الأولويات في حالة الطوارئ الصحية

www.alhadattv.ma

*سعيد بعزيز / نائب برلماني

لا أحد يجادل أن بلادنا، وباقي دول العالم، تمر من مرحلة عصيبة، وهو ما يقتضي التروي والحكمة في اتخاذ القرارات على مختلف المستويات والمؤسسات، مع توخي الحيطة والحذر حتى لا يعصف بالأمن المجتمعي، ضمانا لاستقرار المجتمع وسلامة وأمن أفراده، وحفاظا على سيادة البلاد.
لذلك تطرح مسألة تحديد الأولويات في زمن تفشي فيروس كورونا، أهمية قصوى، وهو المنهج الذي اتخذه جلالة الملك لما لجأ إلى اتخاذ تدابير وإجراءات اتسمت بالاستباقية والحمائية، حماية الإنسان قبل الاقتصاد.
فاليوم أمامنا، ثلاثة تحديات أساسية، تهم الملف الصحي، والقطاعين الاجتماعي والاقتصادي، نستحضر فيها الإنسان أولا، فما هي أولى الأولويات؟
إن الحديث عن الإنسان، يدفعنا إلى الحديث عن حماية حقه في الحياة وفي سلامة شخصه وأقربائه. مما يعني أن الأهمية ستعطى للملف الصحي باعتباره محورا أساسيا يستخرج بمفرده من القطاع الاجتماعي.
ففي ظل ما تقوم به الدولة من مجهودات جد مهمة لاحتواء الوضع، ومحاصرة تفشي فيروس كورونا ـ كوفيد 19، حتى أصبحت نموذجا يحتذى به عالميا، من حيث التدابير والإجراءات الاحترازية، ساهمت في التغطية مؤقتا على هشاشة قطاع الصحة في بلد يفتقر إلى سياسة حكومية متكاملة على صعيد جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية.
نعم، فقطاع الصحة، يعرف منذ أمد بعيد اختلالات عميقة ومتعددة، تزداد تفاقما مع الأيام، بسبب ارتفاع الطلب على الخدمات الصحية التي تعاني من سوء التدبير، وقلة العرض الصحي المقدم للعموم والنقص في الموارد البشرية وغلاء الأدوية والمستلزمات الطبية. إنها إشكالات عميقة، كرستها أزمة غياب التغطية الصحية الشاملة واتساع حدة الفوارق المجالية وصعوبة الولوج إلى العلاجات، هذه الاختلالات كان لها تأثير مباشر على المنظومة الصحية في هذه الظرفية الحرجة، ويظهر ذلك جليا من التوزيع الجغرافي لمراكز الفحوصات المتخصصة في تشخيص مرضى كوفيد – 19، ومركزة مختبرات التحاليل الطبية المختصة في الكشف عليه، وسيادة التخوف من عدم القدرة على استيعاب العدد المتزايد من المصابين، واستمرار التساوي بين عدد المتماثلين للشفاء وعدد الوفيات، مما يوحي بمستقبل يصعب فيه التنبؤ بالمصير، لذا فلابد أن نعترف اليوم، أننا أمام أزمة صحية حقيقية، والتي تعامل معها أفراد المجتمع بمسؤولية وبروح المواطنة الصادقة.
نعم، تفهم الجميع هذا الوضع الصعب، لأن اللحظة لا تسمح بالوقوف على الاختلالات، بل هي لحظة تلاحم وتآزر، من أجل الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، وأن المراجعة والنقد الذاتي ينبغي أن يأتي مباشرة بعدها، على أن تباشر الدولة إرساء نموذج متماسك للصحة الاجتماعية يخول للجميع الحق في الصحة، بدءا من الوقاية والعلاج ثم الولوج إلى الدواء، في مجتمع تسوده المساواة والعدالة والإنصاف والتضامن.
إنها خصال وقيم مجتمع مغربي بامتياز، يمتثل فيها المواطن إلى عدم مغادرة المنزل تنفيذا لقرار الحجر الصحي المقرر خلال حالة الطوارئ الصحية، ومطلبه هو الاعتناء بالمصابين، والتسريع بالتتبع الطبي للمخالطين وإخضاعهم للتحاليل المخبرية للتأكد من خلوهم من الفيروس، وحماية مستخدمي مهن الواجهة، والسهر على تطبيق القانون على كل المخالفين، حتى تتغير الأرقام المؤلمة التي نسعمها مع اقتراب مغرب كل يوم.
فاليوم، علينا أن نغلب روح المواطنة والمصلحة العليا للوطن على المصلحة الشخصية، والعمل على قبول ما هو موجود في المنظومة الصحية، بما لها وما عليها، والتجند أغلبية ومعارضة وراء قيادة البلاد عبر الانخراط في كل التدابير المعلن عنها من طرف السلطات العمومية، في أفق الخروج من الأزمة، على اعتبار أن أولى الأولويات هو الملف الصحي، في حالة طوارئ توصف بالصحية.
لكن، ما نخشاه، وكلنا أمل أن لا تطول مدة حالة الطوارئ الصحية، هو اختلال الأمن المجتمعي، بسبب الفقر والهشاشة، اللذين تنتج عنهما معاناة لا تنتهي في الوسط القروي وعلى هوامش المدن، حيث الحاجة إلى أبسط مقومات العيش، لم تنفع معها تدخلات الدولة المتواضعة للحد من التأثيرات والتداعيات السلبية للفيروس عن المنظومة الاجتماعية، مع وجود فئات لها نفقات شهرية ملزمة، بغض النظر عن وجود حركية من عدمها، على سبيل المثال وليس الحصر، أداء مستحقات أصحاب المأذونيات من طرف سائقي سيارات الأجرة، وواجبات الأكرية للسكن أو المحلات التجارية غير المرخص لها بالفتح، وكذا هموم شريحة عريضة من الفلاحين الصغار في الوسط القروي في مقدمتهم مربي المواشي. وهو ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن والتماسك الاجتماعيين، علما أن الضغط يولد الانفجار، والانفجار هنا سيؤدي إلى كسر حالة الطوارئ الصحية والخروج للبحث عن لقمة عيش، مما سيسهل الانتشار الواسع للوباء.
لكن بفضل الانخراط التام، واقتناع الجميع بأهمية إيلاء الأولوية للمنظومة الصحية، وأمن وسلامة الجميع، أصبحت المحاور المتبقية من القطاع الاجتماعي في الأولوية الثانية، هذا القطاع الذي تأزم بفعل التداعيات السلبية للفيروس على النسيج الاقتصادي، واقتنعت الفئات الفقيرة والهشة والتي تشتغل في القطاع غير المهيكل بمخرجات اجتماعات للجنة اليقظة الاقتصادية، ولو بشكل مرحلي، في أفق العمل مباشرة بعد الأزمة على القطع مع المساعدة الاجتماعية والانتقال إلى العمل على توفير حماية اجتماعية صلبة للجميع.
لأنه ببساطة، لو عملت الحكومات المتعاقبة على إرساء منظومة مجتمعية متماسكة، ما كنا اليوم، لنسقط في هذا المأزق الاجتماعي، والخوف من الفقر، من أن يكسر حالة الطوارئ الصحية، ولأن طموحنا هو أن يكون الجميع في وضعية متساوية داخل البيوت من حيث الالتزام بالحجر الصحي من جهة، في نفس الوضع المعيشي من جهة ثانية، فليتحمل كل واحد مسؤوليته، قبل الخروج من الأزمة، على أن يتم العمل على تقوية دعم الدولة لهذه الفئات ومنع استغلال ضعفهم من طرف ذوي النوايا السيئة، والتركيز على تقوية وتنمية حس وروح المواطنة من أجل تقوية التماسك الاجتماعي، وتوفير الأمن المجتمعي.
فآن الآوان، لإجبار رجال الأعمال وكل مستغلي ثروات البلاد على المساهمة من أجل حماية المجتمع مما يهدده، سيما أن الأمر يتعلق بمساهمة تضامنية قانونية وليست طوعية أو إحسانية أو خيرية، بدل قيام بعضهم بمبادرات شخصية تنطوي على الاستغلال البشع للفقراء، فالصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد ـ19″، أحدث بمبادرة ملكية سامية، ومما يتضمنه في جانب المدين، نفقات تتعلق بتأهيل المنظومة الصحية، ثم دعم الاقتصاد الوطني والحفاظ على مناصب الشغل والتخفيف من التداعيات الاجتماعية للجائحة. وكلها لها ارتباط بالأولويات المذكورة، فليبادروا إلى دعم هذا الصندوق، طواعية أو جبرا.
ولا ننسى أن هذه المبادرة، تم دعمها بخطوة تشريعية أخرى، حيث تمت المصادقة داخل اللجنتين المكلفتين بالمالية في البرلمان يوم أمس، على مرسوم بقانون رقم 2.20.320 يتعلق بتجاوز سقف التمويلات الخارجية، في إطار الاستباقية دائما، عبر اللجوء إلى الاقتراض استنادا على المصداقية التي تحظى بها بلادنا في هذا المجال، وذلك لتوفير وتأمين الرصيد الاستراتيجي الوطني من العملة الصعبة لارتباطها المباشر مع السيادة، سيما أن مصادرها تأثرت بجائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، بتأثر قطاعات السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والقطاعات المصدرة، وتحويلات مغاربة العالم …إلخ، مما يجعلنا في حاجة إلى العملة الصعبة، سيما من أجل اقتناء معدات وتجهيزات صحية، باعتبارها من بين الأولويات في الوقت الراهن، وقبل أن تتعقد الأوضاع العالمية في ظل القلق لدى المنتظم الدولي.
وفي الختام، وبعد الخروج من هذا النفق العالمي، على الدولة أن تتجه في النموذج التنموي الجديد إلى إرساء منظومة اقتصادية تساهم في تكريس الحماية الاجتماعية، من أجل دولة قوية عادلة ومجتمع حداثي متضامن.
فلنساهم جميعا في العبور إلى بر الأمان بالتزام ومسؤولية.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر