العملية الإبداعية في الفن التشكيلي وامتداداته بين التجريد والتجسيد

www.alhadattv.ma

بقلم عمر الصديقي

في إطار الأنشطة الثقافية المنظمة بمدينة تازة، احتضنت قاعة الفنون بالمديرية الإقليمية للثقافة مؤخرا ندوة فكرية في موضوع “التشكيل بين التجسيد والتجريد” بمشاركة وحضور عدة فعاليات ثقافية مهتمة بهذا الحقل الإبداعي المميز. وسعدت كثيرا بمشاركتي ضمن مواد هذه الندوة بمداخلة بعنوان: “تأملات حول العملية الإبداعية في الفن التشكيلي وامتداداته بين التجريد والتجسيد”، وتعميما للفائدة ارتأيت نشرها هنا حتى يطلع عليها المتتبعون للشأن الثقافي .
وهكذا، فإذا ما افترضنا أننا متفقون على التأصيل المفاهيمي للفظتي التجريد والتجسيد في الإبداع عموما، فإنه يمكن لنا أن نستحضر عوالم شتى من الفكر الإنساني المرتبط بالعملية الإبداعية، انطلاقا من مرجعيات عدة، فلسفية فنية وتقنية وجمالية.وحتى لا نتيه بعيدا في حديث معقد أصلا، بالنظر للطبيعة المعقدة لمفاهيم الفن والجمال والإبداع، اسمحوا لي أن أبدأ من المدخلات الأساسية الضرورية لطرح وفهم إشكالية المجرد والمشخص في التشكيل.
طبعا ممكن ألا يتفق معي البعض، وذلك من حقهم لأننا بصدد مادة لا تحكمها قواعد العلوم الحقة، بل تتداخل فيها عدة شروط نفسية واجتماعية وثقافية خاصة بالذات المبدعة والذات المتلقية كذلك. إذن ما معنى الإبداع ؟ وما علاقة التجريد بالتجسيد؟ وهل للفن التشكيلي وظيفة معينة ؟ أم أن الفن للفن، يعني لا دخل للفنون في قضايا المجتمع، وكل ما يعني المتلقي هو الجانب الجمالي الترفيهي، وهل يمكن أن نتفق على أن التلقي هو إبداع ثان؟ سأحاول أن أتناول 3 نقط فقط:
الإبداع كان مجسدا أو مجردا، هو نشاط ومهارة إنسانية وخلق يتميز بتجاوز المعتاد والمألوف السائد، وذلك عبر إنتاج أفكار جديدة واستشراف أفاق جديدة تبرهن في الغالب على الملكة والموهبة لدى الإنسان، قد يبدو أن هذه العملية الإبداعية بسيطة ومتيسرة للجميع، بل هي معقدة ومركبة تتشكل وتتبلور وفق المعطيات النفسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية والتربوية للذات المبدعة والذات المتلقية.
هي عملية تقنية وفنية تتطلب شروطا دقيقة، أهمها الحس الفني ودقة الملاحظة و خاصية الذكاء وحسن تلقي الإشارات وسرعة التقاط مكامن الجمال وغيره من القيم الإنسانية والكونية. وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف هيكل في مؤلفه la phénoménologie de l’esprit فينومينولجيا العقل:
L’habilité personnelle constitue ce qu’il ya de plus haut dans l’action créative) (
يعني أن المهارة أو البراعة أو القدرة الذهنية الخارقة هي أهم شيء في العملية الإبداعية. فلولا الفن، ما صارت الحياة على ما هي عليه اليوم، كنا سنبقى إلى الأبد في الكهوف والمغارات المعتمة. كنا سنعيش دوما بتلك الخرقة على أعضائنا التناسلية، لكن الذهاء الإنساني جعلنا نستمتع بجودة الحياة في الملبس والمأكل والتنقل والتواصل…الخ، على خلاف الطير والحيوان مثلا.

التجريد والتجسيد في التشكيل: في اعتقادي، من الصعب أن نميز بين المجرد والمشخص. إذ لا حدود مادية و معنوية يمكن أن تفصل بينهما. فقد يكون ما هو مشخص ماديا وشكلا هو تعبير عن شيء مجرد. وقد يكون ما هو مجرد عبارة عن تشخيص بشكل من الأشكال غير المرئي المحسوس المعتاد. يجب أن نعترف أنه من الصعب الخروج من هذه الدوامة. هي تشبه قصة الدجاجة أم البيضة، ومن الأسبق منهما. ولكن يبقى من الواضح أن هناك علاقة جدلية قوية تجمع بين التجريد والتشخيص، جدلية دائرية وليست أفقية متبادلة.
مجمل القول، إن التشخيص والتجريد في العمل التشكيلي، هما عمليتان إبداعيتان قائمتا الذات، بيد لكل واحدة شكل معين في التمظهر أما النتيجة فهي واحدة. أضف إلى ذلك عنصرا مهما وحاسما هو المتلقي أو الزائر، الذي بحكم وضعيته الشخصية قد يرى في العمل المشخص إيحاء أو دلالة مجردة، وقد يظهر له في العمل المجرد شيء مشخص. ومن الممكن جدا آن يختلف اثنان على الشيء الواحد الذي يريانه. وهذا هو العنصر المميز للتشكيل عن التصوير الآلي الجامد.
وظيفة التشكيل وأهميته: هل من الضروري أن يكون للفن المجرد أو المشخص جدوى معين؟ آم أنه يكفي أن يضع الفنان بصمته كما يراها ويريدها هو، بغض النظر عن المتلقي والمجتمع والأخلاق والدين؟ هل الفن التشكيلي تسلية شخصية للمبدع ولا شأن للآخرين فيها؟ أو بالعكس يتعين عليه أن ينتج ماهو مفيد وما هو مجتمعي أو ما يريده المتلقي؟
من المفروض، أن الذات المبدعة التي تعيش في محيط معين بحكم أنها تشعر وتحس وتعبر عن الرضا كما عن السخط وترتاح للخير و تتدمر من الشر، أقول من المفروض أن تتماهى وتتعاطى وتتجاوب مع هذا المحيط على اختلاف تقلباته…فمثلا كلما شعر الإنسان بالمجاعة إلا ورسم خبزا، وإن شعر بالحزن رسم دمعا وإن عشق رسم قلبا أحمرا دلالة على أنه ولهان… لذلك أنيطت اجتماعيا بالفن والفنان مهمة الدفاع عن القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وإلا ما جدوى الفن؟ ألم نقل سلفا إن الفن يجود الحياة ويسعى عبره المبدع إلى إسعاد الناس وتسليتهم وخدمتهم بأفكار جديدة، ولكن كذلك لتحقيق هدف مادي شخصي؟ هنا تطرح إشكالية المنفعة المادية، فنجد أن الفنان عوض تحقيقه لتلك السعادة الداخلية، بات هاجسه الربح والغنى جاعلا من ممارسة الفن حرفة ومن اللوحات سلعة تباع في الأسواق، حتى صرنا نتحدث عن السياسات الثقافية وعن الصناعات الإبداعية على حساب الفن النبيل ذات الغايات السامية. فلم نعد نرسم اللوحة من أجل الفن، بل نصنع لوحات من أجل الاسترزاق وتحقيق أهداف شخصية مختلفة بعيدين عن نظرية الفن من أجل الفن.
و للتوضيح، فإن فكرة “الفن من أجل الفن” تقتضي قطع الصلة بين الفن والمجتمع للهروب من الواقع وقضاياه، في تناقض مع النظرية الانعكاسية للفنون. بمعنى آخر، يجب أن يكون الفن هدفا وقصدا في حد ذاته، من غير ارتباطه واكتراثه ببيئته، فلا داعي لإلزامه بوظائف التهذيب والتربية والإرشاد والتوجيه.
كخاتمة لهذا الموضوع المعقد بطبيعته النفسية والفلسفية، يمكن القول إن الاعتبارات والإكراهات السالفة الذكر هي التي تجعل الفنان يتراوح بين التجريد أو التشخيص في عمله الإبداعي. وبالتالي، فهو لا يتمتع بالحرية الكاملة في اختياره التجريد أو التشخيص.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر