قائد غياثة تازة، ادريس المجاطي : فلواد ولا فاهل الواد !!!

www.alhadattv.ma

*عبد الإله بسكمار

تحددت لدى الباحثين وعموم الدارسين مرتكزات أساسية من الاستراتيجية الاستعمارية والسياسة التي اتبعتها فرنسا في المغرب طيلة فترة الحماية والتي بنيت على عدة عناصر منها، قاعدة التعاون مع عدد من القواد وشيوخ القبائل على مستوى البوادي والمناطق القروية المغربية، أما في مجال المدن والحواضر فوقع الاعتماد على عدد من الباشوات والأعيان المحليين، الذين أعلنوا منذ البداية خضوعهم للإدارة الاستعمارية، ويمكن الجزم بأنه قبل عقد الحماية بسنوات، بدأ تعاون الفرنسيين مع قواد الجنوب وما سمتهم سلطات الحماية ” نبلاء الأطلس Les Seigneurs de L’Atlas” ، كالمدني الكلاوي وعيسى بن عمر العبدي وعبد المالك المتوكي والطيب الكندافي، ومع أن القاسم المشترك بين هؤلاء تمثل في التعاون مع المستعمر وتسهيل سبل احتلال البلاد واستغلالها، فإن التفاوت ملحوظ في الطرق والوسائل وحجم ذلك التعاون من قائد لآخر، علما بأن هؤلاء تواطؤوا مع قوات الكولونيل مونجان Mangin في مواجهة مجاهدي الهيبة بن ماء العينين، مما نجم عنه هزيمة قواته في معركة سيدي بوعثمان بتاريخ السادس من شتنبر 1912 والتي أدت إلى انسحاب الهيبة من مراكش نحو قواعده بالصحراء.

مما تسجله المصادر التاريخية علاوة على كل ذلك، الاستيلاء على أراضي القبائل واستغلال الساكنة في أعمال السخرة ومحاربة المقاومين، ودعم المشاريع الاستعمارية وغيرها من الممارسات، وكان أشهر هؤلاء دون منازع المدني الكلاوي ثم أخوه التهامي الذي نصب باشا عن مراكش فيما بعد .

تشترك منطقة تازة في ذات الخصائص على وجه العموم مع باقي المناطق المغربية، فقد اعتمدت الحماية سواء أثناء ما سمته بحرب التهدئة Guerre de Pacification ، أو بعدها لما بدأت تطبق مشروع الحماية، اعتمدت على عدد من القواد / القياد، كادريس المجاطي بمنطقة غياثة وعزوز الهزاط بمجال البرانس ثم المذبوح بمنطقة جزناية والبشير الزمراني بالتسول، غير أن أشهرهم وأكثرهم إثارة للجدل هو قائد غياثة ادريس المجاطي لعوامل متعددة أبرزها طبيعة هذه المجموعة القبلية المتميزة بالتمرد والرفض والاحتجاج المستمرعبر التاريخ، ثم أوضاع المنطقة قبيل وخلال فترة الحماية الفرنسية ونوعية الشخص ذاته والذي تميزبعدة سمات جعلته المتحكم فعليا في مجال غياثة إياه والخاضع عمليا لتوجيهات وأوامر الحماية الفرنسية، رغم أنه كان شخصا أميا يجهل القراءة والكتابة ولكن السمات الأخرى غلبت على مسلكياته وأبرزها المكر والذكاء واستغلال الفرص والنسب والكفاءة إلى ميزة التجبر والاستبداد، وهنا يمكن طرح السؤال التاريخي التالي: هل تم ” تدجين ” المنطقة بنجاح على يد المجاطي، بعد أن سجلت لها محطات بارزة ليس في مواجهة المخزن وما كان يفرضه من تكاليف وضرائب وإتاوات فحسب ولكن أيضا في الصراع بين غياثة وباقي القبائل ودون إغفال التناحر بين بعض الفروع ذاتها كبني وجان وبني بوقيطون وأهل الواد وبني مكَارة وأهل بودريس وبني مطير؟ سؤال من الصعب الإحاطة بجميع ما يطرحه من إشكالات تاريخية واجتماعية وثقافية ونفسية، ولكن حسبنا أن نتأمل حياة وأطوار القائد ادريس المجاطي ونهايته الرهيبة المؤسفة كي نحيط ببعض الخيوط والمفارز التاريخية، فالرجل انتهى منذ مدة ( تم اغتياله عشية الاستقلال ) بما له وما عليه، مثلما انتهت مرحلة شططه واستبداده، ولا يمكن تناوله إلا من الوجهة التاريخية، أو بمعنى معين مشاغبة ذاكرة المنطقة باستنطاق ما توفرمن مصادر أو مراجع / وثائق، رغم ما يكتنف المرحلة ككل من مآس وجراح عميقة .

ولد القايد ادريس بن محمد بن ناصر بن محمد المجاطي والمدعو أيضا المقداد سنة 1891 بأعالي أهل الواد التابعة إداريا لجماعة باب مرزوقة / إقليم تازة ويرجح أن أصله من عرب مجاط الذين نقلهم السلطان الحسن الأول من سوس إلى سهل الغرب ومن ثمة استوطن جده الأعلى المسمى سيدي يحيى مدينة وزان، ثم يمم شطر أهل الواد بغياثة، حيث طاب له المقام هناك وأنجب الذرية والسلالة المعروفة بآل المجاطي والذين انحدر منهم الإبن ادريس، هذا الأخيرتزوج أربع نساء وأنسل خمسة وعشرين (25) طفـــــلا وليس أربعين كما ورد خطأ عند عبد السلام بن سودة في ” إتحاف المطالع “بينهم ثمانية عشر ( 18) من الذكور .

وصفت بعض الوثائق الرجل بأنه ” عصي على الفهم ” فهو أولا لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه طموح وحيوي وسلطوي ينعت بالعنف، وتلك الحيوية يمكن أن تصل إلى مستوى ” النزق ” الذي لا يعرف أية حدود تارة وتارة أخرى يتحفظ الرجل في سلوكه ويحسب خطواته بدقة، وقد تدرج شأنه في ذلك شأن الكثير من القواد بالمناطق القروية من مجرد شيخ في مجال أهل الواد سنة 1917 إلى تقلده منصب خليفة ثم قائد غياثة الغربية سنة 1926 وهي نفس السنة التي شهدت استسلام كل من البرانس وغياثة الغربية، ثم مد نفوذه شيئا فشيئا نحوتازة وغياثة الشرقية في سنة 1929 واستكمل القائد المجاطي سلطته على غياثة بإخضاعه لبني وجان سنة 1941 .

قال عنه عبد السلام بن سودة في كتابه ” إتحاف المطالع بوفيات أعيان القرن الثالث عشروالرابع ” “كان هذا الرجل من العاملين مع الاستعمارمنذ نشأته واكتسب بذلك أموالا وأراض وجنات ودورا وهو الذي بنى قرية قرب تازا وجعل منها مسجدا ترى صومعته من بعيد ” وقارنه بالكلاوي باشا مراكش، كما شبهه الفرنسيون ببوشتى البغدادي باشا فاس وجلادها خلال بداية ثلاثينيات القرن الماضي وإن كان تعامله مع الاستعمارواضح جلي عبر كل مراحل حياته المثيرة، فإن المجاطي بدأ في الحقيقة حاملا للسلاح ضد فرنسا عند توغل جيوشها بمنطقة تازة وبعد قصف بيته من أعلى جبل الطواهر من طرف مدفعية الجيش الاستعماري، تيقن إذذاك – كما تذهب إلى ذلك بعض الروايات – من اختلال موازين القوى بين القبائل المقاومة والجيش الفرنسي مع الكوم وجيش إفريقيا المجهز بأحدث الوسائل الحديثة الفتاكة ( خلال تلك الفترة التاريخية ) وإذا عرفنا أن تواريخ التغلغل الاستعماري بالمنطقة امتدت من 1912 وحتى سنة 1927 اتضح لنا أن مقاومة الرجل لم تتجاوز شهورا معدودة على أبعد تقدير، سلم بعد ذلك نفسه إلى الجيش الفرنسي وحسب تقريرلهذا الجيش فقد تقدم في البداية بمفرده إلى رئيس مصلحة الاستعلامات بصفته الناطق الرسمي باسم القبيلة واتفق مع المسؤول المعني على شروط الخضوع، الشيء الذي أشعل معارضة قوية ضده في صفوف غياثة التي لم تكن بعض فروعها قد أعلت الراية البيضاء بعد، إثر هذه المحطة، تم التسليم بشكل رسمي عبر مكتب بني مكَارة صحبة أهل بني مكَارة وأولاد بوعزة وولاد مريبة الذين أعلنوا الخضوع بعد القبض على شيخهم المتزعم لحركة الجهاد وهو المسمى محمد بن ولد بوعزة .

بدءا من شبابه المبكر إذن انحاز المجاطي إلى جانب فرنسا بل وشارك في العمليات العسكرية ضد بني وجان وغياثة الغربية، وفي مواجهة المجاهدين بزعامة عبد المالك ( قاد المقاومة ضد الفرنسيين بالمنطقة اعتبارا من 1915 وحتى حوالي 1922) وقد حدث هذا بين 1918 و1919 لكن مقاومة قبائل المنطقة استمرت وبشكل عنيف، فبتاريخ 27 شتنبر 1919 استهدفت القوات الفرنسية والقبائل الخاضعة معا، كما شارك المجاطي على نحو فعال في العمليات العسكرية ضد بني وراين فيما بين 1920 و1921 حيث فقد إثر معركة سيدي بوطيب القدرة على تحريك يده اليسرى منذ ذلك الوقت وحتى مقتله بساحة أحراش بتازة في 26 فبراير 1956.

كما وساهم بشكل فعال في المعارك التي سجلت خلال الثورة الريفية وفيما سمته فرنسا بقعة تازة La Tache de Taza بين 1917 و1926، ولكن رغم هذا التعاون عبر المجندين وتسهيل مأمورية الجيوش، تواصلت مقاومة قبائل تازة حتى مستهل سنة 1927 حيث استسلمت آخر فروع مجموعة بني وراين، ولم يكتف القائد المجاطي بذلك بل ساعد فرنسا على أعمال السخرة الرهيبة التي كانت تطال القرويين البسطاء، ومنح الجنود كميات مهمة ( كانت منهوبة من القبيلة ) من الحبوب والزيتون، ساعده على ذلك هيكله التنظيمي المبني على أساس الشيوخ والمتعاونين الموزعين على مختلف دواوير ومداشر غياثة، والذين كان يستقطبهم بدورهم عبر العطايا والرشاوى والهبات والتوسط لدى السلطات الاستعمارية التي طالما غضت الطرف عن تجاوزاته وأشكال شططه .

هنا يطرح السؤال ملحا : ما سر هذا الانقلاب من النقيض إلى النقيض ؟ قد نجد بعض الأسباب أو العوامل في الاختلال الفظيع لموازين القوى بين القبائل المقاومة وجيش الاحتلال، لكن هل هذا العامل وحده يفسر الانقلاب المثير؟ لا نعتقد ذلك، فأمية الرجل وطاقته التي أفرغها في خدمة مصالح فرنسا ومصلحته الخاصة أساسا وإيهامه بعض الناس أنه يخدم مصالح قبيلته، قد تفسر بسلوك يغلب عليه الطابع البراغماتي بل والانتهازي لا أقل ولا أكثر، فقد أثمر تعاونه مع فرنسا مكتسبات ثمينة لهذه الأخيرة تمثلت في إخضاع المنطقة ووضع حد لما سمي ب ” السيبة ” ومن ثمة استغلال كل مواردها في جو من الاستقرار والهدوء (؟!!!! ( ونستطيع الجزم أنه لم يكن للرجل أي وهم حول الجهة التي يعاديها بنفس حجم الجهة التي يدعمها دون قيد أو شرط .

عاشت المنطقة خلال الثلاثينيات وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية حالة حصار فعلي لخوف الإدارة الاستعمارية من انتشار الوعي الوطني ونقصد عودة مفاهيم العمل المسلح إلى الناحية، خاصة وقد صاحب هذه الأجواء عسكرة شاملة وتطويق أمني وإرهاب نفسي لأهل تازة والناحية، وخلال فترة الحرب ع الثانية ساهم المجاطي في المجهود الحربي الفرنسي على نحو ملموس، استحق ثناء الجيش الفرنسي وتهنئة الجنرال نوكَيس بتاريخ 15 فبراير 1943 علاوة على العديد من الأوسمة والنايشين، حيث يشير الأرشيف الفرنسي إلى أنه جند ما يناهز 1300 من أهالي قبيلة غياثة قصد القتال في صفوف الكوم تحت قيادة الجنرال كيوم أو القوات التي انضوت تحت إمرة الجنرال جوان في جبهة إيطاليا ثم جنوب فرنسا ضد الجيوش الألمانية ( نذكر خاصة هنا الفرقة المغربية الثانية مشاة بقيادة الجنرال دودي2DIM) بالإضافة إلى استغلال ما يزيد عن 2000 من أهالي غياثة في أعمال السخرة كإقامة البنية التحية من تعمير وطرق وقناطر وسكك حديدية ونقل المؤن إلى الجيش الفرنسي .

غير أن المجاطي من جهة ثانية اهتم كثيرا بما يمكن وصفه بالسياسة ” البناءة ” لسلطات الحماية من أجل القضاء على ” السيبة ” أي المقاومة ومن ثمة إنجاح حرب التهدئة من جهة ومن جهة ثانية قصد اختراق مختلف فروع القبيلة بواسطة الطبابة الاستعمارية التي استغلت تماما الأوضاع الصحية المتردية وقدمت نفسها بوجه ” إنساني ” أمام استفحال الأمراض الخطيرة كالجذري والملاريا وداء الكلب، فقد تعاون المجاطي على إحداث عيادات للتمريض بمختلف المراكز العسكرية الفرنسية وخاصة بمناطق غياثة ومدينة تازة، كما اهتم بالتعليم، حيث ساعد وفق التقارير الفرنسية على إقامة مدرستين للتعليم العصري فوق تراب غياثة .

اعتبارا من 1939 بدأت سلطات الحماية تفكرلإيجاد خليفة له في حالة موته أو مقتله، فاتجهت أنظارها إلى أخيه الأصغر الحسين لكنه لم يكن في مستوى ادريس كفاءة وخدمة للفرنسيين، فعدل القوم عن فكرة الخلف مادام ادريس المجاطي متفانيا في تنفيذ كل ما تطلب منه الدولة الحامية ولم يسجل عليه أي ميل عن هذا السبيل رغم ارتدائه للسلهام المغربي طيلة فترة سطوته وشهرته بطوافه على حصانه معمما ” الأمن ” و” السلام ” مما يوحي بشيء من ” تامغربيت “، وتحكي روايات شفوية لها دلالات عميقة من نماذجها دعوته لضباط وأطر الناحية الفرنسيين لإحدى مأدباته الشهيرة بمنطقة أهل الواد، تم شي عشرات الشياه في جو إقطاعي باذخ، فتناول الضيوف ما تيسر، لكن فَضُل الكثير من لحوم تلك الشياه، فلما شاوره أتباعه بمنحها لبعض الجائعين من أهالي قبيلته صرخ فيهم بعبارته الشهيرة ” فلواد ولا فاهل الواد ” فألقاها أتباعه في مياه واد إيناون ببساطة .

لا نحتاج إلى التذكير بموقف المجاطي من حدث نفي السلطان الوطني محمد بن يوسف ( محمد الخامس) في 20 غشت1953 مع باقي القواد والباشوات الذين وافقوا على الخلع، لا بل شارك ابنه الضابط الناصرفي التنكيل برجال المقاومة وجيش التحريروخلال المعارك المظفرة التي خاضها هذا الجيش منذ 02 أكتوبر 1955 لمدة شهر ونصف تكبد خلالها الجيش الفرنسي وقوات اللفيف الأجنبي خسائر تقدر بمئات القتلى والجرحى، وكانت النتيجة أن وُضع المجاطي وإبنه معا في مرمى استهداف جيش التحرير.

فعلا أدى ادريس المجاطي غاليا ثمن تعاونه الوثيق مع فرنسا الاستعمارية ، فقد تم اغتيال ابنه الناصر قرب منزل العائلة بباب الريح يوم 26 دجنبر 1955 على يد مجاهدي جيش التحرير، وعقب مرور شهرين أي بعد زوال يوم 26 فبراير 1956 وقعت عملية مسلحة مثيرة في قلب مدينة تازة وبالضبط قرب مقر الدائرة الثانية للشرطة ( حاليا ) بأحراش لم يكن المستهدف منها سوى القائد ادريس المجاطي وابنه عبد اللطيف ذي الأربع عشرة سنة بعد إلقاء قنبلة دخانية يدوية وإطلاق وابل من الرصاص حيث سقطا قتيلين على الفوروكانت آخر جملة تفوه بها القائد ادريس ” أولد بليهودي لاخور دارها بيا “- حسب رواية شفوية – وكان مقتلهما على يد أحد مجاهدي جيش التحرير وأصيب معه عامل الإقليم وقتذاك امحمد الخياري، وتم دفن القائد ادريس المجاطي رفقة ابنه بمقبرة الزاوية الدرقاوية الكائنة بين باب الزيتونة وحي جامع الكبير.

* رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث .

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر