سياسيون بلا حدود.. حين تبحث الأحزاب عن نجوم خارج ملاعبها

www.alhadattv.ma

حميد غونو

أثار الجدل الذي رافق الأنباء المتداولة حول سعي حزب الأصالة والمعاصرة إلى استقطاب فوزي لقجع أسئلة سياسية تتجاوز شخص الرجل نفسه إلى طبيعة العمل الحزبي في المغرب وحدود قدرته على إنتاج نخبته الخاصة. فالرجل الذي نفى بشكل قاطع انتماءه إلى أي حزب سياسي، لا ينظر إليه باعتباره مجرد وزير منتدب مكلف بالميزانية، بل كأحد الوجوه التي ارتبط اسمها بأوراش كبرى وبمرحلة من الإشعاع الدولي غير المسبوق الذي حققه المغرب في مجال كرة القدم، ولذلك بدا طبيعيا أن يتحول إلى هدف سياسي مغر لكل تنظيم حزبي يسعى إلى تعزيز رصيده الرمزي والانتخابي.

فالسياسة لا تبحث دائما عن المناضلين الذين تدرجوا داخل التنظيمات الحزبية، بل كثيرا ما تنجذب إلى الشخصيات التي صنعت حضورها خارج الأحزاب. وفي الحالة المغربية يبدو أن النجاح الإداري والتقني، أو القرب من دوائر القرار الكبرى، أصبح في أحيان كثيرة مصدرا للشرعية السياسية يفوق ما تمنحه سنوات طويلة من العمل التنظيمي. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الذي تحدثت عنه بعض قيادات الأصالة والمعاصرة في محاولاتها لإقناع لقجع بالانضمام إلى الحزب.

هذا المشهد يستدعي إلى الأذهان تجربة سياسية شهيرة عرفتها فرنسا سنة 2007، عندما فاجأ الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي الطبقة السياسية بتعيين السياسي اليساري برنار كوشنير وزيرا للخارجية. لم يكن كوشنير مجرد اسم عابر في الحياة العامة الفرنسية، بل كان مؤسس منظمة أطباء بلا حدود وأحد أكثر الشخصيات السياسية حضورا واحتراما داخل المجتمع الفرنسي. وقد اعتبر ذلك التعيين آنذاك تجسيدا لما سمي بسياسة الانفتاح، التي أراد من خلالها ساركوزي تجاوز الحدود التقليدية الفاصلة بين اليمين واليسار واستقطاب شخصيات ذات رصيد وطني واسع.

في الظاهر يبدو الفرق كبيرا بين الحالتين. فإحداهما تتعلق بضم شخصية يسارية إلى حكومة يمينية، بينما ترتبط الأخرى بمحاولة استقطاب مسؤول غير منتم حزبيا إلى تنظيم سياسي بعينه. غير أن جوهر المسألتين واحد. ففي الحالتين معا نجد رهانا على قوة الشخص أكثر من الرهان على قوة المؤسسة الحزبية. كما نجد سعيا إلى الاستفادة من الرأسمال الرمزي الذي راكمه الفرد خارج الإطار التنظيمي التقليدي.

ولعل هذا ما يكشف أحد أوجه الأزمة الصامتة التي تعيشها الأحزاب في عدد من الديمقراطيات المعاصرة. فكلما ازداد الاعتماد على استقطاب الشخصيات اللامعة، برز سؤال مقلق حول قدرة الأحزاب على إنتاج نخبها الخاصة. فالحزب الذي يحتاج باستمرار إلى البحث عن النجوم خارج أسواره يعترف، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأن آلياته الداخلية لم تعد كافية لصناعة القيادات القادرة على إقناع الرأي العام.

وقد عرف حزب الأصالة والمعاصرة نفسه هذه الظاهرة منذ نشأته. فقد تأسس سنة 2008 حول دينامية سياسية واعدة أطرها مشروع حركة لكل الديمقراطيين، لكنها ايضا، أي الدينامية، ارتبطت بشخص فؤاد عالي الهمة، واستقطب الحزب عبرها منذ البداية برلمانيين وأعيانا وفاعلين قدموا من أحزاب مختلفة. كما كان حضور مؤسسه يشكل جزءا مهما من جاذبيته السياسية. لذلك لم يكن غريبا أن يلاحظ كثير من المتتبعين تراجع جزء من البريق الرمزي للحزب بعد خروج الهمة من العمل الحزبي إثر تعيينه مستشارا للملك.

ومن هنا تكتسب قضية فوزي لقجع أبعادا تتجاوز مجرد انضمام محتمل من عدمه. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الرجل سيلتحق بهذا الحزب أو ذاك، بل لماذا أصبحت الأحزاب المغربية تبحث عن الدعم في الأسماء أكثر مما تبحث عنه في الأفكار والبرامج والتنظيمات. ولماذا أصبح المواطن يتابع حركة الأشخاص أكثر مما يتابع حركة المشاريع السياسية.

قد تكون هناك اعتبارات انتخابية أو تنظيمية أو فكرية وراء الاهتمام بلقجع. وقد يكون الأمر مرتبطا بما يمثله من صورة للنجاح والتدبير والفعالية. لكن المؤكد أن الجدل نفسه يكشف حقيقة أعمق، وهي أن السياسة المغربية، شأنها في ذلك شأن تجارب عديدة عبر العالم، ما زالت تميل إلى شخصنة الفعل السياسي وربط قوة الأحزاب بوهج الأفراد أكثر من ارتباطها بقوة المؤسسات،

وهكذا، كما رأى ساركوزي في برنار كوشنير فرصة لتوسيع نفوذ مشروعه السياسي وتجاوز الاصطفافات التقليدية، يرى البعض اليوم في فوزي لقجع قيمة مضافة قادرة على تعزيز موقع أي حزب قد يختار الالتحاق به. وبين التجربتين يبقى الدرس واحدا: حين تصبح الأسماء أكبر من التنظيمات، تتحول السياسة من تنافس بين المؤسسات إلى تنافس على استقطاب الشخصيات التي تصنع الحدث وتحتكر الضوء.

يمكن تفهم منطق الانفتاح واستقطاب الكفاءات عندما يتعلق الأمر بتشكيل الحكومات بعد الانتخابات. فالتجربة المغربية نفسها عرفت نماذج عديدة من هذا القبيل إلى يوم الناس هذا، أو كما حدث سنة 2002 حين التحق عدد من الوزراء بالحكومة دون أن يكونوا أبناء الأحزاب المشكلة لأغلبيتها، آنذاك كان المطلوب تدبير الشأن العام والاستفادة من الخبرات والكفاءات بغض النظر عن ألوانها السياسية من عدمها. فسقف دستور 1996 كان يتيح ذلك، أما أن يتحول الأمر، على بعد أسابيع أو أيام قليلة من الانتخابات، إلى البحث عن شخصية ناجحة لإلحاقها بحزب ثم تقديمها للرأي العام كقائد محتمل له، فهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا وأقل قابلية للاستساغة. وكأن بعض الأحزاب لم تعد تراهن على ما أنتجته من أفكار ونخب خلال سنوات، بل تنتظر موسم الانتقالات السياسية كما تنتظر الأندية فترة الانتقالات الصيفية، علها تعثر على نجم جاهز للاستعمال الفوري. عندها لا يعود السؤال: ماذا أعد الحزب للانتخابات؟ بل من هو الشخص الذي يمكن أن ينقذ الحزب من أسئلة الانتخابات؟

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر