www.alhadattv.ma
*عبد السلام انويكًة
مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث
على أساس جاء في مصنفات تاريخية ودراسات حديثة لباحثين ومؤرخين مغاربة وأجانب، كان المغرب دوماً وبشكل دوري وجهاً لوجه مع كوارث طبيعية كثيراً ما كانت بأضرار بليغة على مقدراته الطبيعية وموارده ووضعه الديمغرافي، نظراً لطبيعةامكاناتمحدودة في مواجهة آفات ورد أنها كانت بفتك شديد لم يكن يستثنيأيشيء. ويكفي أن الوباء وما عرف عند المغاربة بالطاعون منذ العصر الوسيط، كان يدفعهمأحياناً لبيع ابناءهم وأنفسهم للبرتغاليين غرب البلاد هرباً من الجوع والهلكة،وفق ما جاء في دراسات تاريخية بقيمةمضافة هامة قاربت الموضوع في علاقته بمغرب العصر الحديث.
أما حول ما أصاب مغرب نهاية القرن التاسع عشر من آفات طبيعية، ارتبطت بفترات جفاف ترتبت عنه مجاعات رهيبة، يكفي حول معالمها وأثرها التأمل فيما أورده نص معاصر رصد ما حصل بجنوب البلاد وغربها. “قد وقع الجوعالشديد..وصار العلاء الكثير في الجنوب..واشتد الجوع على الناسحتى يأكل الناس الحشيش والربيع والنبات والنخل..، ومات جل الناس بالجوع في الطرقات..وافترق جل الآباء عن أولادهم وهربوا عنهم وكذلكأزواجهم..من شدة ما نزل..حتى أن بعضهم يأكل بعضاً, وقد يجد الناس دياراً واقفة وأهلها في داخلها ماتوا كلهم..وأكلت الناس الجيف والميتة.. من شدة القحط والجوع. وهربت الأقوام للجبال ومواضع العيون والأشجار..وكثر الهرج والقتال بين الناس يقطعون الطرق ويهجمون على المنازل.”
وفي علاقة بفترة البلاد المعاصرة زمن الحماية، من المفيد الاشارة الى أن المغرب تعرضلمجاعات قاسية ارتبطت بوضع جفاف بنيويمنةخلالما أوردته المصادر المغربية حوله منذ العصر الوسيط على الأقل. ولعل جفاف مغرب النصف الأول من القرن الماضي توزع على ثلاث محطات، ما حصل بعد سنة من معاهدة فاس وما شهدته البلاد نهاية الثلاثينات، وقد عرف في تقدير بعضالمؤرخين ب”السنة المخيفة”،لِما كانتعليه المواد الغذائية من نقص كبير بسبب الجفاف.
وقد ورد في نصوص بحثمغربية أن مغاربة هذه الفترة، لم يجدوا أمامهم سوى الطبيعةفضاءً رحباًللبحث عن أقواتهم منجذور نبات وما كانت تحتويه الأرض من مواد مثلما يعرف ب”الترفاس” وهو شبيه ب”البطاطس”، وكان بانتشار واسع غرب البلاد وبغابة المعمورة خاصة ولا يزال. فضلاً عما كانوا يقتاتون منه بمناطق جبلية يكثر بها نبات بها “الدوم” وخاصة جذوره ومكونه الداخلي وهو ما يعرف مثلاً في منطقة تازة ب”الجمار”، ناهيك عما اقتاته المغاربة خلال هذه الفترة من نباتات مثل “كًرنينة” و”حميضة” و”خبيزة”، اضافة لبعض الثمار الشجرية الغابوية مثل “الخروب” و”البلوط” وغيرهما. وفي مثل هذه الظروف الصعبة مناخيا كان المغاربة يجدون في أسراب الجراد التي تضرب البلاد موازاة عادة مع الجفاف، وجبة اتسع نطاقها، حيث كان يجمع في أكياس ثم يطبخ مع الماء والملح وينشر لتجفيفه قبل أن يصبح جاهزاً للأكل.
أما عن مجاعة أواسط أربعينات القرن الماضي ثالث ما ضرب البلاد خلال نصفه الأول،فقد كانت نتيجة جفاف قاتل ورد عنه بشكل محدود في محاور نصوص حديثة على قلتها، أنه رغم تكرار المغاربة لصلاة الاستسقاء لم ينزل المطر. فقلت المساحات المزروعة والماء في الأودية والآبار والعيون، وتضررت الماشية واصيبت بأمراض أتت على قطعان كبيرة. هذه المجاعة الرهيبة التي تحضر في ذاكرة المغاربةبإسم”عام البون” و”عام بوهيوف” و”عام خمسة وأربعين” في اشارة لسنة 1945 حيث أواخر جحيمالحرب العالمية الثانية،كانت بدرجة خطورة عالية وتأثير على عدة مستويات عمقته عملية نقل مواد غذائية الى جبهات قتال بفرنسا في اطار ما عرف ب”المجهود الحربي”. واقع كان بأثر بليغ على وضع المغاربة الغذائي والاجتماعي والصحي، لشدة ما حصل من جوع عصفبجميع جهات البلاد مع تفاوت محدود.
ولقلة قوت المغاربة بالبوادي التي يصعب تكوين فكرة شافية عنها بخلاف المدن إثر ما حصل من مجاعة، في غياب وثائق من شأنها تسهيل تتبع أمر جائحة من حيث امتدادها وانتشارها وضررها وتأثيرها، فقد هاجر منهم عدد كبير باتجاه المدن، التي ظهرت بها مراكز توزيع الخبز و”الحريرة”، حيث كان يتم اطعام المحتاجين وهم صفوفاً أمامها، نفس الشيء ما حصل مع توزيع قدر بسيط من الحبوب عليهم. وكان مما ترتب عن هذه المجاعة من شدة وقعها ظهور جملة أوبئة بسبب ضعف المغاربةالفزيولوجي، حيث ظهر وباء”الحمى الراجعة”وقد تسربت من حدود البلاد الشرقية. ومقابل حوالي خمسين ألف من المغاربة الذين توفوا بسبب مجاعة 1944، كان عدد من توفوا منهم بسبب مجاعة عام “بوهيوف” حوالي ثلاثمائة ألف. وفي نص معبر عن هذه الجائحة ورد:”كانت هذه السنة جافة.. قاسى المغرب فيها شدائد وألونا من المصائب جوعاً وعرياً.”
ولعل من شدة أثر وقسوة هذه المجاعة على المغاربة، باتت بالنسبة اليهم حدثاً لتحقيب زمنهم، فنجد في روايتهم الشفوية من يقول هذا وقع قبل”عام الجوع” وذلك وقع بعدها. والثابت من خلال دراسات تاريخية ومناخية أن سنوات 1944- 1945 كانتا شديدة الجفاف والقحط، ومما زاد من تأزيم الوضع ما أصاب البلاد من أسراب جراد عبر الجنوب باتجاه الشمال أتت على ما كان من يابس. ولم تسلم حتى الماشية من المرض بسبب لظروف بئيسة وقاسية مناخيا، خاصة ما عرف ب”جدري الغنم” الذي شمل عدة مناطق من البلاد ومنها تازة.
ويصعب القفز عما كان لحرب عالمية ثانية من أثر في تعميق ما حصل من مجاعة بالبلاد، فخصاص جبهات القتال الفرنسية بأروبا جعل المغرب يساهم في توفير مواد غذائية داعمة في اطار ما عرف ب”المجهود الحربي الفرنسي”،ما أثر بشكل كبير على مخزونه من الحبوب بعدما أقدمت سلطات الحماية الفرنسية، على إفراغ ما كان بالبوادي من كميات مدخرة من ظرف الفلاحين. وعلى اثر ما حصل من جفاف خلال هذه السنة الرهيبة وبسبب ندرة المواد الفلاحية ارتفعت أسعارها، حيث يذكر نص معاصر :”كان الغلاء المفرط الشديد سنة 1945، حيث بلغت الخبزة من الشعير الذي هو جل معيشة أهل.. نحو ألف فرنك.”
وقد دفع وضع المغرب الرهيب هذا خلال هذه الفترة بسبب المجاعة، لجملة اجراءات ادارية أقدمت عليها سلطات الحماية الفرنسية في اطار ما عرف ب”مكافحة الجوع”. منها تحرير سوق الغنم من أجل استغلال لحومها قبل هلاكها كما ورد في دراسات حديثة، وثانيا ما عرف ب”معجزة القمح” وهو ما ارتبط بعملية توزيع هذه المادة ومعها أيضاً الخبز و”الحريرة”. مع أهمية الاشارة لِما حصل بسبب ظروف مناخية واجتماعية صعبة، من نزوح وهرب من منطقة لأخرى ومن جبال وبوادي الى مدن. بحيث ورد في دراسات ذات صلة أن أعداد كبيرة من أهل الريف هاجرت باتجاه فاس غير مبالية بحدود فاصلة بين منطقة خليفية في الشمال ومنطقة سلطانية في الجنوب، ونفس الشيء من الهجرة سجل من مناطق الجنوب باتجاه الرباط والقنيطرة وغيرها.
وبسبب ما حصل من أوبئة اثر هذه المجاعة، ورد أن الموتى من المغاربة كانوا يتساقطون بين طرقات المدن وفي ضواحيها، وعلى مسافات طرقات رابطة بين مدن وبوادي لدرجة أن الكلاب كانت تنهش جثثهم دون قدرة على التدخل. مع أهمية الاشارة الى أنه ليست هناك أرقام دقيقة لمن هلك من المغاربة، بسبب هذه المجاعة الرهيبة. والى حين أرشيف شاف وكاف لمقاربة الموضوع وفهم ما عاشه المغرب وما عانى منه المغاربة خلال هذه الفترةمن زمن الحماية الفرنسية،من المفيد الاشارة لوثيقة على درجة من الأهمية بعنوان”قحط في المغرب معركة الحنطة”، وقد نشرت بالمنطقة الخليفية تحديدا بتطوان بعد سنة من الجائحة، لا شك أنها ارتبطت بالسلطات الاسبانية وباستعلاماتها التي سمحت بتداولها بين الناس لتلميع صورتها على حساب فرنسا. ومنالاشاراتالهامة التي يمكن التقاطها منها ما ورد حول نزيف بشري حصل من بلاد الريف باتجاه مدن الشمال، فضلاً عما تضمنته الوثيقة حول تأخر أمطار سنة 1944 وجفاف 1945الذيقالت عنه أنه لم يعهد له مثيل، دون إغفالهالظروف حرب عالمية ثانية كانت بمصائب وبأثر شديد علىبلاد وعباد.
