www.alhadattv.ma
*محمد الصديق اليعقوبي
شكل مرسوم النظام الأساسي جدلا بالنسبة للمهتمين بالشأن التعليمي في وطننا العزيز، بين من يراه فرصة لتجويد خدمات المدرسة العمومية، وبين من من رآه فرصة مواتية”للتحرش” بوظيفة طال إنتظارها، ومنهم من رآه إجهازا على أحد أركان المنظومة التعليمية وهي العنصر البشري.
ومساهمة منا في هذا النقاش الذي فُتِح بابه و لا نعتقد أنه سيغلق قريبا، لما يكتنف في طياته من عناصر الغموض، وما يحمله من ترقب للمستقبل، حاولنا المساهمة بهذا المقال رغبة منا تسليط الضوء على عملية الإستهداف التي تطال المدرسة العمومية وعناصرها البشرية.
وقبل الخوض في الموضوع لا بد من بسط التساؤلات الآتية:
إلى أي حد أجاب هذا النظام الأساسي الجديد عن انتظارات وتطلعات أسرة التعليم بمختلف فئاتها؟
أي دور لعبته النقابات الأكثر تمثيلية في صياغة هذا النظام الأساسي؟ وما دلالة انسحاب إحدى النقابات من التنسيق الخماسي؟
هل توقعت الوزارة والنقابات معها والرأي العام بأن تنتفض أسرة التعليم وتتوحد وطنيا للخروج احتجاجا على هذا المرسوم في يوم عيدها الأممي؟
هل وقع تحول في كينونة الشغيلة التعليمية ما بعد الخامس من أكتوبر؟
ألم يخرج كوادر الوزارة وبعدهم بنموسى وعموم المديرين الإقليميين في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة لشرح إيجابيات ومزايا النظام الأساسي الجديد؟
لماذا فشلت هاته السياسة التواصلية؟ هل العيب فيها أم في مضامين هذا المرسوم؟
هل حقا أجهز النظام الأساسي الجديد على مجموعة من حقوق ومكتسبات نساء ورجال التعليم؟
لماذا أصر نساء ورجال التعليم على تدبير معركتهم في مواجهة الوزارة خارج اليافطات النقابية خصوصا تلك الموقعة على الإتفاق الإطار ل 14 يناير 2023؟
ماسر تغيير التنسيقيات الرافضة للنظام الأساسي الجديد لتكتيكها النضالي عبر تجسيد وقفات صباحية ومسائية لمدة ساعتين داخل المؤسسات التعليمية والقيام بإضرابات لبضعة أيام مع تجسيد وقفات ومسيرات أمام المديريات والأكاديميات؟
من يتحمل المسؤولية فيما تعيشه الساحة التعليمية اليوم من احتقان وماذنب الملايين من أبناء وبنات المدرسة العمومية في هذا الهدر المدرسي الخطير؟
كيف استقبلت الجماهير الأستاذية انقلاب التنسيق الرباعي على الوزير شكيب بنموسى واتهامهم له بالتنزيل الأحادي للنظام الأساسي؟
مادلالة دخول رئيس الحكومة على خط المواجهة الساخن؟ وهل استطاع تلطيف الاجواء؟
هل يمكن اعتبار تكليف رئيس الحكومة لوزير التشغيل بالاستماع إلى النقابات، أن الحكومة عازمة في إخراج ملف النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية من قانون الوظيفة العمومية، ومناقشته في إطار قانون الشغل؟ وهل يمكن اعتبار الجلوس مع وزير لا علاقة له بقانون الوظيفة العمومية فخا سقطت فيه النقابات؟
كيف تعاملت أسرة التعليم مع استقبال رئيس الحكومة لممثلي النقابات الأربع الاكثر تمثيلية منفردين كل على حدة وليس مجتمعين كما يفرضه التنسيق الرباعي بينهم؟
بماذا يفسر الرأي العام انخراط التنسيق الوطني الوحدوي في النضال الميداني المشترك رفقة النقابة المنسحبة في وقت فضلت فيه تنسيقية الثانوي التأهيلي النضال حصريا خارج أية يافطة نقابية؟
ماسر تسريب وثيقة داخلية لمصالح وزارة التربية الوطنية تخص الإقتطاع من أجور المضربين؟ وكيف تعامل معها الشارع الأستاذي؟
إلى أي حد تفاعل الإعلام الرسمي والخاص مع الحركة الإحتجاجية لنساء ورجال التعليم؟ وهل كان موضوعيا في تغطياته أم موجها لصالح طرف ضد الطرف الآخر؟
هل سيصمد الأساتذة في معركتهم المصيرية لإسقاط النظام الأساسي الجديد أم أن تفعيل الإقتطاع سيعجل برجوعهم إلى الأقسام؟
إلى متى سيستمر شد الحبل بين وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة وموظفيها؟
ما محل التعليم الخصوصي من الأزمة الحالية للمدرسة العمومية؟ وهل حقا نعيش تكافؤا للفرص بين تلاميذ القطاع العام ونظرائهم من القطاع الخاص؟
هل حقا يتم استهداف المدرسة المغربية لصالح المدرسة الخصوصية أم أن الأمر مجرد مزايدات ليس إلا؟
أي دور للمعارضة في النقاش الدائر حول هاته الأزمة الخطيرة؟ وإلى متى سيستمر الوضع على هذا الحال؟
عودة على بدء فبعد دعوة التنسيق الوطني لقطاع التعليم كافة الأساتذة إلى خوض اضرابات في عيدها الأممي، معتبرا في بلاغ له في محطة الخامس من أكتوبر رفضه القاطع للنظام الأساسي الجديد في شموليته باعتباره لا يلبي إطلاقا انتظارات المتضررين والمتضررات ولا يلبي مطالبهم المشروعة.
قد يسجل للتنسيق الوطني لقطاع التعليم جرأته في مطالبته بحقوقه ورفضه للمخططات الرامية إلى تقزيم صورة الأستاذ، غير أن نضال التنسيق لا يجوز أن يكتسي طابع الفئوية الذي يعزله ويجعله فريسة سهلة للحكومة، فالواجب على زملائهم في جميع الأسلاك التضامن معهم ودعمهم دعما حقيقيا من أجل القضاء على “نظام المآسي”.
والملاحظ دائما أنه كلما إنفردت الوزارة بقرار من قراراتها إلا وقابلته النقابات العاجزة والعجوزة والمتدخلون في العملية التربوية بنوع من البرودة في التعاطي مع الأمر في المقابل ينتظرون مبادرة فئوية متضررة للخروج للشارع لإسماع صوتها فيتسارعون في محاولة الركوب عليها والمتاجرة بأزماتها والسؤال هنا أين كان هؤلاء عندما كان مشروع الأزمة فكرة؟
إنه لمن العيب والعار إستحمار المغاربة عن طريق إيهامهم بأن هناك رغبة أكيدة في إخراج التعليم من غرفة الإنعاش التي خلد فيها، والتمادي في ترديد الكلام المعسول والشعارات الكاذبة عن الإصلاح، مما يندرج في إطار العمل البئيس، التي تستدعي محاكمة الذين اخطأوا في حق أبناء الشعب، وحولوهم على مر السنين إلى مجرد فئران تجارب، وأن السكوت عنها يعد وصمة عار في جبين هذا الوطن، ما لم يتم الشروع الفعلي في تجاوز الإختلالات القائمة، بدل الإمعان في إستنزاف ملايير الدراهم من المال العام والإكتفاء بعمليات الترقيع و”البريكولاج”، التي زادت المنظومة التعليمية قبحا وتشوها، وأساءت إلى سمعة المغرب من خلال إحتلاله مراتب متدنية عالميا في مؤشرات التنمية.
فمنذ الإستقلال والتعليم يعيش في دوامة من التخبط والإرتجال والعشوائية، حيث تواصل مسلسل البرامج والمخططات الفاشلة، الذي لا تكاد حلقاته الرديئة تنتهي حتى تبدأ أخرى أكثر رداءة، دون أن تستطيع كل الوصفات “السحرية” المحلية والمستوردة، النهوض بهذا القطاع الإستراتيجي الهام الذي يعتبر رافعة أساسية للتنمية، بدءا بمناظرة المعمورة سنة 1964 وما تلاها من محاولات الإصلاح وإصلاح الإصلاح: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المخطط الاستعجالي والرؤية الإستراتيجية 2015/2030. فلا الإحتجاجات الشعبية ولا الخطب الملكية ولا تقارير المنظمات الدولية والمؤسسات الوطنية (آخرها تقرير النمودج التنموي الجديد) التي رسمت صورة قاتمة عن تعليمنا، إستطاعت تحريك الضمائر لإعادة قطار التعليم إلى سكته الصحيحة، في ظل تفشي الفساد ووجود مناهضة خفية لإقامة تعليم ديمقراطي نزيه، أمام غياب الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ما قيمة كل عمل إذا أسس على منظومة تربوية تطل على حافة الإفلاس والخراب؟ ما دام قطب الرحى في هذه المنظومة مهدور الكرامة، محروما من أبسط الحقوق وهو حق التقدير الإجتماعي.
هل يدري القائمون والساهرون على تدبير التعليم ماذا يعني أن يصبح رأس رجل التعليم تحت حذاء رجال التدخل السريع؟
أما عن أصل المشكل والغابة المتخفية خلف الشجرة، فهو ما أصبح يشاهد من إستهداف للشغيلة التعليمية خاصة، في حقوقها المادية التي لا يمكن أن تعتبر بأي حال من الأحوال تعويضا عن المهمة الجسيمة التي يؤديها هؤلاء في مدارسهم والمؤسسات التي يشتغلون فيها على إمتداد خريطة الوطن، خاصة في القرى النائية والمداشر البعيدة.
فثمة إتجاه إلى ضرب الإستقرار المادي والترقي المهني لعموم نساء ورجال التعليم، ولا أدل على ذلك من القيود التي يجدها الأساتذة في ولوج الجامعات لإتمام دراستهم.
أضف إلى ذلك المشاكل التي تتخبط فيها شريحة واسعة من الأطر التربوية والمتمثلة في التهميش والإقصاء الذي يعانون منه في ظل ما يعرف في أعراف التعاقد بعقود الإدعان، الذي حرمهم مجموعة من الحقوق.
وأخيرا يمكن القول أنه لا إصلاح للتعليم بدون إستقرار مهني وأمن وظيفي للأطر التربوية.
