التباعد الجسدي……ليس التباعد الإجتماعي

www.alhadattv.ma

*محمد السعيدي

يقول ابن خلدون في مقدمته : ” إن الإنسان اجتماعي بطبعه …و هذا يعني أن الانسان فطر على العيش مع الجماعة و التعامل مع الآخرين فهو لا يقدر على العيش وحيدا بمعزل عنهم .. مهما توفرت له سبل الراحة و الرفاهية … و حتى كلمة انسان جاءت من الأنس .. فهو يستأنس بمن حوله يعيش و يتعايش معهم …ينتج عن هذا التعايش تبادل في الأفكار و الثقافات … في العادات و المعتقدات …فيكتسب منهم و يكتسبون منه ..و بذلك تتكون شخصية عبارة عن مزيج من خبرات و مهارات متنوعة اجتماعية – ثقافية – إنسانية – علمية و عملية”.
فالإنسان لا يستطيع تلبية لوازم الحياة الأساسية الا ضمن الجماعة التي تمده بالاحساس بالأمان، والأهمية، والارتباط كما توفر له فرص النمو، والتكامل النفسي، والفكري، والمهني.
وعليه، فإن الظروف الصحية الحالية تقتضي التباعد الجسدي أكثر من التباعد الاجتماعي لأن الأول يساهم في الحد من انتشار الوباء بينما الثاني يفاقم مشاكل العزلة التي تعاني منها اصلا المجتمعات المعاصرة.
وقد حددت السلطات المختصة مجموعة من الشروط لضمان التباعد الجسدي و الحرص على قواعد النظافة العامة و المستمرة حيث يبقى أهمها هو المسافة الدنيا بين الاشخاص ووضع الكمامات اضافة الى التنظيف المستمر لليدين.
وهي اجراءات لا تتعارض مع العودة التدريجية للحياة الطبيعية و العمل و الكسب.
وهذا يطرح ضرورة المراجعة العميقة لطرق سلامنا و سؤالنا عن بعضنا البعض و عيادة مرضانا و التعزية في موتانا. كما يفرض على المحلات التجارية و الخدماتية اللجوء الى فنون ترصيص أكثر ذكاء و ابتكارا تضمن ممرات في اتجاه واحد ولكن دون حجب الرؤية ليشبع الزبون حاجياته الفطرية من النظر و الحديث و الابتسام لبني جنسه. كما يجب على المقاهي و المطاعم اعادة توزيع الموائد بشكل متباعد لكن يتيح النظر للآخرين مع الاحتفاظ بحد ادنى من الخصوصية.
وبخصوص الاسواق الشعبية، وجب وضع تشوير افقي لتحديد مدار التسوق في اتجاه واحد مع علامات لاحترام مسافة الأمان اضافة الى حواجز تفرض التقيد بالمدارات كما هو معمول به في المطارات الكبرى.
ومن شأن هذه التدابير التخفيف من الضغط النفسي الذي عاشه الناس خلال الاشهر الاخيرة كما سيساهم في الحد من انتشار هذا الوباء وأي مرض قادم لا قدر الله.
ويبقى وعي المواطن رهانا كبيرا وشرطا ضروريا لانجاح هذا المجهود الجماعي. وتبقى يد الله مع الجماعة.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر