الشاعر بوجمعة العوفي يتضامن مع “بيت الشعر في المغرب” في رسالته الاحتجاجية المفتوحة إلى وزير الثقافة (لماذا تحولت الأحلام البيضاء إلى كوابيس سوداء)؟
www.alhadattv.ma
بصفتي كشاعر مغربي، حاول المساهمة منذ سنوات كشاعر غنائي – خارج القصائد والدواوين الشعرية المنشورة والمناسبات الثقافية – الارتقاء بالأغنية المغربية والعربية على مستوى الكلمة (القصيدة الفصيحة والزجلية أو العامّية المغربية)، من خلال التعامل مع ملحنين وموزّعين موسيقيين كبار من عيار الملحن المغربي الكبير الأستاذ محمد بلخياط، واحد من رواد ومؤسسي الأغنية المغربية في زمنها الجميل (“الغُربة والعَشْق الكادي” لمحمد الغاوي، ثم “انْتَ دَايْزْ” للبشير عبده، على سبيل المثال لا الحصر)، وذلك بتلحينه لقطعتي الغنائية “الله يْسامح” سنة 2016، والتي أداها المطرب المغربي “عز الدين زاهر” ووزعها موسيقيا الفنان “محمد المعتصم”، ثم القطعة الطربية الفصيحة “كُن لي قليلا” التي أدتها باحترافية عالية المطربة المغربية المميزة “صباح زيداني”، بتلحين من الموسيقار والمايسترو المغربي “خالد بداوي”، وتوزيع الفنان المقتدر “أحمد هبيشة”.
إضافة إلى أعمال غنائية أخرى كتبتُها – ليس طمعا في مال أو شهرة، بل من باب الإيمان العميق برسالة الفن وبهذه الأصوات فقط – للكثير من الأصدقاء الفنانين والمواهب الغنائية المغربية الشابة، وتم إنتاجها بالإمكانات الخاصة لهؤلاء الفنانين أو لجمعيات، خارج دعم وزارة الثقافة المغربية وغيرها من الجهات، مِنْها: القطعة الطربية “لن أسألك ” من تلحين الأستاذ “أحمد بلغازي” وأداء المطرب “عز الدين زاهر”، القطعة الزجلية: “مغربية في الجمال”، من تلحين الأستاذ “أحمد بلغازي” وأداء الموهبة الغنائية الصاعدة “شيماء الخلوفي”، (الجائزة الأولى للكاستينغ الغنائي الذي نظمه “منتدى زرياب الموسيقى والفنون” بتازة في دورته الأولى سنة 2019)، ثم القِطَع الغنائية الشبابية “عْلاشْ”، أداها المطرب المغربي “عز الدين زاهر”، و”بْلا ما تقول علاش” التي لحنها وأداها المطرب المغربي “سعيد هيكل” المقيم في ألمانيا، (كل هذه الأعمال الغنائية موجودة على موقع اليوتيوب). إضافة إلى قطعة “علاش بلادي غضبانة؟” التي لحنها وأداها المطرب المغربي الملتزم “رشيد شّنّاني”، والقطعة الطربية “شادي الغزَل” التي لحنها المطرب والملحن “سعيد هيكل”، بحيث لم تخرج بَعْدُ هاتان القطعتان الأخيرتان إلى الوجود بسبب غياب الدعم وعدم توفر إمكانات الإنتاج.
داخل هذا الزمن المغربي، المطبوع بتراجع الذوق الفني الأصيل، وبعض أشكال التردّي الذي تعرفه الأغنية العربية والمغربية بشكل غير مسبوق في الوقت الراهن، على مستوى الكلمة خصوصا، إضافة إل اللحن والتوزيع والأداء (موجة الأغنية الشبابية العربية والمغربية تحديدا)، وغياب الدعم وتهميش الإبداعات الجيدة والهادفة للعديد من الشعراء الحقيقيين وُكُتّاب الكلمات والملحنين الموهوبين والجادين في الساحة الغنائية المغربية، دخلتْ هذه “الإبداعات” الغنائية اليوم، في أغلبها، زَمنَ “الموزعين الموسيقيين Les arrangeurs”، عِوَض الملحنين، هؤلاء الذين كانوا يبثون في النص الشعري أو القصيدة الغنائية، سواء كان فصيحا أو عاميا، من أرواحهم المبدعة الكثير من الأحاسيس والتنويعات اللحنية والإيقاعية والانتقالات المقامية والموسيقية الساحرة، التي ما زالت حاضرة في وجدان وأُذن المتلقي المغربي والعربي، باستثناء بعض الأعمال الغنائية العربية والمغربية القليلة التي أصبحتْ وستظل من الخالدات، إذ تستجيب عناصرها ومكوناتها إلى الشروط الفنية والجمالية الراقية والضرورية التي عرفتها الأغنية العربية والمغربية في زمنها الجميل أو في عصرها الذهبي.
وخارج هذا “الضجيج الفني” أيضا، والكثير من الالتباسات التي تعرفها الآن ساحات دعم وإنتاج الأغنية المغربية، أحيي بحرارة كل الطاقات الغنائية والفنية المغربية النظيفة، التي ما زالت تؤمن بنقاوة العمل الفني والغنائي (كلمة ولحنا وأداء)، خارج منطق “الشّللية ” و”الزبونية” و”لوبيات” لجان الدعم التي تشكلها وزارة الثقافة المغربية، أعلنُ تضامني المُطْلق واللامشروط مع رسالة الاحتجاج المفتوحة التي وجّهها الأصدقاء في “بيت الشعر في المغرب” إلى وزير الثقافة المغربي حول مهزلة دعم الأغنية المغربية لهذه السنة (2020)، وأجدد شكري العميق لهم لذكر اسمي المتواضع كشاعر غنائي مغربي في رسالتهم المفتوحة إلى الوزير.
على هذه المهازل أن تنتهي، وأن يتم إنصاف المشاريع الطموحة والجيدة والمهمَّشة للأغنية المغربية وكل الفنانين المشتغلين بها على حد سواء. ثم على ما يسمى بـ “الأسماء الكبرى” أو الوجوه المعروفة في هذا المجال أن تكُفَ عن مغالطة الساحة الفينة المغربية والرأي العام المغربي، بمواقفها المزيفة التي تحاول الركوب على الموجة ومسألة الدعم، لتحقيق مكاسب أخرى غير فنية، ونِسَب أكبر من المشاهدة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتنفض عن أسمائها بعض الغُبار الذي طالها، بعد أن تراجَع أو خَفّ بريقها، بظهور تجارب فنية أخرى واعية وواعدة ومغايِرة. غير ذلك: سوف تظل “دارُ لُقمانَ على حالها”.

بوجمعة العوفي / شاعر وناقد فني مغربي
