ويندمجون فيه من خلال تعليقاتهم وتشجيعاتهم التي تذكي المنافسة بين المتهاجيين.
وأضاف السيد عبودة أن “الحروب الهجائية” تشتعل بين فرقتين متنافستين أثناء أحياء الحفلات، وتحتفظ الذاكرة الشعبية لتازة بمطارحات شعرية بين فرق البرانس من جهة وقبيلتي الحياينة والتسول من جهة أخرى، إذ أبدع كل فريق في هجاء خصمه، مشيرا إلى أنه خلال موسم قبيلة البرانس (موسم سيدي أحمد زروق) تنافس فرق “الفرايجية” بعضها البعض، وذلك من خلال عرض أشعارها أمام جمهور ذي حس فني رفيع، يملك كل مقاييس النقد التي تحسم نتائج المبارزة الفنية لهذا الفريق أو ذاك.
وأشار إلى أن رقصة “الفراجة” المصاحبة بالغناء شكلت نوعا من الثقافة الشعبية العميقة ذات البعد المقاوم والمضاد لثقافة المستعمر الفرنسي، فكانت هذه الرقصة من الممارسات الفنية التي لعبت دورا كبيرا في الحفاظ على الشخصية الوطنية وعلى التلاحم المجتمعي للسكان وصيانة عناصر أساسية في التراث الشعبي والموروث اللامادي ومقاومة الغزو الثقافي الاستعماري، كما قوت أواصر التواصل والترابط بين أفراد المجتمع.
ويعد لباس أو زي فرقة “الفرايجية”، حسب الباحث، من أساسيات الأنشطة الجماعية عموما لدى عناصر هذه الفرق، الذين يرتدون جلابيب بيضاء من الثوب الخفيف (ناعم)، مع وضع حزام مزركش وأحمر يسمى لديهم ب “التحزيمة”، مشيرا إلى أن آلة “البندير” تعتبر أهم الآلات الإيقاعية الموسيقية عند “الفرايجية”، بالإضافة إلى “القصبة” و” الغياطة و”الطارة”، وكذا “التعريجة”، التي تتجلى مهمتها في ضبط الإيقاع وتحسين الأنغام.
وأضاف الباحث أن من بين الآلات الموسيقية الأساسية لدى فرقة “الفرايجية” أيضا المقص، الذي يستعمل في ضبط الإيقاع بواسطة النقر عليه بواسطة أداة حديدية، وكذا آلة “الغيطة” التي تستعمل على نطاق واسع عند قبيلة البرانس.
وخلص الباحث إلى أن فن “الفراجة البرنوسية” لا يمكن أن تكتمل مقاربته دون تفكيك بنية المجتمع القروي البرنوسي وفهم شبكته العلائقية ورصد العوامل الأولى التي تضافرت في رسم شخصية الفرد البرنوسي وطبيعته الاحتفالية، وكذا فهم الدلالات والأبعاد الانثربولوجية التي يزخر بها هذا الفن سواء على مستوى الخطاب الشعري أو طقوس الرقصات أو طبيعة الزي والآلات الموسيقية المستعملة، بالإضافة إلى رصد مظاهر الائتلاف والاختلاف بين “الفراجة البرنوسية” وباقي ضروب الفنون الشعبية التراثية المنتشرة على الخارطة الجغرافية لتازة” .
لائحة المصادر والمراجع
1. السلامي رشيد، معلمة المغرب، مادة” برنس”، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، مطابع سلا، ط1991، ج4، ص1197
2. المودن عبد الرحمان، البوادي المغربية قبل الاستعمار، قبائل إيناون و المخزن ما بين القرن 16 و19م، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الأولى، 1995، ص42
3. حركات إبراهيم، معلمة المغرب، مادة “البرانس”، الجمعية المغربية للتأليف و الترجمة و النشر، مطابع سلا، ط 1991، ج4، ص1126
4. العلوي القاسمي هاشم، مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن العاشر ميلادي، وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، مطبعة فضالة، 1995، ص235.
5. ابن خلدون عبد الرحمان، ديوان العبر والمبتدأ والخبر في أخبار العرب والعجم و البربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ج6، ص89
6. ابن منصور عبد الوهاب، قبائل المغرب، المطبعة الملكية، الرباط، 1968، ج1، ص279
7. العلوي القاسمي هاشم، مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن العاشر ميلادي، وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية مطبعة فضالة، 1995، ص235
8. زايكو علي الصدقي، معلمة المغرب، مادة “البتر” ، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، مطبعة سلا، 1991، ج3، ص1130
9. حركات إبراهيم، معلمة المغرب، مادة “البرانس”، الجمعية المغربية للتأليف و الترجمة والنشر، مطبعة سلا، 1991 ، ج4، ص 1126
10. بن منصور عبد الوهاب، قبائل المغرب، المطبعية الملكية، الرباط، 1968، ج1، ص 299
11. حركات إبراهيم، معلمة المغرب، مادة “البرانس”، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة و النشر، مطبعة سلا، 1991، ج4، ص 1126
12. TRENGA, les archives berbères , publication du comité d’études berbères de rabat, 1915-1916, TOME 4 , p :312
13. TRENGA, les archives berbères , publication du comité d’études berbères de rabat, 1915-1916, TOME 4 , p :313
14. روجي لوطورنو، فاس قبل الحماية، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، بيروت، 1986، ص 723.
15. الحراق إدريس،04/02/2015، على الساعة 14:30، حوالي 90سنة.
16. مقال احمد ايشرخان تازة ومحيطها افاق التنمية المستدامة الطبعة الأولى 2013 الجزء الأول منشورات مرايا ص 41.
17. محمد بن علال خرشوفة، 06/03/2015، على الساعة 10:00، حوالي 76 سنة.
18. محمد بن علال خرشوفة، 06/03/2015، على الساعة 10:00، حوالي 76 سنة.
19. روجي لوطورنو، فاس قبل الحماية، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، بيروت ،1986، ص 726.
20. علي بن المختار، 03/04/2015، على الساعة 13:30، حوالي 60 سنة.
21. الحسن بن محمد الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي و محمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983، الطبعة الثانية، الجزء الأول، ص357.
22. الحراق إدريس،04/02/2015، على الساعة 14:30، حوالي 90سنة.
23. علي بن المختار، 03/04/2015، على الساعة 13:30، حوالي 60 سنة.
24. فاطنة بنت محمد 10/03/2015 على الساعة 09.30، حوالي 68سنة.
25. فاطنة بنت محمد 10/03/2015 على الساعة 09.30، حوالي 68 سنة.
26. فاطنة بنت محمد 10/03/2015 على الساعة 09.30، حوالي 68 سنة
27. مصطفى واعراب، كتاب المعتقدات السحرية في المغرب، الطبعة 1، دار الحرف للنشر والتوزيع2007،
28. “الزجل البرنوسي بتازة. واجهة ثقافية وسياحية تتبوأ مكانة متميزة في المخزون الموسيقي الشعبي بالمنطقة”، تمت مراجعته بتاريخ 02/04/2015، http://www.ahdath.info/?p=59243.
