بوزملان تعطش فوق منابعها… وأنباء عن تسرب الواد الحار إلى العين التي تزود الساكنة بالماء الشروب انقطاع مستمر منذ يوم أمس 22 أكتوبر والشركة الجهوية صامتة

www.alhadattv.ma

منذ يوم أمس الخميس 22 أكتوبر 2026، يعيش سكان مركز بوزملان بجماعة آيت سغروشن على وقع انقطاع جديد للماء الصالح للشرب، لا يزال مستمرا إلى حدود كتابة هذه السطور. انقطاع جاء كسابقيه بدون أي إشعار مسبق، ولا بلاغ يشرح السبب، ولا موعد معلن لعودة التزويد. لم يعد الأمر حادثا عارضا يمكن تفهمه، بل حلقة في سلسلة صارت تتكرر بوتيرة لافتة منذ أن انتقل تدبير هذا المرفق من المكتب الوطني للماء الصالح للشرب إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات.
المفارقة في بوزملان صارخة إلى حد العبث. فالصهريج الذي يزود ساكنة المركز لا يملأ بماء منقول من سدود بعيدة ولا من شبكات معقدة عابرة للأقاليم، بل بماء منبع من منابع بوزملان نفسها، على بعد خطوات من البيوت التي تعطش. الماء هنا موجود، والمصدر قريب، والمسافة قصيرة؛ فما الذي ينقطع إذن، إن لم يكن التدبير؟
غير أن ما يتداوله السكان منذ ساعات يجعل الانقطاع أهون الشرين. فقد راجت بالمركز أنباء عن تسرب حمولة الواد الحار إلى العين التي يملأ منها الصهريج، أي إلى المصدر نفسه الذي يشرب منه الناس. وإذا ثبتت هذه الأنباء، فإن الأمر لم يعد يتعلق بخدمة متقطعة، بل بخطر يمس صحة الساكنة مباشرة، أطفالا ومسنين ومرضى، وبماء قد يصل إلى البيوت محملا بما لا يرى بالعين المجردة. فالعطش يرى ويقاس، أما الماء الملوث فيدخل البيوت في صمت، ولا تظهر عواقبه إلا حين يفوت أوان تداركها.
وهذه الأنباء لا تأتي من فراغ. فملف المياه العادمة ببوزملان موثق منذ سنوات: في ماي 2023 نشرت «الحدث تيفي» مقالا عن الواد الحار الذي يصب في قلب منابع بوزملان، وفي يناير 2025 أقرت وزارة التجهيز والماء، في جوابها على شكاية مودعة ببوابة الشكايات، بوجود مياه عادمة ونفايات صلبة على طول الطريق الجهوية 5401، وفي شتنبر الماضي ظلت المياه العادمة تفيض في الشارع الرئيسي للمركز أسابيع دون أي تدخل. أحياء بأكملها بلا شبكة للتطهير السائل، ومياه عادمة تصرف بوسائل بدائية تتسرب إلى الفرشة المائية، ومنابع على مرمى حجر من كل ذلك: النتيجة كانت متوقعة، والإنذارات سبقتها بسنوات.
ويطرح هذا الوضع أسئلة لا تحتمل التأجيل: هل للانقطاع الحالي صلة بهذا التسرب، وهل أوقفت الشركة التزويد احترازيا دون أن تخبر أحدا؟ أم أن الماء ظل يضخ في الصهريج طيلة الفترة السابقة دون مراقبة كافية؟ ومتى أجريت آخر تحاليل لجودة ماء العين، ومن اطلع على نتائجها؟ إن صمت الشركة غير مقبول في الحالتين: فإما أنها تعلم بالخطر ولا تخبر الساكنة، وإما أنها لا تعلم، وهذا أخطر.
لقد قدم إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات، بموجب القانون رقم 83.21، باعتباره خطوة نحو تحسين جودة الخدمات وتوحيد معايير التدبير وتقريب المرفق من المرتفق. غير أن ما يعيشه سكان بوزملان يسير في الاتجاه المعاكس تماما: خدمة كانت مستقرة نسبيا صارت متقطعة، ومرتفق لا يعرف متى ينقطع الماء ولا لماذا ولا إلى متى، ولا يعرف اليوم حتى إن كان الماء الذي يعود إلى صنابيره صالحا للشرب. ومرفق عمومي حيوي كالماء لا يدار بمنطق الأمر الواقع؛ فمن حق الساكنة أن تخبر مسبقا بكل انقطاع، وأن تعرف أسبابه ومدته، وأن تنبه فورا إلى أي خطر يهدد صحتها.
ولا يعفي انتقال التدبير إلى الشركة الجهوية المجلس الجماعي من مسؤوليته؛ فالقانون التنظيمي 113.14 يجعل توزيع الماء الصالح للشرب والتطهير السائل من الاختصاصات الذاتية للجماعة، ويضع بين يدي رئيس المجلس صلاحيات الشرطة الإدارية في مجال الوقاية الصحية. والدستور يضمن في فصله 31 حق المواطنين في الحصول على الماء وفي العيش في بيئة سليمة، والقانون 36.15 المتعلق بالماء يمنع كل إفراغ من شأنه أن يلوث الموارد المائية. فإذا كان الواد الحار قد بلغ فعلا العين التي يشرب منها المركز، فذلك ليس عطبا تقنيا، بل ثمرة سنوات من الإهمال وقف فيها المجلس متفرجا، كما وقف في ملفات الإنارة العمومية والصرف الصحي والنفايات بالمركز نفسه.
إن المطلوب اليوم لم يعد يحتمل الانتظار: إجراء تحاليل مخبرية عاجلة لماء العين والصهريج تحت إشراف المصالح الصحية المختصة، وإعلان نتائجها للعموم بكل شفافية؛ وتحديد مصدر التسرب ووقفه فورا، مع تحرك وكالة الحوض المائي لسبو عبر شرطة الماء؛ وتوفير بديل مأمون للتزويد طيلة مدة الانقطاع؛ وتقديم الشركة الجهوية متعددة الخدمات توضيحا علنيا لأسباب الانقطاعات المتكررة، مع الالتزام بالإشعار المسبق ووضع حل تقني دائم لتزويد الصهريج؛ وأن يتحمل المجلس الجماعي مسؤوليته كاملة في التتبع والمساءلة، وفي إنهاء معضلة التطهير السائل بالمركز.
إن سكان بوزملان لا يطلبون امتيازا، بل حقا أساسيا: ماء منتظما ونظيفا من منبع يجري أمام أعينهم. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل سؤالان معلقين فوق المركز: كيف يعطش من يسكن إلى جوار الماء؟ وكيف يطمئن من يشرب من عين يقال إن الواد الحار يتسرب إليها؟

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر