www.alhadattv.ma
*سعيد بعزيز / نائب برلماني
لقد عملت الدولة في حالة الطوارئ الصحية، على توسيع اختصاصات الولاة والعمال، وأبقت على استمرارية المرافق العمومية الحيوية، بهدف تأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين، وأهم هذه المرافق، الصحة والعدل، حيث أعطت للسلطات الصحية حق اتخاذ أي قرار أو إصدار أي أمر تستلزمه حالة الطوارئ الصحية المعلنة في حدود اختصاصاتها، مما يجعلها في الوقت الراهن تأتي في المرتبة الثانية بعد السلطات الولائية والإقليمية، والأمنية، والعسكرية.
وفي ظل هذه المجموعة المؤسساتية المكلفة بتدبير المرحلة، وتحت الرقابة الإدارية للولاة والعمال، يمكن الوقوف عند مهام الشرطة الإدارية المخولة لرؤساء الجماعات أو نوابهم في ميادين الوقاية الصحية والنظافة والسكينة العمومية وسلامة المرور.
وأمام هذه الوضعية الحرجة، من الصعب أن تتغلب الدولة على مواجهة تفشي جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، في مختلف العمالات والأقاليم، بالرغم من إقرارها استمرارية المؤسسات العمومية الحيوية في تقديم خدماتها، مما يدفعنا إلى استحضار الأدوار التقليدية للتطوع، باعتبارها قاعدة اجتماعية إيجابية ونبيلة، يتم من خلالها تقديم العون والمساعدة للمؤسسات والإدارات العمومية في حالة الكوارث من أجل ضمان تقديم خدماتها لأفراد المجتمع، إذ تستعين بالمتطوعين لتسديد الخصاص الحاصل لديها في الأزمات وكل المراحل الصعبة، فتكون الخدمات المقدمة من طرف المتطوعين تحت التأطير والإشراف المباشر لأطرها، بهدف ضمان الأمن والاستقرار وتنمية المجتمع.
طبعا، التطوع في المنظور التقليدي له ارتباط مباشر بحالة الطوارئ الناجمة عن وقوع كوارث معينة، طبيعية أو مدبرة، لذلك فقوة وتقدم المجتمعات تعرف في المحطات التاريخية الصعبة، بالتضامن والتآزر والتعاون بين أفرادها، وكل ما من شأنه أن يجعلها تمر إلى بر الأمان بأقل الأضرار.
وهكذا، تطور العمل التطوعي إلى أن شمل مختلف مناحي الحياة، وأصبح يسخر الفرد نفسه خدمة للمجتمع، بوازع إنساني محض، عن طواعية وإرادة حرة، ودون إكراه أو إجبار أو أية ضغوط مهما كانت أنواعها ودرجاتها، وذلك عبر تقديم العون والمساعدة ومؤازرة أفراد أو مؤسسات، بقصد توحيد الجهود في اتجاه واحد وتحقيق مصلحة معينة، سيما أن الأمر يتعلق بتقديم خدمات مجانية أو القيام بأي عمل غير ربحي، إذ لا يتلقى صاحبه أجرا أو تعويضا أو مقابلا مهما كان نوعه، ولا يرتبط بوظيفته، وإن كان أحيانا كثيرة مطابقا لمهامه الوظيفية بهدف استثمار خبراته ومهاراته، ولكي يكتسب صفة التطوع يشترط أن يكون خارج أوقات العمل، ويهدف إلى مساعدة الآخر وتحقيق مصلحة.
والمرحلة التي تمر بها بلادنا، مرحلة دقيقة بامتياز، وسيكون لها ما بعد الجائحة، والاستعداد للتطوع والانخراط فيه، نابع من عمق الإجماع الوطني حول المبادرات والتوجيهات الملكية السامية، والتي اتسمت بالاستباقية والحمائية، من أجل الحد من تفشي فيروس كورنا ـ كوفيد 19.
لذلك أعلنت العديد من الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية، على القيام بالحملات التحسيسية، والانخراط في المبادرات التي تعلن عنها أو تقوم بها الجهات المخول لها قانونا اتخاد التدابير والإجراءات المرتبطة بهذه المرحلة وتنفيذها، فالتطوع في مثل هذه الظروف الصعبة غير مسموح به خارج سياق تأطير وإشراف الجهات المذكورة، لأنه مهما كانت الخدمات المقدمة في إطار تطوعي، فإنه يجب أن تستند على التخطيط والدراسات القبلية والتوجيه نحو اختيار العمل الذي تكون له أثار إيجابية، حفاظا عن أمن وسلامة الجميع، وبالاستناد على المؤهلات المعرفية للمتطوعين، فأن يخرج مثلا، طبيب في حملة تحسيسية مشيا على الأقدام، وسط الشوارع، يخاطب ويناشد الساكنة بالمكوث في منازلهم بواسطة مكبرات الصوت مرتديا زيه الرسمي، وهو يفسر خطورة الوباء على صحة الإنسان، ويذهب إمام المسجد في محيطه الاجتماعي ليقدم توجيهات في هذا المجال، ويختتم أستاذ درسا عن بعد، بتقديم توجيهات لتلاميذه ويحثهم على نقلها لذويهم، لا شك أنه سيكون لخطابهم تأثير أكبر على المتلقي، وسيصبح المخاطب أكثر حماسية من أجل الانخراط في مواجهة المرحلة بحس المسؤولية وروح التضامن الوطني.
كما أن التطوع في زمن حالة الطوارئ قد يكون أقرب للواجب، فمثلا حين تكون الدولة في حالة حرب، سيصبح التطوع شبه ملزم للجنود المتقاعدين، وقس على ذلك في زمن جائحة فيروس كورنا ـ كوفيد 19، فالأطباء والأطر الصحية المتقاعدون أو الموجودون في حالة استيداع أو إلحاق أو تفرغ ملزمون أخلاقيا بالانخراط في العمل التطوعي خلال فترة حالة الطوارئ الصحية، أضف إلى ذلك كل القطاعات الحيوية، في إطار الدفاع على الوطن تجاه هذا العدوان والتهديد الوبائي.
فأن يشارك أفراد من مختلف المشارب في القيام بحملات النظافة والتعقيم، والمساعدة على إخلاء الساحات العمومية، أو توفير مجموعة من الحاجيات، سواء كانوا فرادى أو مجموعات أو هيئات، ودون انتقائية فيما يقومون به، وتحت إشراف الجهات المكلفة بذلك قانونا، فهم يساهمون في صنع التاريخ، وستعرف الأجيال القادمة أن التي عاشت زمن فيروس كورنا، واجهته بتدابير وإجراءات حازمة، ستكون مرجعا مهما، تنضاف إلى ما سجله المغاربة على مر التاريخ من بطولات بمداد من ذهب.
ومن هذا المنطلق، وبكل روح وطنية، سبق أن أعلنت الكتابة الإقليمية للحزب بجرسيف، في بيانها منذ الوهلة الأولى، وتحديدا يوم الجمعة 20 مارس 2020، على أن جميع الاتحاديات والاتحاديين يضعون أنفسهم رهن إشارة الإدارة من جهة، وساكنة الإقليم من جهة ثانية، قصد القيام بكل ما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد في ظل هذه الظرفية.
فـ”جميعا من أجل محاصرة انتشار جائحة فيروس كورونا”.
و”جميعا من أجل الدفاع على الوطن تجاه هذا العدوان والتهديد الوبائي الخطير”.
