المياه العادمة تحاصر بوزملان… حين يغيب المجلس ولا يحضر المنتخبون إلا في الحملات

www.alhadattv.ma

في مركز بوزملان، التابع لجماعة آيت سغروشن بدائرة تاهلة إقليم تازة، لم يعد التدهور البيئي حدثا طارئا يستدعي الاستنفار، بل صار جزءا من المشهد اليومي، ألفته العيون واعتادته الأنوف. فقنوات الصرف الصحي تفيض في الشارع الرئيسي للمركز، وتسكب مياهها العادمة على قارعة الطريق أمام المنازل والمحلات التجارية، في مشهد يحول الشريان الرئيسي للمركز إلى مجرى مفتوح للتلوث، ويزكم أنوف الساكنة والمارة والعابرين على الطريق الجهوية 5401. وقد سبق للجريدة أن رصدت هذا الوضع، غير أن شيئا لم يتغير، ولم يسجل أي تدخل، وكأن ما ينشر لا يعني أحدا.
وما يظهر في الشارع الرئيسي ليس سوى الجزء المكشوف من أزمة أعمق عمرت لعقود. فمختلف أحياء المركز لا تزال إلى اليوم خارج أي شبكة للتطهير السائل، ولم تعرف أي شكل من أشكال التهيئة، تتصرف فيها الأسر في مياهها العادمة بوسائل بدائية تتسرب مخاطرها إلى الفرشة المائية والتربة والمحيط البيئي للمنطقة، في مركز يفترض أن ينعم بثروته المائية، لا أن تتحول إلى مصدر لتلويثها. وتنضاف إلى ذلك أكوام الأزبال المتراكمة في عدد من النقاط، في ظل تدبير لقطاع النظافة يصفه السكان بالعشوائي، لا انتظام في الجمع، ولا حاويات لائقة، ولا تطهير ولا تعقيم. إنها صورة مركز متروك لمصيره، يدفع ثمن الإهمال من صحة أبنائه وكرامتهم.
وقد سئمت الساكنة الشكوى. فعلى امتداد سنوات طويلة جرب السكان كل الوسائل: الاتصال المباشر بالمنتخبين، والتنبيه، والاحتجاج، ونشر الصور والتدوينات، ومجالسة المسؤولين في المناسبات. وفي كل مرة كان الجواب واحدا: وعد بالتدخل «قريبا»، ثم صمت طويل، ثم عودة المشهد نفسه. حتى صار الناس على قناعة بأن المشكل لا يكمن في جهل المسؤولين بالواقع، فهم يعرفونه جيدا ويعبرونه كل يوم، بل في غياب الإرادة وانعدام الإحساس بالمسؤولية.
والأمر لا يتعلق بمنة يتفضل بها المنتخبون متى شاؤوا، بل بالتزام قانوني صريح. فالمادة 83 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات تجعل التطهير السائل والصلب وجمع النفايات المنزلية وتنظيف الطرقات والساحات العمومية من صميم الاختصاصات الذاتية للجماعة، والمادة 100 من القانون ذاته تخول رئيس المجلس صلاحيات الشرطة الإدارية في مجال الوقاية الصحية والنظافة، فيما يلزم القانون 28.00 الجماعات بتدبير النفايات المنزلية وضمان جمعها ونقلها في ظروف سليمة. ويلزم الفصل 31 من الدستور الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين من الحق في العيش في بيئة سليمة، ويخضع الفصل 154 المرافق العمومية لمعايير الجودة والمحاسبة والمسؤولية. فأي معنى لهذه النصوص في مركز تجري فيه المياه العادمة أمام الأبواب منذ عقود؟
والمفارقة الصارخة أن هؤلاء المنتخبين الذين يغيبون عن معاناة الساكنة طيلة الولاية، يتحولون فجأة، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، إلى نشطاء لا يكلون ولا يملون. يجوبون الدواوير والأحياء ليل نهار، يطرقون الأبواب ويوزعون الوعود الوردية بسخاء، بحثا عن أصوات ساكنة لم يلتفتوا إلى مطالبها يوما. بل إن منهم من غير لونه السياسي كما يغير المرء معطفه، واشتغل في الحملة لصالح حزب غير الذي يمثله داخل المجلس الجماعي، في ممارسة تفرغ الانتماء الحزبي من كل مضمون، وتحوله إلى مطية انتخابية تباع وتشترى، وتكشف أن الولاء الحقيقي ليس للبرنامج ولا للساكنة، بل للكرسي والمصلحة. أما الساكنة فتبقى وحدها ثابتة في موقعها: موقع من يدفع ثمن الوعود المؤجلة.
إن المسؤولية عن هذا الوضع المزري لا تقع على رئيس المجلس وحده، بل يتقاسمها المجلس الجماعي بأغلبيته ومعارضته. فالأغلبية تملك القرار والميزانية وأدوات التنفيذ ولم تفعل شيئا يذكر، والمعارضة تملك أدوات الرقابة والمساءلة والترافع ولم تستعملها بما يوازي حجم الكارثة. وبين أغلبية عاجزة ومعارضة صامتة، ضاعت عقود من عمر المركز، وتحولت المؤسسة المنتخبة إلى هيكل بلا روح، حتى ليبدو للمتتبع أن بوزملان منطقة بلا مجلس ولا ممثلين عن ساكنتها.
وأمام هذا الواقع الذي تجاوز كل ما يمكن تصوره، تطالب الساكنة بتدخل فوري لإصلاح قنوات الصرف المتضررة وتطهير الشارع الرئيسي، وببرمجة فعلية لتعميم شبكة التطهير السائل على مختلف أحياء المركز وتهيئتها، وتنظيم جمع النفايات بوتيرة منتظمة وتجديد الحاويات. كما تدعو عامل إقليم تازة، بصفته سلطة المراقبة، إلى تفعيل الصلاحيات التي تخولها له المادة 76 من القانون التنظيمي 113.14، بمطالبة رئيس المجلس بمزاولة المهام المنوطة به قانونا، وعند الاقتضاء إحالة الأمر على القضاء الاستعجالي، قبل أن يتحول المركز إلى بؤرة تهدد السلامة الصحية لسكانه وزواره.
بوزملان لا تطلب معجزة، بل تطلب فقط أن يكون لها مجلس يستحق اسمه. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل مياهها العادمة في الشارع الرئيسي أصدق تقرير عن حصيلة من يتولون تدبير شأنها، وأبلغ جواب على وعودهم الوردية.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر