عندما حل ابن بطوطة بتازة في زمن وباء..

www.alhadattv.ma

عبد السلام انويكًة..

مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

بشكل دوري ومنذ العصر الوسيطعصفتبالمغرب جوائحطبيعية عدة بليغة الأثر، ما حصل منها على امتداد قرون لا تزال بعض بصماته وعلاماتهماثلة من خلالما هو ممتد من ذهنيات ونفسيات واعتقاداتوسلوكات من شدة وقعه.وبقدر ما يسجل من شبه صمت للمصادر الاخبارية المغربية حولها منذ هذه الفترةباستثناء اشارات غير شافية هنا وهناك، بقدر ما حصل من إقبال لأبحاث ودراسات حديثةاتجهت صوب قضايا أخرى غيرهذه، ما جعل موضوع الآفات الطبيعية من أوبئة ومجاعات بحيز تراكم محدود أو يكاد يكون.
وفي علاقة بجوائح بلادنا خلال العصر الوسيط، يظهر أن كل جهة من جهاتهاواجهت ما حل بها وفق وضعهاونمط معيشها وثقافتها وامكاناتها،فكانت بأحداث وأسرار وتدافعات.وعليه،فإن إبراز ما هو محليذو علاقة أمر بالغ الأهمية منأجل تراكم داعم لِما هو شامل من نصوص وحقيقة تاريخية نسبية، من خلالرصد ما حصل من افرازات ثقافية واجتماعية لا يزال بعض شتاتها وأثاثها عابراً لزمن المغرب والمغاربة هنا وهناك بين بوادي ومدن.
وعلاقة بمدن بلادنا وبواديها خلال هذه الفترة دون فاس ومراكش بحكم علاقتهما بسلطة المركز،لا نجد أي شيء عما عرفته من أوبئة مثلاً زمن الموحدين، علماً أن البلاد كانتعرضةخلال حكم هؤلاء لطاعون في بداية سبعينات القرن السادس الهجري، قالت مصادر تاريخية أنه اقتصر على مراكش وأحوازها.وهوما يطرح سؤال طبيعة المعلومة التاريخية حول انتشار الوباء، ولِما قد يكون حصل منه ببلاد الأندلس وسلا وغيرها من جهات البلاد علماً أن الوباء عمرلمدة تجاوزت السنة.هذا باستثناء نص عن زمن بني مرينجاء فيه:”انتهى أمر هذه السنة(..) الشهباء..ممسكة شحاً كلما موهت بالقزع تلاشى هلهله، وفشا دخانه وظهر الطاعون بأرض..وما الى ذلك لكونها لم تستأثر ببلالة رحمة مما قسم الله لغيرها، الى ما أصابها من معرة الفتة..واستهدف من بها الى هلكة المجاع وفشو الموتان..ففي هذا العشر الآخر..عظم الجفاف وعصفت الريح الرجف تنقل الهضب قبل ارتداد الطرف وتبدل أعيان الأرض وتعاجل حلاق لمم النبت، فصيرت وجه الأرض كمطارح خبث الحديد أمام مضارب البيد يبساً وقحلاً وعقراً للأرجل وعصياناً على الشابك واحرقت ما كان قد نجم من باكر البذر “.
ومن وقائع الطبيعة التي ضربت بعض مناطق البلاد بداية العقد الثاني من القرن الثامن الهجري علىعهد بني مرين، ما حصل من أمطار عاصفية وسيول رهيبة أحدثت جرفاً وانجرافاً وتدميراً وتخريباً. جاء عنها :”وفي سنة اثنين وعشرين وسبعمائة هبت ريح شديدة، واستمر هبوبها يومين بليلتهما هدمت الديار وقلعت الأشجار ومنعت الأسفار.” ولاشك أن هذه الآفات الطبيعية كانت تترتب عنها سلوكات اجتماعية عدة من قبيل قطع الطرقات والنهب على اثر ما كانت تعرفه سلطة المخزن من ضعف.”
ويتبين أن ضمن تاريخ بلادنا خلال الفترة الوسيطية،هناك محطات كبرى تشكلت بفعل أزمات طبيعية لا تزال بقعاً مهملة،ما احوجها لمزيد من التفات الباحثين والدارسين بتقدير المتخصصين. علماً أن ما تحتويه الحوليات التاريخية المغربية من مادة حول جوائح طبيعية هو بخجل كبير، بل ما جاء بها كان عرضاً في سياق حديثها عن مصاعب واجهت السلطة أساساً. فقد تم تدوين ما تعلق بمصائب البلاد في علاقتها بمن أرخ لها وتم اغفال الهوامش وما هو محلي، مما يزيد من صعوبة تكوين فكرة شافية حول الموضوع خلال هذه الفترة،فضلاً عنكون ما ورد في ثنايا المصادر لا يتجاوز اشارات متفرقة يصعب معها تحقيق تتبع دياكروني.
ويتبين أيضاً أن المجال بحاجة لدراسات أكثر انفتاحاً وفق مداخل زمنية تاريخية واجتماعية وبيولوجية وطبية..،في أفق ورش من شأنه تعقب الموضوع من خلال زوايا ومقاربات متعددة. لبلوغ نصوص أكثر تجاوباً مع ما هو مطروح من اشكالات ذات صلة، منها على سبيل التقدير فقط إرث مغرب العصر الوسيط الوبائي عن العصور الكلاسيكية.
ولن يتطور هذا سوى بما ينبغي من استنطاق لمخطوطاتخزاناتنا العلمية، لتتبع مسار قضايا شكلت حلقات محورية في تاريخ بلادنايصعب القفز عليها. فالآفات الطبيعية التي عصفت بالمغرب منذ العصر الوسيط لا شك أنها كانت بآثار على أكثر من مستوى، وما أصابه من وباء كان يأتي كجزء من جائعة طاعونية تواترت ضرباتها على نحو حلقي كل عدة سنوات لدرجة المائة سنة، ولم تكن تختفي إلا بعد اطاحتها بحياة أعداد هائلة من العباد.
ولا شك أن ما ضرببلادنامن جوائح على امتداد قرون، هو بحاجة لفرق بحث يحضرها مؤرخون وسسيولوجيون ونفسيون سلوكيون وانتروبولوجيونواقتصاديون ومجاليون ومناخيون..، في أفق تأطير أمكنة البلادوأزمنتها في علاقتها بما حصل من موجات وبائية فاصلة، كذا مقاربة مفاهيم وتتبع أثر وإبراز مظاهر وتحليل أسباب وسبل وقاية وأنماط تفاعل، فضلاً عما ترتب من خوف وشعور وردود فعل. وفي اطار ورش تاريخ البلاد الاجتماعي وما ينبغي أن يكون، بقدر الحاجة لِما يمكن أن يسهم به البحث التاريخي في بعده المحلي وعياً برأي “ميشيل فوكو” “لا تاريخ دون تاريخ محلي”، بقدر الحاجةلنماذج من كتابة تاريخية يطبعها تجديد نظري ومعرفي، لتجاوز أحادية نظرة تجاه اشكالات ذات طبيعة تاريخية اجتماعية.
تبقى أهمية الاشارة الى أن ما هو متوفر من معلومة تاريخية مصدرية، أمر لا يسعف الباحث لتتبع أثر جوائح مغرب العصر الوسيطوتكوين فكرة حول امتدادها بالمدن والبوادي. وبالتالي صعوبة تأطير ما هو محلي حول الموضوع عن هذه الفترة،علماً أن ما أوردته مصادر عنها ارتبط فقط بفاس ومراكش لمركزيتهما في البلاد. ففي هذه الأخيرة زمن الموحدين ورد حديث عن وباء 571- 572ه، وقيل أنه كان يموت بسببه ما بين المائة والمائة وتسعين ضحية يومياً. وأنه شمل جميع فئات المجتمع دون استثناء، بل أصاب الخليفة يوسف ابن عبد المومن وأخاه أبا حفص وكاد أن يأتي عليهما وأن المدينة تم عزلها نهائياً عن باقي البلاد،”وفي هذه السنة وهي سنة احدى وسبعين نزل الوباء والطاعون بمراكش ولم يعهد مثله فيما تقدم من الأزمنة قبله.”
ويظهر أن مؤرخي العصر الوسيط المغاربة لم يكونوا بقدر وافر من التفاعلمع جوائح الفترة، اللهم ما جاء في سياق حديثهم عرضاً عن مصاعب واجهت السلطة مركزياً. بل دونوا ما تعلق بها في علاقتها بأطراف أرخوا لها وأغفلوا هوامش البلاد ومناطقهاالبعيدة. ويفسر شح الوثيقة في الكتابة التاريخية حول هذه الفترة، ما كان عليه المؤرخالمغربي من ميل للإديولوجية الرسمية في كتابة مصنفاته، وبالتالي عدم استحضاره لقضايا الهوامش.
وحتى صاحب”تحفة النظار” اكتفى بالإشارة لموتى مدن المشرق بالوباء وسكت عما حصلمن أحوال بالمغرب، علما أن أمه توفيت من جراءه وقد علم بخبر وفاتها عندما وصل تازة، قائلاً:” ووصلت الى مدينة تازى وبها تعرفت خبر موت والدتي بالوباء رحمها الله تعالى”. وهو ما يعني أن تازة كانت محطة خبر وتداول بحكم موقها كطريق تجاري بري رئيسي بين تلمسان وفاس. ورغم أن ابن بطوطة علم بهذا الخبر الأليم لما وصل الى تازة، يظهر أنه لم يكن حافزاً بالنسبة اليه للحديث عن الوباء ورصد تجلياته ووقعهعلى احوال البلاد والعباد زمن بني مرين، بحيث اختار في “تحفته” الصمت الذي طبع نصوص معظم مؤرخي الفترة.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر