www.alhadattv.ma
* سيداتي بيدا
في الوقت الذي ارتفعت فيه درجات الحرارة في عدد من المدن الأوروبية إلى حدود 28 درجة مئوية، هبّت مصالحهم المختصة – مشكورة – لرش الشوارع بالماء، ونصبت الرذّاذات في الحدائق والساحات العمومية، وأتاحت المرافق المائية للأطفال والعائلات، في مشهد يرسخ فكرة بسيطة: الإنسان أولاً.
في تلك الدول، لا يُقاس التقدم بعدد ناطحات السحاب، بل بمدى احترام الإنسان في لحظات ضعفه، وبتوفير حاجاته الأساسية من دون مماطلة ولا مفاجآت غير سارة.
أما عندنا، وتحديدًا في إقليم تازة وخصوصا بدواويرها فقد اختارت الطبيعة أن تختبر صبر السكان على طريقتها الخاصة، حين تجاوزت الحرارة فوق الأربعين درجة مئوية، بالتزامن مع الخصاص المهول وانقطاع الماء الصالح للشرب في توقيت دقيق، حرارة في السماء وانقطاع في الأرض!
فجأة، تحولت الدواوير إلى مسرح يومي لحملة “ابحث عن قطرة”، مواطنون يتجولون بقنينات فارغة، أطفال عطشى، وأمهات يُقسّمن ما تبقى من الماء بين الشرب والطهي، وكل ذلك في صمت تام لا يُكسر إلا بأنين الشمس و”الخطوات المبللة بالعرق”.
البعض لجأ إلى شراء قنينات الماء من المحلات، رغم أن أسعارها في عز الصيف يمكن أن تنافس بعض الفواتير الشهرية، والبعض الآخر حمل القنينة البلاستيكية إلى أماكن بعيدة حيث “تُسمع أنباء عن وجود بئر”، فقط ليملأها ويعود بها كمن يحمل كنزًا، ليقاسمها مع أسرته بحساب دقيق يشبه نظام الحصص.
وما يزيد الأمر غرابة – وليس استغرابًا – هو تكرار هذا الانقطاع في نفس الدواوير والمناطق، وفي نفس الفترات تقريبًا. الأمر الذي جعل عددًا من السكان يتساءلون عن خلفية هذا التكرار، ويتطلعون إلى تفسير واضح، أو على الأقل، إلى تواصل يبدد الحيرة.
ورغم أن تازة إقليم له موقع متميز، وبوابة طبيعية نحو العديد من الاقاليم السياحية، إلا أن مشهد العطش هذا يُعيدنا إلى تساؤل بسيط: هل يُمكن للساكنة أن تحلم بماء دائم، كما تحلم بظلال الأشجار ونسمات الجبال؟
طبعًا، لا أحد يشكك في نوايا الجهات المعنية، ولا في حرصها على سلامة المواطنين، لكن من حق الناس أن يتمنوا حلاً جذريًا ومستدامًا، بعيدًا عن “المعالجات التقنية المؤقتة” التي لا تصمد أمام حرارة الصيف، ولا أمام عطش طفل صغير.
الكرامة المائية ليست شعارًا، بل حاجة إنسانية بسيطة. والساكنة لا تطلب المستحيل، فقط تريد أن تفتح الصنبور، فتجد الماء. وهذا، بكل تواضع، حق طبيعي لا يُختزل في المواسم ولا في المناسبات.
ختامًا، تبقى مدينة تازة و ضواحيها جميلة، تنبض بالحياة، وتتنفس هواء الجبال، وتُطل على مناظر طبيعية تأسر الزائر قبل العدسة. مدينة بدأت تلفت أنظار السياح من مختلف الجنسيات، حيث اختار العديد منهم الإقامة فيها بدلًا من بعض المناطق السياحية الشهيرة كمراكش ونواحيها، لما توفره من هدوء وراحة وجمال طبيعي لا يُزاحم.
لكن… رغم هذا الإقبال المتزايد، ورغم موقعها الاستراتيجي، لا تزال المدينة ومعها جماعاتهت الترابية تعاني من خصاص واضح في أبسط المرافق الأساسية، وكأنها تُركت لتُدبر شؤونها بطريقتها الخاصة. ينقصها الماء، وتنقصها لمسة اهتمام… ذلك النوع من العناية التي تُشعر الساكنة أن مدينتهم ليست فقط ممرًا للسياح، بل موطنًا يستحق أن يُستثمر فيه، ويُبنى على أرضه مستقبل أفضل
