www.alhadattv.ma
«بلد امتناع وكشف قناع ومحل ريع وإيناع، ووطن طاب ماؤه، وصح هواؤه، وجلت فيه مواهب الله وآلاؤه».
المتحدّث هنا هو محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب، والمقصود بالحديث ليس سوى المدينةالمتوسطة النائمة إلى الشرق من مدينة فاس، العاصمة التاريخية للمغرب. بل إن الخطيب خلّف مقولة شهيرة تردّدها الألسن حتى الآن، وهي عبارة: «من مدينة تازة إلى قرية فاس» التي مهّد بها لانتقاله من وصف مدينة تازة إلى نظيرتها فاس، ما يعني أن المدينة المنسية اليوم لم تكن تقلّ شأنا ولا بهاء عن العاصمة التاريخية للمغرب. هي الآن مدينة صغيرةتعيش التهميش في العقود الأخيرة، لكنها تكتنز عراقة تاريخية وأهمية استراتيجية وحضارية كبيرة، حيث تعتبر، بفضل موقعها الجغرافي الواقع بين سلسلتي جبال الريف في شمالالمغرب وجبال الأطلس في غربه، الممر الحتمي بين غرب المغرب وشرقه، وهو ما يشير إليه الأصل الأمازيغي لاسمها (تيزي=الممر). يعيد البعض تأسيس المدينة إلى العهد الروماني،وتتفق جميع المصادر التاريخية على طابعها العسكري، وهو ما تؤكده المصادر الموثقة لمراحل إخضاع المغرب للاستعمار الفرنسي، حيث كانت تازة آخر المدن التي سيطر المستعمرعليها بالقوة العسكرية. وتتسم المدينة بطابع روحاني وديني خاص، حيث كانت موطنا لكثير من الطرق الصوفية، كما تنافس حولها السلاطين والشرفاء بحثا عن الشرعية الدينية فيبعض المراحل التاريخية، كما كانت معقلا لآخر تمرّد سياسي كبير عرفه المغرب قبيل استعماره بداية القرن الـ20، حيث عسكر فيها أحد إخوة السلطان وقتها، محاولا الزحف إلىفاس لانتزاع الحكم.
ابنة العصر الروماني.. قبلة الزعامات السياسية والدينية منذ القدم
تستقر مدينة تازة فوق تلّ يرتفع بنحو 600 متر عن مستوى سطح البحر، محتضنة ما يناهز 150 ألف نسمة في مدينتيها العليا والسفلى، إلى جانب عشرات الآلاف من أبناء القبائلالكبرى التي شكّلت محيط المدينة تاريخيا، ويتوزعون على مساحات شاسعة، وهي أساسا ثلاث قبائل كبرى: «التسول» و«غياثة» و«البرانس»، كما تخترق هذا المجال الجغرافيالحيوي امتدادات قبائل أخرى مجاورة، كقبيلة «اجزناية» المستقرة في جنوب منطقة الريف، وقبائل «هوارة» و«بني وراين»… وهو ما يجعل تازة رمزا من رموز التعايش والتنوع،لأن هذه القبائل تنحدر من انتماءات عرقية ولغوية شديدة الاختلاف.
يعيد البعض تاريخ تأسيس مدينة تازة إلى الحقبة الرومانية، دون أن يتوفّر ما يكفي من الزاد العلمي والمعرفي لتوثيق ذلك، لأن مخزون المدينة من الآثار والحفريات استنزف خلالالفترات الأولى من الاستعمار الفرنسي، وجرى نقلها إلى مناطق مثل تلمسان الجزائرية. والثابت حتى الآن، في خزانات وكتب التاريخ، هو أن المدينة برزت بقوة في القرن العاشرالميلادي، واحدة من الرباطات الكبرى للزوايا الصوفية التي كانت القبائل الأمازيغية تقيمها لتحصين الجبهة الروحية من محاولات الاختراق.
يقدّر الجيولوجيون فترة تكوّن ممر تازة بآلاف السنين، ولم يتردد الباحثون الفرنسيون الذين مسحوا الجغرافيا المغربية تمهيدا للاحتلال في نعته رسميا بـ«ممر تازة». وتقول أبحاثالجيولوجيين إن هذا الممر تشكل قبل الممر البحري الذي يعرف حاليا بمضيق جبل طارق، حيث كانت مياه البحر الأبيض المتوسط تمر بهذا الممر الذي بات بريا في الوقت الحالي،فيما كانت منطقة الريف شمال المغرب متصلة بالقارة الأوروبية، وهو ما يدلّ عليه التشابه الكبير بين جبال الريف المغربية وجبال الأندلس جنوب إسبانيا. وقد انسحبت المياه تدريجيانحو الشمال، وانتقل البحر المتوسط من ممر «إيناون» الذي بنيت تازة على ضفته، وأصبحت المدينة تحرس ممرا بريا بعدما كان ممرا بحريا.
قلعة ملوك البربر.. أم قرى قبيلة مكناسة في العصور القديمة
يعيد الأكاديمي، عبد الرحمن المودن، في أطروحته حول قبائل «حوض إيناون»، ظهور مدينة تازة بصفتها تجمعا سكنيا أمازيغيا إلى ما قبل الاحتلال الروماني للمغرب، مرجحا أنيكون هذا الموقع قد انتقل مبكرا من مرتبة الحصن البسيط إلى درجة القلعة المنيعة في الفترة التي كان فيها ملوك البربر يملكون من القوة ما كان يسمح لهم بمواجهة روما.
ويعزّز المودن –الذي ألّف واحدا من أهم المراجع الخاصة بتاريخ منطقة تازة– دفاعه عن الأصول القديمة للمدينة بأن أقدم الحضارات البشرية قامت أولا على أحواض الأنهار كالرافدينفي العراق والنيل في مصر وأنهار لبنان وسوريا القديمة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى البحر خلال العصور الوسطى، وهو ينطبق على حوض «إيناون»، وعلى تازة التي تستقر بين واديينكبيرين.
يقول متخصص آخر شغل مهمة «مؤرخ المملكة»، هو الراحل عبد الوهاب بنمنصور، في أحد كتبه، إن مدينة تازة من تأسيس البربر في القديم، فقد «كانت في الأصل أم قرى قبيلةمكناسة الشهيرة، وعليها كان مرور الذاهب والآيب من المغرب وإليه، ولا يعرف أن دولة أجنبية عن المغرب بسطت عليها سيطرتها قبل مجيء الإسلام».
لكن، ورغم هذه العراقة المؤكدة، لا يوجد أي دليل علمي على أي سيطرة رومانية فعلية على مدينة تازة، ويشير الأكاديمي المغربي، عبد الرحمن المودن، إلى أن الرومان استعانوا بممرتازة فقط لصد هجمات القبائل المحلية على الحصون الرومانية القريبة من المنطقة، كما يدل على ذلك سور «الليمس» الذي توجد بقاياه في منطقة قبيلة البرانس في شمال المدينة.
تازة الإسلامية.. حصن عسكري من بناء الطبيعة
تازة هي في حقيقة الأمر مدينتان وليست مدينة واحدة، أما الأولى فهي الأصلية والعريقة المعروفة بلقب «تازة العليا»، وأما الثانية فهي الامتداد الحديث للمدينة، وقد شيدت أساسافي الفترة الاستعمارية، وتسمى «تازة السفلى». ويربط بين «المدينتين» منحدر مدرّج ينتهي في قمته إلى «باب الريح» التاريخي.
اتسمت المدينة، فضلا عن تحصيناتها الطبيعية، بخصائصها العسكرية التي جعلت كثيرا من الحضارات والدول المتعاقبة تشيّد فيها الحصون والأبراج والخنادق ومخازن السلاح… وعاشت المدينة مراحل أوجها في عهد الدول الكبرى التي حكمت المغرب، خاصة الموحدين والمرينيين ثم العلويين، حيث كانت أول عاصمة لحكم الدولة القائمة حتى الآن في المغرب، كماكانت آخر المناطق خضوعا للاستعمار الفرنسي في بدايات القرن العشرين.
وفي مقابل غموض فترة ما قبل الفتح الإسلامي، تؤكد المصادر التاريخية ما كان لتازة وقبائلها من حضور قوي وفعال في الأحداث السياسية الكبرى للمغرب منذ دخوله تحت رايةالإسلام.
وبرز دور هذه المدينة في العهد الإسلامي بشكل مبكر، ومع الإرهاصات الأولى لتأسيس دولة إسلامية في المغرب مستقلة عن الدولة العباسية في عهد هارون الرشيد، إذ كان المولىإدريس الأكبر –المنحدر من السلالة النبوية– قد فرّ إثر هزيمة جيشه في معاركه ضد العباسيين، ولجأ إلى المغرب، وقد تشكل من حوله تحالف قبلي قدّم له البيعة، وهو ما جعل الدولةالعباسية تقرر اغتياله كي تعدم مشروع الدولة المستقلة في مهده.
عهد المرينيين.. حقبة الازدهار العلمي والاقتصادي
تتحدث المصادر التاريخية عن تازة بصفتها ممرا حتميا كان على يوسف بن تاشفين أن يعبره أولا قبل الوصول إلى تلمسان، حيث تمكن من السيطرة على المدينة عام 467 للهجرة،واستغرق إخضاع القبائل المحيطة بها ست سنوات.
فقد كانت تازة موقعا حيويا في هذا الصراع المبكّر، خاصة بين الفاطميين، الذين حكموا قسما كبيرا من شمال إفريقيا وقتها، وبين الأدارسة. وبعد انهيار الدولة الإسلامية الأولىالتي وحدت المغرب في دولة مستقلة عن المشرق، كان وصول المرابطين إلى تازة وسيطرتهم عليها عنوانا لافتكاك البلاد من جديد من يد الأطماع الخارجية، سواء منها الآتي منالمشرق العربي أو من الشمال الأوروبي.
يقول المؤرخ المغربي الراحل عبد الهادي التازي، الذي يؤكد براءة تازة من أي تحالف أو موالاة للدولة الفاطمية الشيعية، مفسرا مهادنتها إياهم بالاضطرار إثر سقوط دولة الأدارسةفي المغرب: «لقد تحرك المرابطون من صحراء المغرب، واتجهوا نحو تازة لأنهم يعرفون أنها البوغاز البري الوحيد الذي سيوقف زحف الطامعين في التسلط على البلاد».
أما مؤسس الدولة الموحدية، عبد المومن، فقد توجه مباشرة من تينمل، مهد الدولة الموحدية، إلى تازة سنة 529 للهجرة، ومنها انطلق نحو فاس والمغربين الأوسط والأقصى، كما لميتمكن المرينيون من السيطرة على فاس ومنطقة الريف إلا بعد دخولهم تازة واستقرارهم بها.
وتوجه المرينيون إلى تازة بالعناية والحماس نفسيهما اللذين توجهوا بهما إلى عاصمتهم فاس، بل إنهم اتخذوا من تازة مدرسة لفلذات أكبادهم وقاعدة للأمراء وكبار رجال الدولة،وبلغت المدينة في عهد المرينيين ما لم تبلغه أي من المدن المغربية من اهتمام وعناية، حيث أصبحت مركز إشعاع علمي وثقافي، وقطبا اقتصاديا كبيرا بما احتوته من صناعاتكالدباغة والصباغة وسبك النحاس والزجاج والورق، وهو ما يفسّر استمرار عبارة دارجة في لغة المغاربة، تضرب المثل بصابون «تازة» بالنظر إلى جودته وتميّزه.
شهدت مدينة تازة ازدهارا ثقافيا كبيرا في عهد الدولة المرينية، حيث بنيت ثلاث مدارس علمية كبرى داخل أسوارها، وهي «المدرسة اليوسفية» التي بناها السلطان المريني أبويعقوب، و«المدرسة الحسنية» التي بناها السلطان أبو الحسن علي، و«المدرسة العنانية» التي بناها السلطان أبو فارس عنان المريني.
وبعدما مني السعديون بالهزيمة أمام العثمانيين في القرن العاشر للميلاد، وقتل السلطان محمد الشيخ المهدي على يدهم غير بعيد عنها، سارع ابنه السلطان أحمد المنصور إلى بناءحصن «البستيون» لمراقبة الممر من مدخله الشرقي.
ثريا المسجد الأعظم.. «يا ناظِرا في جَمالي حقق النّظَرا»
تعج المدينة بكثير من شواهد التاريخ، لكن أبرز المعالم التاريخية للمدينة هو، دون منازع، مسجدها الأكبر الذي يحمل اسم المسجد الأعظم، وقد شيّده الموحدون، واعتنى بزخرفتهوتزيينه المرينيون من بعدهم، ولا يمكن ذكر هذا المسجد دون الحديث عن الثريا التي تتوسّطه، وتعتبر ثاني أكبر ثريا في إفريقيا بوزن يفوق ثلاثة أطنان من النحاس، ويزيّنها أكثر من500 مصباح. ويعود صنع هذه الثريا وتعليقها إلى العهد المريني، وتحديدا عهد السلطان يوسف أبو يعقوب، وذلك في أواخر القرن الـ13 للميلاد والسابع للهجرة. وتكفي الزائرينلهذا المسجد التاريخي، قراءة الأبيات الشعرية التي نقشت فوق الثريا، للاطلاع على تاريخها بشكل مختصر، حيث تقول:
يا ناظِراً في جَمالي حقق النّظَرا
ومتّعِ الطَّرْف في حُسْني الذي بَهَرا
أنا الثُّرَيا التي تازا بي افتخرت
على البلاد، فما مثلي الزمانَ يُرى
أُفرِغتُ في قالب الحُسن البديع كما
شاء الأمير أبو يعقوب إذ أمَرا
في مسجد جامعٍ للناس أبدَعهُ
مَلْكٌ أقام بعون الله منتصِرا
وشهدت المدينة في العهد الموحدي أول عملية تحصين شاملة عبر بناء سور يحيط بها، ويمنع القبائل المجاورة من الهجوم عليها. وشكّل هذا السور الموحدي الحدود التي ستبقى عليهاالمدينة العتيقة لتازة، مع ما يتخلله من أبواب سبعة، هي كل من باب الرّيح وباب الجُمعة وباب الشريعة وباب الزيتونة وباب طيطي وباب أحرّاش وباب القبور.
إجهاض أول مشروع لإقامة وطن لليهود.. مهد الدولة العلوية الأول
يجزم المتخصص في تاريخ مدينة تازة، عبد الإله بسكمار، بوجود إجماع لدى المصادر التاريخية على أن منطقة تازة شهدت اللحظات التاريخية الأولى لتأسيس الدولة العلوية القائمةفي المغرب منذ أكثر من أربعة قرون، في سياق إنهاك عام عرفته البلاد طيلة النصف الأول من القرن الـ17، مع الاحتضار النهائي للدولة السعدية التي اقتصر نفوذها على مراكشوأحوازها.
ويوضح بسكمار سياق تأسيس الدولة العلوية فعليا على يد المولى الرشيد، بعدما تأسست رمزيا على يد مولاي علي الشريف، بمرحلة اتسمت باجتماع كثير من المصائب على المغرب،منها أزمات اقتصادية وحروب من كل الجهات ومجاعات… وصادف كل ذلك تراجع نشاط طرق القوافل التجارية الصحراوية التي كانت تمثل المورد الرئيس للمغرب، لحساب حركةالجهاد البحري التي تقوت نتيجة وفود المهاجرين الأندلسيين إلى المغرب في بداية القرن الـ17، حيث استقر قسم كبير منهم بمدينة تازة، وفيها اتخذ المولى الرشيد عاصمة حكمه.
وقد شرع المولى الرشيد في تأسيس حكمه مستفيدا من دعم زاوية الشيخ عبد الله اللواتي، والتي يقول المؤرخ بسكمار إنها حمته من تحرشات أخيه المولى محمد الأول، إذ كانيخوض معاركه في المغرب الشرقي ضد العثمانيين.
ويذهب كثير من المؤرخين –ومنهم المؤرخ الراحل عبد الهادي التازي– إلى أن المولى الرشيد أجهض خلال وجوده في تازة ما تصفه المصادر بأول مشروع صهيوني لإقامة دولة لليهود،وكان يقوده شخص يدعى هارون بن مشعل، حيث قضى عليه المولى الرشيد وصادر أمواله، وهو ما سمح له بشراء الأسلحة اللازمة لحسم المعركة ضد جيش أخيه محمد، ومواصلةالزحف على الحكم، بعدما استقبل في المدينة مبعوث الملك الفرنسي «لويس الرابع عشر»، وثبّت أسس حكمه لينتقل إلى فاس العاصمة التاريخية للمملكة.
قصة هذا المبعوث الخاص للملك الفرنسي «رولان فريجسون» الذي حلّ بها في جبة التاجر، يحكيها بنفسه في بعض المصادر، حيث يصف مدينة تازة بكونها تقع فوق صخرة كبيرة،كما يصف طريقة دخوله إلى المدينة، حيث اجتمعت من حوله حشود «الأهالي» كما وصفهم، ما تطلّب تسخير عدد من عبيد السلطان ليفسحوا له الطريق.
ثورة بوحمارة.. عاصمة السنوات السبع التي تمزق فيها شرق المغرب
شهدت مدينة تازة، في مطلع القرن العشرين، محاولة لأحد إخوة السلطان العلوي الشرعي، المولى عبد العزيز، للسيطرة على الحكم على طريقة مؤسس الدولة المولى الرشيد. وقد قادالقائد العسكري الجيلالي الزرهوني –الذي يعرف في المغرب بألقاب مثل «بوحمارة» و«الروكي»- تمردا ضخما على السلطان انطلاقا من المجال الشرقي للمملكة، حيث زحف فياتجاه الغرب إلى أن استقر في منطقة تازة، جاعلا منها معسكرا لجيشه، قبل أن يشرع في التخطيط للزحف على فاس والاستيلاء على الحكم.
دام هذا الوضع سبع سنوات، حيث كانت تازة عاصمة لمنطقة خارجة عن حكم السلطان الشرعي، ولم ينته هذا الوضع إلا بعد اجتماع تحالف قبلي كبير تحركه مشاعر دينية، باعتبارالسلطان العلوي في المغرب ينحدر من آل البيت، ليقضى على «ثورة بوحمارة».
«تازة أولا».. مدينة الصخرة العصية على الاستعمار الفرنسي
رغم حصول فرنسا على حق بسط حمايتها على المغرب رسميا في سنة 1912 بناء على معاهدة مع السلطان، فإن دخول السلطة الفرنسية إلى تازة بقي مؤجلا إلى غاية العام1914، حيث تطلب الأمر مجهودا عسكريا خاصا لاختراق تحصينات المدينة. ورغم الدخول الفرنسي الرسمي إلى تازة، فإن إخضاع قبائلها تطلب أكثر من عشرين عاما من الحربالطاحنة.
فبعدما احتلت مناطق استراتيجية من المغرب بالقوة العسكرية، خاصة منها مناطق وجدة (شرق المغرب في الحدود مع الجزائر) وما يحيط بها، ومدينة الدار البيضاء وجوارها فيغربه، كانت أولى مهام قوة الاحتلال بعد حصولها على استسلام السلطان مولاي عبد الحفيظ، هو القضاء على الحصار الذي فرضته القبائل على مدينة فاس نقمة منها على تخاذلالسلطان في مقاومة التغلغل الاستعماري.
بعد تأمينها العاصمة ومحيطها، كانت أول وجهة للقوات الفرنسية هي مدينة تازة لما تشكله من ممر استراتيجي لربط فاس بوجدة المحتلة أصلا وما بعدها من أراضي الجزائرالمستعمرة منذ 80 عاما. وتكاد هذه المرحلة تلخصها العبارة المنسوبة إلى الجنرال الفرنسي «هوبير ليوتي» والتي تقول «تازة أولا». وقد حرص هذا الجنرال –الذي كان يقود مهمةإخضاع مناطق المغرب الرافضة للحماية الفرنسية بالقوة– على قيادة معركة اقتحام تازة بنفسه، موجها قوات الجنرالين الفرنسيين اللذين توليا قيادة فكي الكماشة العسكرية التيخصصت لفتح «الممر»، واحدة آتية من الشرق المحتل، وأخرى جاءت من الغرب. استمرت المقاومة بممر تازة حوالي 18 سنة، ولما نجحت التهدئة وقع تغيير الخط السككي الصغيربالخط العادي عن طريق أعمال السخرة القاسية، وذلك عبر ممر تازة البالغ طوله 40 كلم، حيث حفرت وبنت السلطات الفرنسية عن طريق العمال المغاربة نفقين كبيرين يعدان منأطول أنفاق شمال إفريقيا.
لعنة الثورات والسياسة.. من ماضي الأمجاد إلى حاضر النسيان
رغم هذا الماضي الحافل الذي صنعته مدينة تازة التاريخية، فإنها تشكو في العقود الأخيرة تهميشا يقول أبناؤها إنه يعتريها على جميع المستويات. ويستقر في الخلفية الذهنية لهذاالإحساس، تفسير يتمثل في ارتباط اسم المدينة بسلسلة من التمردات والأحداث التي جعلتها تدفع ثمنا باهظا، وهو ما زاد من تفاقمه إغلاق الحدود المغربية الجزائرية منذ العام1994، إثر اتهام المغرب للجزائر بالوقوف وراء هجوم إرهابي ضرب أحد فنادق مراكش، حيث فقدت وظيفة «الممر» أي معنى لها، بما أن حركة تنقل الأشخاص باتت تتوقف عملياعند مدينة فاس.
فمنذ «ثورة بوحمارة» الشهيرة التي كادت تعصف بحكم السلطان الشرعي للمغرب في بداية القرن العشرين، وبعد تحوّلها إلى واحدة من أشد مناطق المغرب مقاومة للمدالاستعماري الفرنسي، الذي كان يتحرك بتحالف مع السلطان الشرعي للمغرب وبناء على معاهدة موقعة معه، ثم ما تلى استقلال المغرب من أحداث مثل المواجهات الدامية التيعرفها الريف القريب من تازة مع السلطات المركزية، ومشاركة بعض أبناء المدينة ومحيطها في محاولات انقلابية ضد ملك المغرب، كل ذلك جعل تازة تغوص في بركة عميقة منالنسيان..
